عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-10-2021, 05:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: جماليات البناء الفني في مسرحيات باكثير السياسية

وبذلك تُؤكِّد المسيحيَّة الحقَّة براءتها من تشرشل وكلِّ مَن هم في حكمه؛ إذ تلصق به صفة الخيانة حين يدعوه السيد المسيح بـ"يهوذا"، ويُعزِّز هذه الدلالة أنْ كان التصريح على لسان المسيح نفسه وأمام المحكمة التي أقرَّ فيها تكريمه لمفتي فلسطين الرامز لكلِّ المدافعين عن قداسة الأرض المقدسة، ويطلب السيد المسيح من المحكمة إطلاق سراح (شرشل) قائلاً:
أطلقوا سراح هذا المذنب؛ لعله يكفر بالذهب يومًا، ويؤمن بالله، إنَّ خير عقاب لمثله أنْ يُترَك حيًّا؛ لعله يحسُّ يومًا بتأنيب الضمير!".

وهكذا نلمَسُ مقدار الثَّراء الدلالي والرمزي الذي حقَّقه توظيف هذا المشهد الغرائبي الذي تمكَّن من خلاله من استدعاء شخصيَّة المسيح من الذاكرة التاريخيَّة لتمثل شاخصة بهيئتها أمام المحكمة لتكون شاهدًا على الحاضر المعيش.

وهناك مشهد غرائبي آخَر تَمَّ التوسُّل به في مسرحيَّة "معجزة إسرائيل"[17].
تدخُل جولدا ميرسون تحمل الطفل وقد كُسي ثوبًا عليه شارة إسرائيل، والطفل يضطرب كأنما يحاول التملُّص من يدها.
جواتيمالا: (تهتف) سلامٌ على المسيح المنتظر (يدنو منه ليقبله)، أهذا ابني من صلبي! لا شكَّ عندي في ذلك.
الطفل: (يلطمه لطمة قويَّة)، لا أقام الله صلبك، إليك عنِّي يا داعر!

جواتيمالا: (يتقهقر عنه) أسمعته يا مونسينور كيف نطق، إنَّه لطمني تدليلاً لي لأنِّي أبوه الحقيقي!
المندوب: يرسم علامة الصليب؟

العم سام: أنا أوَّل مَن اعترف به قبل الإنس والجن (يدنو منه ليُقبِّله).
الطفل: (يفقأ بإبهامه إحدى عينيه، لا تلمسني أيها الخنزير القذر).

إنَّ الطفل الذي قدَّمته راشيل على أنَّه مولودها؛ ليُباركها العم سام والمندوب السامي وجواتيمالا كان مُحيِّرًا لهم، حتى إنَّ الدب الأحمر فسَّر قُدرته على الكلام بقوله: ربما ركب في جهاز فوتوغرافي سري من صُنع أحد العلماء الأمان الذي استولى عليه جنبول".

بَيْدَ أنَّ الطفل يقول للمندوب:
أيها الأب الصالح، إنِّي لست ابن هذه اليهوديَّة العاهرة".
راشيل: (تصيح) احمله يا جولا، أبعِدْه من هنا.
المندوب: دعينا ويلك نسمعه.
الطفل: ولست مسيح اليهود الكاذب، ولست طفلاً صغيرًا يتكلَّم في المهد...
جواتيمالا: لقد بدأ الطفل يخرف.
الدب الحمر: اسكُت ويلك... دعه يتمُّ حديثه.. لقد أوشك سرُّ المعجزة أن ينكشف!
الطفل: ولدت منذ ثلاثين سنة من أبٍ عربي مسلم وأمٍّ عربيَّة مسيحيَّة فاختطفني...
جونبول مقاطعًا: أتُصدِّقون مثل هذا المحال؟ أين ذهبت عقولكم؟!
الدب الأحمر: اسكت.. اسكت...
الطفل: فاختطفني جونبول هذا بعدما قتل أبوي ثم قمطني فمنع جسمي من النمو فبقيت كما ترَوْن.. وجاء بهذه العاهرة ففتَح لها الماخور في هذه الأرض المقدَّسة أرض آبائي وأجدادي (يجهش باكيًا).

إنَّ هذا المشهد حافلٌ بالإثارة، يمزج فيه الفنان باكثير الخيالَ بالواقع، والصريحَ بالرمزي، والرُّؤية المؤدلجة بالمهارة الفنيَّة الحاذقة، لقد جعل هذا المشهد الغَرائبي المتلقِّي يعيشُ حالة من الترقب لإدراك حقيقة الطفل الذي يتكلَّم في المهد، ومثلما التبست في صُورة الشَّبح النوراني هيئة المسيح بالمفتي التبست هنا صُورة الطفل الموعود بصورة المسيح الذي تكلَّم في المهد.

وأثار هذا المشهد الغرائبي شهيَّة المتلقي لإدراك سرِّ الطفل، وجعَلَه يترقَّب لإدراك حقيقة الطفل الذي يتكلَّم ويقوم بتصرفات مختلفة؛ لطم جواتيمالا، وفقأ عين سام، وتكلم في المهد، إنَّه الطفل الرجل والرجل الطفل، لكنَّ الطفل يكشفُ عن عمليَّة التقميط التي قام بها المندوب، وهي تعبير رمزي عن اغتيال المشروع العربي الإسلامي للاستقلال، في فلسطين، وهي التي عاقت نموَّه، ولم يكتفِ المندوب بعمليَّة التقميط، بل أراد نسبة الطفل لراشيل ليكون هو المولود المزعوم.

لقد نجحَ الكاتب في إضفاء الالتباس والتداخُل في صورة الطفل، كما نجَح في فكِّ ذلك الالتباس بمهارةٍ فائقة، وكشَف عن حقيقته على لسانه كما كشَف عن حقيقة الشبح النوراني على لسانه أيضًا وجعَل كلاًّ منهما يظهرُ الحقيقة التي يرومُ الكاتب أنْ يبرزها في سياق مسرحيَّته، إنَّ المسرحيَّة تكشفُ عن ولادة إسرائيل في "ليلة 15 مايو"[18]، وقد نُشرت المسرحية في 13/6/1948م؛ أي: في فترة زمنيَّة وجيزة لا تتجاوز ثمانية وعشرين يومًا من إعلان دولة الكيان الصِّهيَوْني؛ ممَّا يعني مواكبة الكاتب للحدَث وقدرته على تجسيده في سياق فني ودلالي مُكثَّف ومتميز.

ونشير إلى أنَّ فكرة الطفل المقمط قد برزت وتبلورت ذواتها في مسرحيَّة "ليلة 15 مايو" التي نُشِرت في يوم 30/5/1948م؛ أي: قبل نشر مسرحيَّة معجزة إسرائيل بثلاثة عشر يومًا، بَيْدَ أنَّ باكثير لم يحرز نجاحًا في توظيفه كما أحرزه في مسرحية "معجزة إسرائيل"؛ إذ أفلت الرمز من يديه، وأسلم الحوار للحقيقة الواقعيَّة عاريًا من الترميز، وكأنَّ مسرحيَّة "معجزة إسرائيل" كانت استِدراكًا لما فاته في مسرحيَّة "ليلة 15 مايو"، وحِرصًا منه على استثمار الطاقة الدلاليَّة للرمز.

ويمكن الإشارة إلى أنَّ الطفل قد توسَّل للمندوب بألا يسلمه لراشيل ولا للدب الأحمر ولا للعم سام ولا لجنبول، قائلاً:
إيَّاك أنْ تسلمني لهذا الخائن المنافق، سلِّمني لأحد أعمامي، أتوسَّل إليك.

ويتنبَّأ الكاتب بنهاية إسرائيل بقوله على لسان المندوب:
إنِّي أشمُّ رائحة العذاب، بنجوريون يلهث من الحقد: لن ينزل العذاب إلا على أعداء إسرائيل، على مكة وروما، نحن شعب الله المختار، سيحمينا إله إسرائيل ويهلككم أجمعين، يسمع أزيز الطائرات ثم دوي القنابل.
راشيل: (تفيقُ من غيبوبتها): ما هذا يا جولدا؟ ما هذا يا بنجوريون؟

احملوني إلى المخبأ.. احملوا مجد إسرائيل (يحملان راشيل وابنها إلى المخبأ ويخرجان بهما).

رابعًا: التناص:
تحفل مسرحيَّات على أحمد باكثير بوفرة النصوص التي قام باستدعائها وتذويبها في مسرحيَّاته، وقد تنوَّعت تنوُّعًا كبيرًا بين نصوص مقدَّسة قرآنيَّة وإنجيليَّة، وبين نصوص أدبيَّة مسرحيَّة وشعريَّة وأمثال، وغير ذلك كما سنُبيِّن في إشارات سريعة:
التناص مع القُرآن: ومن ذلك ما ورد في عنوان مسرحية أضغاث أحلام فهو تناص مع قوله - تعالى - في سورة يوسف: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ [يوسف: 44].

وورد في الحوار الذي دار في الأمم المتحدة بخصوص إعلان دولة الكيان الصِّهيَوْني، على لسان تركيا:
"هذا الاتِّفاق لا يمكن أنْ يقوم؛ لأنَّه وقع على باطل صريح أملَتْه الغباوة من أحد الجانبين والخديعة من الجانب الآخَر، وسيصلي الغبي بنار صاحبه وشيكًا فيندم ولات ساعة مندم"[19].

فالتناص مع القرآن في قوله: وسيصلى الغبي بنار صاحبه، فهو تناص مع قوله تعالى: ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾[المسد: 3].

ومن التناص مع القُرآن ما ورد في مسرحيَّة "اهدمي بغداد"[20] التي تمحورت حول معاهدة بورتسموث ومظاهرة العراقيين ضدها، يقول قائد المتظاهرين: إنَّ الإنجليز عدوُّكم الأوَّل مهما تنوَّعت أساليبهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار، ويقول صالح جبر مخاطبًا نوري السعيد: ويلك! أتريد أنْ تكون مثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، وفي هذا تناص مع قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الحشر: 16].

وفي مسرحيَّة "سأبقى في البيت الأبيض" يقول على لسان بنيامين ردًّا على الرئيس الأمريكي حين قال:
لعنةُ الله على هتلر؛ أراد إبادة اليهود ولكن اللعين أخفق.

بنيامين (يتغيَّر وجهه) يؤسفني يا سيدي أنْ أجد في لحن قولك ما يشعر بأنَّك تود لو نجح"[21]، وهذا يتناص مع قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 30].

ومن التناص مع التراث المسيحي: قول الشبح الذي هبط بصورة السيد المسيح يقول: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة"، وهي مقولة دالَّة، ولا سيَّما في مسرحيَّة "أضغاث أحلام" التي تناولت الإشارة لأهوال الحرب العالميَّة الثانية، والفظائع التي تمخَّضت عنها، فهي تذكير بحقيقة المسيحيَّة، وأنها سلام ومحبَّة؛ ممَّا يتعالق تعالقًا ضديًّا مع مضمون المسرحيَّة.

التناص مع التاريخ:
إنَّ التاريخ عند باكثير "معرض للنقد، وهو ليس حريصًا على الصِّدق التاريخي في أعماله بقدْر حِرصه على الصدق، وهذا هو المطلوب من الفنَّان وليس حِرصه على التاريخ إلا بالقدر الذي يتيحُ له استخدام التاريخ استخدامًا دراميًّا"[22].

ومن التناص مع التاريخ الإسلامي يقتنصُ الكاتب في مسرحية "أنا أبو بصير"[23]، تلك اللحظة التاريخية في السيرة النبويَّة عقب صُلح الحديبية؛ إذ خرج أبو بصير وأبو جندل لمهاجمة القرشيين حينما ردَّهما الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - التِزامًا ببنود الصلح... وحاوَل باكثير إسقاط الشاهد التاريخي على الحادثة المعاصرة المتعلِّقة بمهاجمة البريطانيين".

والتاريخ عند باكثير منبعٌ يأخُذ منه، ولكنَّه قابلٌ للنَّقد"[24].

ومن توظيف الشعر قوله[25]: للناس فيما يعشقون مذاهب، وهو عجز بيت لأبي فراس الحمداني من قصيدة مطلعها:
أَبِيتُ كَأَنِّي لِلصَّبَابَةِ صَاحِبُ
وَلِلنَّوْمِ مُذْ بَانَ الخَلِيطُ مُجَانِبُ


يقول:
وَمِنْ مَذْهَبِي حُبُّ الدِّيَارِ لأَهْلِهَا
وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ


كما نجد تناصًّا مع مسرحيَّة شكسبير[26]: "يقول شرشل لابنته بعد أنْ قصَّت رؤياها:
الأب (يضحك) هيروشيما! ما الذي أوصلك إلى ذلك البلد البعيد؟ لقد صدق شكسبير إذ يقول عن الحلم: أرقُّ من صافي الهواء، وأشد ذبذبة من الريح التي بينا نراها في الشمال تداعب الثلج الجميل إذا بها ترتدُّ مغضبة فتلثم في الجنوب فرائد الطل"، وقبل ذلك يقول عن الرؤيا نفسها:
بنت الدماغ العابث اللاهي تجيءُ بها أباطيل الخيال" كما يقول شكسبير.

ونلحظ أنَّ الكاتب لا يقحم النص على سياق مسرحيَّته، بل يأتي به في اللحظة المناسبة ليُحقِّق دلالة كأنَّ السياق كان ينتظرها، وتتلاءم مع الشخصيَّة بشكلٍ دقيق.

كما يتناصُّ مع السينما العالميَّة في أحد حواراته؛ إذ يذكر (شرشل) في الحوار بين (تريفول) و(بنيامين)[27]:
إنَّ الناس يَعبُدونه هناك كما يَعبُدون شبيهًا له في المنظر والشكل يرَوْنه في الأفلام الأمريكيَّة.
مَن هو؟
الممثل الهزلي (هاردي).
هاردي؟ (يندفع في قهقهةٍ عصبيَّة) هاردي.
نعم؛ إنَّهم يضحكون عليه كما تضحك عليه الآن...

لقد خشي أنْ يقرنوه إلى (شرشل) فتكتمل الصورة الساخرة للممثِّلين الهزليين (لوريل وهاردي)، يقول:
أخشى أنْ يقرنوني إلى (شرشل).. لا أريد أنْ أكون لوريل.

إنَّ لجوء الكاتب إلى التناصِّ ليس لجوءًا اعتسافيًّا، بل تقتضيه دلالة السياق، ويكشفُ عن ثَراءٍ ثقافي لدَى الكاتب، ثراء في الثقافة التراثيَّة، وثَراء في الثقافة المعاصرة سياسيَّة وفنيَّة، وخبرة عميقة بثقافة شخصيَّاته؛ لأنَّه لا يكتب لنا نصًّا شعريًّا، بل يكتب نصًّا مسرحيًّا يتقمَّص شخصيَّاته، ويتناغم مع ثقافتها، وذلك ليس يسيرًا إلا على فنان مثقَّف، ومثقَّف فنان.

سادسًا: تنويع الحوار:
"يُعتبر الحوار من أهمِّ عناصر التأليف المسرحي؛ فهو الذي يُوضِّح الفكرة الأساسيَّة ويقيم بُرهانها، ويجلو الشخصيَّات، ويُفصح عنها، ويحمل عِبء الصِّراع الصاعد حتى النهاية، وهذه المهمَّة يجب أنْ يضطلع بها الحوار وحده، ولا يعتمد في شيء من ذلك على الشروح والتعليمات التي يضعها الكاتب بين الأقواس، فهذه إنما توضع لمساعدة المخرج على فهم ما يريد الكاتب ممَّا هو مستكنٌّ داخل الحوار، لا ممَّا هو خارجه"[28].

ومن خِلال النص السابق نجد أنَّ باكثير يمتلك وعيًا عميقًا بصَنعته؛ فهو يعرفُ متى يجعل الحوار خارجيًّا ومتى يجعله حوارًا نفسيًّا داخليًّا بما يكفل إيصال الفكرة وتحقيق الإثارة، يقول في مسرحية "معجزة إسرائيل"[29] عن حادثة ميلاد (راشيل) وأنَّ مولودها سيكون معجزة:
الدب الأحمر: آمنوا به إنْ شئتم، أمَّا أنا فلست خرافيًّا مثلكم.
بنجوريون: لقد شهدت المعجزة بعينك.
الدب الأحمر: سيكشفُ الفحص العلمي سرَّ ذلك عمَّا قريب.

فالحوار الخارجي يكشف عن الهوية الأيدلوجيَّة للشخصيَّة، ورؤيتها للحياة وتفسيرها للظواهر، فالاتحاد السوفيتي - المرموز له بالدب الأحمر - ينطلق في رؤيته للحياة من الرؤية الماديَّة؛ فيجحد الغيبيات، والحوار هنا يكشفُ عن هذا البعد؛ حيث يرى أنَّ الفحص العلمي - ولا شيء سواه - سيكشف سرَّ ذلك.

ولو تعقَّبنا الحوار الخارجي لوجدنا الشَّواهد ماثلةً في الدلالة على دقَّة توظيفه، لكنَّنا سنقف عند ظاهرتين من ظواهر الحوار الخارجي تكادان تُؤكِّدان حُضورهما في كثيرٍ من المسرحيَّات السياسيَّة هما: الحذف وأسلوب المرافعة، وسنقف عندهما بشيءٍ من التفصيل كما يأتي:
الحذف:
من الشواهد الدالَّة على الحذف ما ورد في مسرحيَّة "السكرتير الأمين"[30]، فقد ورد الحذف مِرارًا؛ مثل قول زوجة السكرتير تحدثه عن الصِّهيَوْني (موسيه شرتوك):
بل أخشى أنْ يكون همزة وصل؛ فإني أعرف هؤلاء اليهود...

فالحذف في النصِّ يُجسِّد حالة الحذر والتوجُّس من التحدُّث عن اليهود، ليس لدى سكرتير الأمم المتحدة بل لدى زوجته أيضًا، فالحذف يقولُ ما لا يقوله الكلام.. فلك أنْ تحمل الحوار ما تريد من الدلالات السلبيَّة عن اليهود، إنَّ الدلالة منفتحةٌ على آماد التأويل بسبب هذا الحذف، كما يستدعي هذا الحذف تعقيب السكرتير:
هس.. اخفِضي صوتك، آه لو علموا أنَّ زوجتي تحمل هذه الروح اللاساميَّة لقُضِي على مركزي ومستقبلي!

وحينما كان السكرتير مختليًا بشرتوك في حجرة خاصَّة تحرَّكت الستائر، فطَمأَنه السكرتير بأنَّ الحركة بسبب القطَّة كيتي، لكن (شرتوك) يقول:
ظننت أن...
السكرتير: كلا.. هذه حجرتي الخاصة.

فالحذف في نصِّ شرتوك يُشخِّص حالة العرب الصِّهيَوْني، ويُجسِّد مَدَى سريَّة الموضوع وخُطورته، فهنا في هذه الحجرة تتمُّ عمليَّة خيانة كبرى من قبل السكرتير، وتتمُّ عملية مساومة على موقف خطير للغاية.

وفي مسرحيَّة "أضغاث أحلام"[31] تقول البنت حاكية رؤياها المرعبة:
كلا، لا أنام الليلة وحدي أبدًا.
الأم: اطمئنِّي يا ماري... سأنام معك.
الأب: لكن..
الأم: نَمْ وحدك الليلة، أخائفٌ أنت؟!

فالحذف يقتنصُ لمحةً شاردة في نفسيَّة (شرشل) لتأثُّره بالصور المرعبة التي رأتها ابنته (ماري) على الرغم من تظاهره بالاستقواء ولا مبالاته بالرؤيا ما يشفُّ عن مَدَى هزيمته من أعماقه، وهكذا نجدُ أنَّ الحذف سمةٌ من سمات الحوار الخارجي يضطلعُ بإثراء دلالة النصِّ ويقول كثيرًا ممَّا لا يُقال.

أسلوب المرافعة:
من الأساليب التي يتَّسم بها الحوار لدى باكثير أسلوب المرافعة؛ إذ يلجأ - أحيانًا - إلى عقد جلسة محاكمة تتمُّ خلالها المرافعة في قضيَّةٍ ما، وهذا الأسلوب الحواري ورد في المسرحيَّات: "أضغاث أحلام"[32]، و"في سبيل إسرائيل"[33]، و"في بلاد العم سام"[34]، و"السوق السوداء"[35]، ويُعَدُّ أسلوبًا ناجحًا في تناول الموضوعات ذات العلاقات الشائكة التي تتعدَّد فيها وجهات النظَر، ويقتضي حسمها وجود جهة مستقلة يكون من شأنها النُّطق بالحكم.

لقد صوَّرت مسرحيَّة "أضغاث أحلام" جناية (شرشل) ودوره في الحرب العالمية الثانية وظُلمه للألمان، وكانت مسرحيَّة "في سبيل إسرائيل" مُتضمنة مدى المفارقة التي وقَع فيها النظام البريطاني في استماتَتِه في الدِّفاع عن إٍسرائيل ولو على حِساب المصالح البريطانيَّة، حتى إنَّ المرافعة تصلُ إلى حدِّ استصدار حُكم ضد الشاهد الذي شهد بما قاله المتَّهم الذي هتَف بموت بريطانيا؛ لأنها سحَبت جنودها من القنال ولم تعدْ تدافع عن إسرائيل، وتتناول مسرحيَّة "في بلاد العم سام" التهم الموجَّهة لـ(ترومان) من قِبَلِ المستر (هربرت برونل) في خِطابٍ ألقاه أمام الرأي العام من باب الدعاية الانتخابيَّة، مفادها: أنَّ الحكومة السابقة حُكومة ترومان كانت تسمَحُ بتسرُّب الشيوعيين والجواسيس إلى المناصب الخطيرة في الدولة. وتتناول مسرحيَّة "السوق السوداء" محاكمة أحد أبناء تونس (مختار) من قِبَلِ النظام الفرنسي بتُهمة الاتِّجار بالحبوب، وأخْذ الأموال من الأهالي باسم لجنة الإسعاف التونسيَّة؛ لإغاثة المنكوبين بالمجاعة وتحت لافتة العمل الخيري، في الوقت الذي كان المستعمِرون الفرنسيُّون هم مَن يحتكرُ الحبوب ويبيعها في السوق السوداء بأسعارٍ مُضاعَفة.

ولا شَكَّ في أنَّ أسلوب المرافعة يُعَدُّ أسلوبًا ناجحًا في تجسيد مثلِ هذه القضايا، كما أنَّه يُسهِم في توتُّر حدَّة الصراع في المسرحيَّة، ويجعل المتلقي على قدرٍ كبير من التركيز والاحتشاد لما سينجم عنه الحوار والترافع بين الأطراف المتباينة، فمن وظائف الحوار تطوير الحبكة... وتصوير الشخصيَّات في عواطفها وأفكارها والإمتاع الجمالي"[36].

الحوار الداخلي:
برز الحوار الداخلي في مسرحيَّات باكثير السياسيَّة في كثيرٍ من المواضيع، أبرزها في مسرحيَّة "نشيد المارسيليز"[37].

مارماريه: (يقف أمام المِرآة وحدَه).. قد تكون هذه تضحية قاسية.. لكن مَن يدري لعلَّه يقتلني في المبارزة فيستولي على مرغريت.. فهذا أهون الشرَّيْن على كلِّ حال.. مسكينة مرغريت.. إنها تحبني".

الوزير: عجبًا لي! كيف لا أعرف (مدام مارماريه) إلى اليوم، لقد ذهبت أيامك يا دون جوان!

الوزير (يتنفَّس الصعداء ويتمطَّى): رجعت أيامك يا دون جوان.. إنها الجمال كله يتبختر في فستان...

وفي مسرحيَّة "سأبقى في البيت الأبيض"[38] كثُرت المقاطع التي تُمثِّل النَّجوى الداخليَّة لدى الشخصيَّات؛ مثل قول (تروفول):
(يرفع رأسه عن المكتب) لقد كادت روحي تزهَقُ من هذه المقابلات والحفلات والجلسات.. أليس لها آخِر؟

وبعد أنْ يستدعي الحاجب يقول له:
إنِّي لا أريد أنْ أُقابل أحدًا الآن، (يُحدِّث نفسه): هؤلاء الجشعون، لقد أصبح مصيري تحت رحمتهم.. هؤلاء الدُّخَلاء المتحكمون الذين يصدرون أوامرهم إلينا من نيويورك.. لقد صدق من سماها جيو يورك.. كلا، لا أدعهم يتكاثرون في هذه البلاد، لتبتلعهم فلسطين، ولتأكلهم وحوش العرب... خمسة أشهر.. الانتخابات.. البيت الأبيض.. لا.. لا.. سأبقى في البيت الأبيض (يعود فيهوي برأسه على المكتب).

وتستمرُّ هذه المقاطع المونولوجيَّة تُصوِّر الحالة النفسيَّة لتروفول:
تروفول (يحدث نفسه): حائيم ليفي.. ليفي حائيم.. كوهين إيزاك.. إيزاك كوهين.. ليفي إيزاك.. إيزاك ليفي حائيم كوهين.. كوهين حائيم.. بنيامين إيزاك إيزاك بنيامين.. أوَّه! كم ينتج من ضرب هذه الأسماء بعضها في بعض! لعنة الله عليك يا هتلر..

إنَّ الشخصيَّة تُفصح من خلال الحوار الداخلي عن تمزق عنيف.. فما يضمره عكس ما يظهر؛ يُضمر بغضًا لليهود وحِقدًا عليهم ورغبةً في التخلُّص منهم، لكنَّه يُظهر الحفاوة والحِرص والتضحية من أجلهم، ويُسهِمُ الحوار الداخلي في الكشف عن المضمر النفسي ليبرز الصِّراع العميق في الشخصيَّة والتناقُض في الموقف، وبذلك تظهر لنا أهميَّة الحوار الداخلي الذي لولاه لما تمكَّن القارئ من الوقوف على مِثل هذا التناقُض.

ونلحَظُ في النصِّ وفرة الشخصيَّات اليهوديَّة، بل إنَّ باكثير يستحضرُ تاريخ اليهود ويُقدِّم الشخصية اليهوديَّة في رؤاها وطريقة تفكيرها؛ "وهذا يعني أنَّ باكثير كان في ذهنه حضورٌ دائم للتاريخ اليهودي وهو ينتج عمله، بما في هذا الحضور من تجارب وجدانية وتجارب مادية مارَسْناها مع اليهود، وبما أسفر عنه هذا الحضور وهذه التجارب من رسم أبعاد الشخصية اليهودية"[39].

ويقدم ذلك في أسلوب إبداعي يتخيَّر فيه القالب الفني الأنسب لحمل الدلالات المناسبة في تناغُم بين الرُّؤى الفكريَّة والقوالب الجماليَّة.


الخاتمة
ممَّا سبق نستنتجُ الآتي:
إنَّ المسرحيَّات السياسيَّة مُفعَمة بالرؤى الفكريَّة والمواقف السياسيَّة التي يُعبِّر عنها باكثير، وهي في معظمها تتعلَّق بفلسطين، ثم بعلاقة العرب جميعًا مع القوى الكبرى المهيمِنة في العالم.

إنَّ باكثير لم يقمْ بالتسجيل الواقعي للأحداث السياسيَّة، بل تمكَّن من المزج بين المحافظة على جوهر الموضوع، وحمله في قالب فني جميل يثيرُ القارئ ويجلب اهتمامه ويُؤثِّر فيه.

إنَّ باكثير تمكَّن من توظيف عدد من الجماليَّات الفنيَّة التي من شأنها الارتقاء بالعمل الفني المسرحي لديه؛ أبرزها: الحلم والتناص والمفارقة وتعدُّد أنماط الحوار، وفي الحوار نجح في تسخير أسلوبَيِ الحذف والمرافعة، وتمكَّن من خلالهما من تقديم مخصبات جديدة لمسرحيَّاته، كما تمكَّن من توظيف الحوار الداخلي ليتوسَّل به في استنباط المشاعر الدفينة في أعماق شخصيَّاته.

إنَّ المسرحيَّات السياسيَّة تتميَّز بحكم مساحتها النصيَّة بالتكثيف الرؤيوي والفني؛ ممَّا يجعلها قمينة بتخصيص دراساتٍ واسعة وعميقة في زَواياها المختلفة، نأمل أنْ يتحقق مستقبلاً.

والله الموفِّق.

المصادر والمراجع:
1- "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، مكتبة الطليعة أسيوط، 1980م.

2- "جماليات التحليل الثقافي، الشعر الجاهلي أنموذجًا"؛ يوسف عليمات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2004م.

3- "حداثة السؤال"؛ محمد بنيس، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1985م.

4- "الحداثة في الشعر اليمني المعاصر"؛ عبدالحميد الحسامي، وزارة الثقافة، صنعاء، ط1، 2004م.

5- "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 16/10/1946م.

6- "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م.

7- "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م.

8- "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م - 5.

9- "في بلاد العم سام"، الدعوة، 8 ربيع الآخر، 1373هـ.

10- "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، مكتبة مصر، ط3، 1985م.

11- "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

12- "ليلة 15مايو"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

13- "مدارات نقدية: في إشكالية النقد والحداثة والإبداع"؛ فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية بغداد، ط1، 1990م.

14- "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

15- "المفارقة في النص الروائي: نجيب محفوظ أنموذجًا"؛ حسن عماد، المجلس الأعلى للثقافة ط1، القاهرة، 2005م.

16- "المفارقة وصفاتها"؛ دي سيء ميويك، ترجمة: د. عبدالواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النقدي، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، بيروت، 1974م.

17- "نشيد المارسليز"، الإخوان المسلمون، 8/6/1948م - 5.

18- "النص المسرحي، الكلمة والفعل"؛ فرحان بلبل، 2003م، اتحاد الكتاب العرب دمشق، ط1.

من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م


[1] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، مكتبة الطليعة أسيوط، 1980م، ص303.

[2] "مدارات نقدية: في إشكالية النقد والحداثة والإبداع"؛ فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1990م، ص317.

[3] "حداثة السؤال"؛ محمد بنيس، الدار البيضاء، ط1، ص23.

[4] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون؛ 30/11/1946م، ص5.

[5] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، ص69.

[6] انظر: "الحداثة في الشعر اليمني المعاصر"؛ عبدالحميد الحسامي، وزارة الثقافة صنعاء، 2004م، ص112.

[7] "المفارقة وصفاتها"، ص34.

[8] "المفارقة وصفاتها"، ص34.

[9] "المفارقة في النص الروائي: نجيب محفوظ أنموذجًا"؛ حسن عماد، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، القاهرة 2005م، عن: "النص بين النظرية والتطبيق"، ص139.

[10] "جماليات التحليل الثقافي"، ص277.

[11] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمين"؛ 7/3/1948م، ص5.

[12] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م، ص5.

[13] "نشيد المارسيليز"، الإخوان المسلمون، 8/6/1947م، ص5.

[14] "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م، ص5.

[15] "في سبيل إسرائيل"، الدعوة، الثلاثاء 11 صفر 1373م، ص11.

[16] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، مكتبة مصر، ط3، 1985م، ص36.

[17] "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[18] "ليلة 15 مايو"، الإخوان المسلمون، 30/5/1948م، ص5.

[19] "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[20] "اهدمي بغداد"، الإخوان المسلمون، 29/2/1948م، ص5.

[21] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[22] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، 1980م، ص305.

[23] "أنا أبو بصير"، الإخوان المسلمون، 16/10/1946م، ص5.

[24] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، ص307.

[25] "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 23/6/1948م، ص5.

[26] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.

[27] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1948م، ص5.

[28] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، ص69.

[29] "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[30] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 7/3/1948م، ص5.

[31] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.

[32] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.


[33] "في سبيل إسرائيل"، الدعوة الثلاثاء 11 صفر 1372م - ص11.

[34] "في بلاد العم سام"، الدعوة، 8 ربيع الآخر، 1373هـ.

[35] "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م، ص5.

[36] "النص المسرحي، الكلمة والفعل"؛ فرحان بلبل، 2003م اتحاد الكتاب العرب دمشق ط1، ص111 (بتصرف).

[37] "نشيد المارسليز"، الإخوان المسلمون، 8، 6، 1948م، ص5.

[38] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م - 5.

[39] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي؛ د.أحمد السعدني، مكتبة الطليعة، أسيوط، 1980م، ص221.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]