سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*]
رامي حنفي محمود
تفسير الربع الرابع من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط
الآية 61: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ ﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود: ﴿ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ حينَ عبدوا الأصنام مِن دون اللهِ تعالى، فـ (قَالَ) لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يَستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ فأخلِصوا له العبادة، إذ (هُوَ) سبحانه الذي ﴿ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ أي بدأ خَلْقكم من الأرض (بخَلق أبيكم آدم منها)، ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي جَعَلكم عُمَّارا لها، وجعلكم تنتفعون بما فيها، فكما أنه لا شريك له في ذلك، إذاً فلا تُشركوا به في عبادته، (واعلم أنّ في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ دليلٌ على النَهي عن (تلوث البيئة) وأنه من المُحرَّمات).
♦ ثم قال لهم: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ أي فاطلبوا منه أن يَغفر لكم ما صَدَرَ منكم من الشرك والذنوب، ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ أي: ثم ارجعوا إليه بالإيمان والعمل الصالح، ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ مِمَّن أخلصَ له العبادة، ورَغِبَ في التوبة إليه، ﴿ مُجِيبٌ ﴾ لمن دعاه وحده، ولم يَدعُ غيره.
♦ واعلم أنَّ القُربَ نوعان: قربٌ بعِلمِهِ - سبحانه - وإحاطته مِن جميع خَلقه، وقربٌ مِن عابدِيهِ وداعِيهِ (بالإجابة والمَعُونة والتوفيق والرحمة)، وهذا مِثلما يقول أحدهم: (هذا الرجل مِن المُقرَّبين لَدَيّ) - أي مُقّرَّبٌ منه في المَنزلة والعطاء وقريبٌ إلى رضاه عنه، وليس مُقّرَّباً منه بجسده.
♦ وهذا النوع من القُرب يَقتضي لُطفه تعالى بسائليه وإجابته لدعواتهم، ولهذا يَقرن سبحانه دائماً اسمه "القريب" باسمه "المُجيب".
الآية 62: ﴿ قَالُوا ﴾ أي: قالت ثمود لنبيِّهم صالح: ﴿ يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا ﴾: أي: لقد كنا نرجو أن تكون فِينا سيدًا مُطاعًا ﴿ قَبْلَ هَذَا ﴾ أي قبل هذا القول الذي قلته لنا، (وهذه شهادة منهم لنبيِّهم صالح بأنه كانَ معروفاً بينهم بمَكارم الأخلاق ومَحاسن الصفات، وأنه مِن خِيار القوم)، ولكنه لَمَّا جاءهم بهذا الأمر - الذي لا يُوافق أهواءهم الفاسدة - قالوا له: ﴿ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾؟ ﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ أي مُوقِع في الحيرة والقلق والتردد.
الآية 63، والآية 64: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ أي على عِلمٍ يَقيني أوحاه إليَّ ربي، وأمَرني أن أدعو الناس إليه، وهو عبادته وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق المُستحق وحده للعبادة، ﴿ وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ﴾ وهي النُبُوَّة والرسالة، ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ أي: فمن الذي يَدفع عني عقابَ اللهِ إن عصيتُه ولم أُبَلِّغ رسالته لكم (بسبب توبيخكم لي)؟! ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾: أي فما تَزيدونني - إن أطعتكم وعصيتُ الله - إلاّ الخُسران والعذاب.
﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾ قد جعلها ﴿ لَكُمْ آَيَةً ﴾ تدلُّ على صِدقي فيما أدعوكم إليه (لأنها خرجتْ من الصخرة)، ﴿ فَذَرُوهَا ﴾ أي فاتركوها ﴿ تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ﴾ (فليس عليكم رِزقها)، ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ﴾ أي: ولا تذبحوها ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ أي قريبٌ مِن وَقت ذَبْحها.
الآية 65: ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾: أي فكذَّبوه وذبَحوا الناقة، ﴿ فَقَالَ ﴾ لهم صالح: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ﴾: أي استمتعوا بحياتكم في بلدكم ﴿ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ﴾ فإنّ العذاب نازلٌ بكم بعدها، ﴿ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أي لابد مِن وقوعه.
الآية 66: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ بهلاك ثمود: ﴿ نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ﴾ ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ أي: ونجيناهم مِن ذُلّ ذلك اليوم وإهانته ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ (ومِن قوته وعِزَّته أنْ أهلَكَ الأمم الطاغية، ونَجَّى الرُسُل وأتْباعهم).
الآية 67، والآية 68: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ يعني: وأخذت الصيحة القوية ثمود الظالمين ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ أي مَوتى هامدين، ساقطينَ على وجوههم لا حِرَاك لهم ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾: يعني كأنهم - في سُرعة زوالهم - لم يَعيشوا في هذه الديار الخاوية، ﴿ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أي جحدوا ربهم الذي خَلقهم ورزقهم فعبدوا معه غيره،وكذلك جحدوا بآيته الواضحة (وهي الناقة)، ﴿ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ من رحمة اللهِ تعالى.
الآية 69، والآية 70: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ﴾ يعني: ولقد جاءت الملائكة - في صورة بَشَر - إلى إبراهيم عليه السلام، لِيُبَشِّروه بإنجاب الولد - ولم يكن يعلم أنهم ملائكة -، فلَمَّا رأوه ﴿ قَالُوا ﴾ له: ﴿ سَلَامًا ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ إبراهيمُ رَدًّا على تحيتهم: ﴿ سَلَامٌ ﴾ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾: أي فذهب سريعًا وجاءهم بعِجلٍ سمين مَشويٍّ ليأكلوا منه، ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ﴾ أي لا تَصِل إلى العِجل الذي جاءهم به، ولا يأكلون منه: ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكَرَ ذلك منهم، ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ يعني: وأحَسَّ في نفسه بخوفٍ منهم (لأنه ظن أنهم أرادوا به شراً عندما لم يأكلوا)، فـ ﴿ قَالُوا ﴾ له: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ أي إننا ملائكة ربك، وقد أُرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم.
الآية 71: ﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ ﴾ يعني: وامرأة إبراهيم - سارة - كانت قائمة مِن وراء الستر تَسمع الكلام، ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ تعجبًا مِمَّا سمعتْ، ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾: أي فبَشَّرَها اللهُ تعالى - على ألسِنة الملائكة - بأنها ستَلِد ولدًا يُسَمَّى "إسحاق" ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ أي: وسيكونُ لها حفيدٌ من إسحاق يُسَمَّى يعقوب.
الآية 72: ﴿ قَالَتْ ﴾ سارة مُتعجبة: ﴿ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾ ﴿ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ يعني: وهذا زوجي في حال الشيخوخة والكِبَر؟ ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾.
الآية 73، والآية 74، والآية 75: ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ وقدرته؟، فما زالت ﴿ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يا ﴿ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ يعني يا أهل بيت النُبُوّة، ومعنى الآية: (لا تتعجبي مِن أمْر اللهِ تعالى، لأنّ إعطاءكم الولد هو رحمةٌ من الله وبَرَكة ، وأنتم أهلٌ لتلك الرحمة والبَرَكة، فلا عَجَبَ إذاً في وقوعها عندكم)، (واعلم أنّ البَرَكة هي الزيادة مِن الخير والإحسان) ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ حَمِيدٌ ﴾: أي مُستحق للثناء في كل حال، ﴿ مَجِيدٌ ﴾: أي ذو مَجْدٍ وعَظَمة.
♦ واعلم أنّ في قول الملائكة لامرأة ابراهيم: ﴿ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ دليلٌ على أنّ امرأة الرجل تُعتبَر مِن أهل بيته، وفي هذا رَدٌّ واضح على مَن يَزعمون أنهم يُحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يُعادونَ زوجاته.
الآية 76: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ أي: فلمَّا زالَ عن إبراهيم الخوف الذي أصابه لعدم أكل الضيوف من الطعام ﴿ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ﴾ بإسحاق ويعقوب: إذا به ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾: أي يجادل رُسُلنا - فيما أرسلناهم به - من إهلاك قوم لوط، ثم ذَكَرَ تعالى سبب مجادلة إبراهيم عليه السلام للملائكة بشأن قوم لوط، فقال: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ ﴾ أي كثير العفو وتَحَمُّل الأذى، لا يُحب المُعاجَلة بالعقاب، ﴿ أَوَّاهٌ ﴾: أي كثير الدعاء والتضرع إلى اللهِ تعالى، ﴿ مُنِيبٌ ﴾: أي يُكثِرُ التوبةَ مِن التقصير، ويُحاسب نفسه على كل ما يَصدر منها.
♦ فبذلك وضَّحَ سبحانه أن إبراهيم عليه السلام كان حليماً رقيق القلب، وكان أوَّاهاً (أي يُكثر مِن قول كلمة (آه) إذا رأى أو سَمِعَ ما يَسُوءه)، وكانَ كثير التوبة والرجوع إلى اللهِ في أموره كلها، فلذلك أراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يَتوبون، ولكنّ اللهَ عَلِمَ أنهم لن يَتوبوا، فلذلك قالت له الملائكة: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ أي أعرِض عن هذا الجدال في أمْر قوم لوط وطلب الرحمة لهم، فـ ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ بهلاكهم، ﴿ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي غير مَدفوعٍ عنهم.
الآية 77: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا ﴾ لإخباره بأمْر إهلاك قومه: إذا به قد ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾: أي أصابه الغَمّ لمَجيئهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ أي: وعَجَزَ عن تدبير خَلاصهم (لأنهم جاءوا له في صورة شباب في غاية الجمال، فخاف عليهم مِن قومه أن يُريدوا بهم الفاحشة، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة)، ﴿ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي: هذا يومُ بلاءٍ وشدة.
الآية 78: ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: وجاء قومُ لوط يُسرعون إليه، ﴿ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي: وكانوا مِن قبل مَجيئهم يأتون الرجال شهوةً مِن دون النساء، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم لوط: ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ ﴾ - أي بنات القرية جميعاً - ﴿ بَنَاتِي ﴾، تَزَوَّجوهنَّ فـ ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ مِمّا تريدون (وسَمَّاهُنّ بناته، لأنّ نَبِيّ الأُمّة بمَنزلة الأب لهم، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود - رضي اللهُ عنه - في سورة الأحزاب: (وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم)).
♦ ثم قال لهم لوط: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ واحذروا عقابه، ﴿ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ أي: ولا تفضحوني بالاعتداء على ضيفي، ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾: يعني أليس منكم رجل عاقلٌ حكيم، يَنهى مَن أرادَ الفاحشة، ويَمنعه عمَّا يريد؟!
الآية 79، والآية 80: ﴿ قَالُوا ﴾ أي: قال قوم لوطٍ له: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾: أي لقد علمتَ مِن قبلُ أنه ليس لنا رغبة في نكاح النساء، ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ أي لا نريد إلا الرجال الذين عندك، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم حين رفضوا الاستجابة له: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾: يعني يا لْيْتَ لي قوة أدفعكم بها، ﴿ أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني: ولو أني أركَن إلى عشيرةٍ قوية تمنعني منكم، لاستطعتُ أن أمنعكم عمّا تريدون، (وقد أرادَ بذلك أنه ليس له أنصارٌ، لأنّه كان غريباً بينهم) ، (ويُحتمَل أن يكون معنى هذه الجملة: ﴿ أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أي: بل سَآوي إلى اللهِ سبحانه وتعالى ليَعصمني منكم).
الآية 81: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قالت له الملائكة - لمَّا رأوا شدة خوفه ونَفاد حيلته -: ﴿ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ وقد أرْسَلَنا سبحانه لإهلاك قومك، وإنهم ﴿ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾ بسُوء بعد أن نَنصرف عنك، (كما قال تعالى في سورة القمر: (﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ أي فأعميناهم حتى لا يَصلوا إلى الملائكة).
♦ ثم قالت له الملائكة: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾: أي فاخرج مِن قريتك أنت وأهلك المؤمنون ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾: أي بعد مرور جزء من الليل (يعني قبل الفجر بكثير)، لتتمكنوا من البُعد عن قريتكم، وأسرِعوا بالخروج، وليَكُن هَمُّكم النجاة، ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ وراءه، حتى لا يَرى العذاب فيُصيبه ﴿ إِلَّا امْرَأَتَكَ ﴾ فاتركها، فـ ﴿ إِنَّهُ مُصِيبُهَا ﴾ من العذاب (مَا أَصَابَهُمْ) (لأنها كانت تَدُلّ قومها على ضيوف لوط)، ثم قالت له الملائكة: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾، فكأنّ لوطاً استعجل ذلك العذاب، فقالوا له: ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾؟، والجواب: بلى قريب.
الآية 82، والآية 83: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ بنزول العذاب بهم: قلَبْنا قريتهم التي كانوا يَعيشون فيها، فـ ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾) وهي حجارة صَلبة شديدة الحرارة، ﴿ مَنْضُودٍ ﴾ أي متتابعة في نزولها،وتَتْبَعُ مَن يُحاول الهرب منها، ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾: أي مُعَلَّمَة عند اللهِ تعالى بعلامةٍ معروفة لا تُشبه حجارة الأرض، ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: وما هذه الحجارة التي أمطرها اللهُ على قوم لوط ببعيدةٍ مِن كفار قريش أن يُمْطَروا بمِثلها (وفي هذا تهديدٌ لكل عاصٍ متمرِّد على الله).
* وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.