
30-09-2021, 05:06 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (79)
سُورَةُ الْأَنْعَامِ (5)
صـ 491 إلى صـ 495
قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن الآية ، ذكر تعالى في [ ص: 491 ] هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي عدوا ، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن ، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين ، وهو قوله : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [ 25 \ 31 ] ; فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن ، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين ، وصرح بذلك في قوله : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم الآية [ 2 \ 14 ] ، وقد جاء الخبر بذلك مرفوعا من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره ، والعرب تسمي كل متمرد شيطانا ، سواء كان من الجن أو من الإنس كما ذكرنا ، أو من غيرهما ، وفي الحديث : " الكلب الأسود شيطان " ، وقوله : شياطين ، بدل من قوله : عدوا ، أو مفعول أول لـ " جعلنا " ، والثاني : " عدوا " ، أي : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا .
قوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال ، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين ، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية ، كقوله : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [ 13 \ 1 ] ، وقوله : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [ 12 \ 103 ] ، وقوله : ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين [ 37 \ 71 ] ، وقوله : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ 26 \ 8 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم الآية ، التحقيق أنه فصله لهم بقوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الآية [ 6 \ 145 ] ، ومعنى الآية : أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم ، وذكرتم عليه اسم الله ؟ ، والحال أن الله فصل لكم المحرم أكله عليكم في قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي الآية [ 6 \ 145 ] ، وليس هذا منه .
وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله : حرمت عليكم الميتة الآية [ 5 \ 3 ] ، فهو غلط ; لأن قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة من سورة المائدة ، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة ، وقوله : وقد فصل لكم ما حرم عليكم [ 119 ] ، من سورة الأنعام ، وهي مكية ، فالحق هو ما ذكرنا ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها الآية ، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها ، [ ص: 492 ] ولم يبين المراد بالأكابر هنا ، ولا كيفية مكرهم ، وبين جميع ذلك في مواضع أخر : فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف ، والنعمة في الدنيا ، بقوله : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون [ 34 \ 34 ] ، وقوله : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ 43 \ 23 ] . ونحو ذلك من الآيات .
وبين أن مكر الأكابر المذكور : هو أمرهم بالكفر بالله تعالى ، وجعل الأنداد له بقوله : وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا [ 34 \ 33 ] ، وقوله : ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم الآية [ 71 \ 22 ، 23 ] .
وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان :
أحدهما : أن أكابر مضاف إلى مجرميها ، وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى صير ، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور ، أعني في كل قرية .
والثاني : أن مجرميها مفعول أول ، و أكابر مفعول ثان ، أي : جعلنا مجرميها أكابرها ، والأكابر جمع الأكبر .
قوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى يأتيهم الملائكة بالرسالة ، كما أتت الرسل ، كما بينه تعالى في آيات أخر ، كقوله : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا الآية [ 25 \ 21 ] ، وقوله : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا الآية [ 17 \ 92 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الآية .
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن هذه الآية الكريمة ، فقيل : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ - صلى الله عليه وسلم - قال : " نور يقذف فيه ، فينشرح له ، وينفسح " ، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " ، ويدل لهذا قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [ 39 \ 22 ] .
[ ص: 493 ] قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الآية .
قال بعض العلماء : المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل ، فيبلغونه إلى قومهم ; ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين [ 46 \ 29 ] .
وقال بعض العلماء : رسل منكم [ 6 \ 130 ] أي : من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس ; لأنه لا رسل من الجن ، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادا بعضه ، كقوله : وجعل القمر فيهن نورا [ 71 \ 16 ] ، وقوله : فكذبوه فعقروها [ 91 \ 14 ] ، مع أن العاقر واحد منهم ، كما بينه بقوله : فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر [ 54 \ 29 ] . واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية : من أن قوله : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [ 55 \ 22 ] يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير ، لا يجوز القول به ; لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى ; لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب بقوله : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج [ 35 \ 12 ] ، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منها جميعا بقوله : ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ، والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان ، فقصره على الملح مناقض للآية صريحا ، كما ترى .
قوله تعالى : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية ، والمعنى أنه لا يهلك قوما في حال غفلتهم ، أي عدم إنذارهم ، بل لا يهلك أحدا إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، وقوله : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ 4 \ 165 ] ، وقوله : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [ 35 \ 24 ] ، وقوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [ 16 \ 36 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
[ ص: 494 ] قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا ، بين في موضع آخر : أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر ، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا ، وهو قوله : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا [ 17 \ 21 ] .
قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده الآية .
اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا ، وهل هو منسوخ أو لا ؟ فقال جماعة من العلماء : هذا الحق هو الزكاة المفروضة ، وممن قال بهذا أنس بن مالك ، وابن عباس ، وطاوس ، والحسن ، وابن زيد ، وابن الحنفية ، والضحاك ، وسعيد بن المسيب ، ومالك ، ونقله عنهم القرطبي ، نقله ابن كثير عن أنس وسعيد ، وغيرهما ، ونقله ابن جرير عن ابن عباس ، وأنس ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة ، وطاوس ، ومحمد ابن الحنفية ، والضحاك ، وابن زيد .
وقال قوم : ليس المراد به الزكاة ، وإنما المراد به أنه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة ، والضغث ، ونحو ذلك ، وحمله بعضهم على الوجوب ، وحمله بعضهم على الندب ، قال القرطبي : وقال علي بن الحسين ، وعطاء ، والحكم ، وحماد ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر الله به ندبا ، وروي عن ابن عمر ، ومحمد ابن الحنفية أيضا ، ورواه أبو سعيد الخدري عنه - صلى الله عليه وسلم - قال مجاهد : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل ، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته .
وقال قوم : هو حق واجب غير الزكاة ، وهو غير محدد بقدر معين ، وممن قال به عطاء ، كما نقله عنه ابن جرير .
وقال قوم : هي منسوخة بالزكاة ، واختاره ابن جرير ، وعزاه الشوكاني في " تفسيره " لجمهور العلماء ، وأيده بأن هذه السورة مكية ، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة .
وقال ابن كثير : في القول بالنسخ نظر ; لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ، ثم إنه فصل بيانه ، وبين مقدار المخرج وكميته ، قالوا : وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة ، والله أعلم ، انتهى من ابن كثير .
ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له ، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن [ ص: 495 ] عباس ، ومحمد ابن الحنفية ، والحسن ، والنخعي ، وطاوس ، وأبو الشعثاء ، وقتادة والضحاك ، وابن جريج ، نقله عنهم الشوكاني ، والقرطبي أيضا ونقله عن السدي وعطية ، ونقله ابن جرير أيضا عن ابن عباس ، وابن الحنفية ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم ، والحسن ، والسدي ، وعطية ، واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية ، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد ، فعلم أن الآية منسوخة ، أو أنها على سبيل الندب ، فالأمر واضح .
وعلى أن المراد بها الزكاة ، فقد أشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة ، وهو المذكور في قوله : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض الآية [ 2 \ 267 ] ، وبينته السنة ، فإذا علمت ذلك ، فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة أشياء :
الأول : تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض .
الثاني : تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه .
الثالث : تعيين القدر الواجب فيه وسنبينها إن شاء الله مفصلة .
اعلم أولا أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب .
واختلف فيما سواها مما تنبته الأرض ، فقال قوم : لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض ، وروي ذلك عنالحسن ، وابن سيرين ، والشعبي .
وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وابن المبارك ، ويحيى بن آدم ، وإليه ذهب أبو عبيد .
وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مذهب أبي موسى ، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، كما نقله عنهم القرطبي .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|