
30-09-2021, 05:01 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,607
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (71)
سُورَةُ الْمَائِدَةِ (26)
صـ 451 إلى صـ 455
[ ص: 451 ] وَقَالَ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا : وَيُبَاحُ أَخْذُ الْكُمْأَةِ مِنَ الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْفَقْعُ ; لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ ، وَرَوَى حَنْبَلٌ قَالَ : يُؤْكَلُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الضَّغَابِيسُ وَالْعِشْرِقُ ، وَمَا سَقَطَ مِنَ الشَّجَرِ ، وَمَا أَنَبْتَ النَّاسُ .
وَاخْتُلِفَ فِي عُشْبِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، هَلْ يَجُوزُ أَخْذُهُ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ ؟ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ .
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَلَالَ إِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ ، وَهُوَ كَجَزَاءِ الْمُحْرِمِ الْمُتَقَدِّمِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ الصَّوْمُ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ مَحْضٌ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ ، مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي جَزَاءِ صَيْدِ الْحَرَمِ نَصٌّ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَقَوْلُهُ هَذَا قَوِيٌّ جِدًّا .
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ : بِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَضَوْا فِي حَمَامِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ بِشَاةٍ شَاةٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ ; فَيَكُونُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقِيَاسِهِ عَلَى صَيْدِ الْمُحْرِمِ ، بِجَامِعِ أَنَّ الْكُلَّ صَيْدٌ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ يَضْمَنُهُ مَنْ فِي الْحَرَمِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْئَانِ :
الْأَوَّلُ : مِنْهُمَا الْقَمْلُ ، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي قَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِلَا خِلَافٍ .
وَالثَّانِي : الصَّيْدُ الْمَائِيُّ مُبَاحٌ فِي الْإِحْرَامِ بِلَا خِلَافٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي اصْطِيَادِهِ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَعُيُونِهِ ، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا " ; فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الصَّيْدِ لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ ، وَظَاهِرُ النَّصِّ شُمُولُ كُلِّ صَيْدٍ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ غَيْرُ مُؤْذٍ فَأَشْبَهَ الظِّبَاءَ ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ; مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَمْ يُحَرِّمْهُ ، فَكَذَلِكَ الْحَرَمُ ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ فِي ذَلِكَ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَخَلَاهُ ، هَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَطَعَهُمَا ضَمَانٌ ؟ .
[ ص: 452 ] فَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : لَا ضَمَانَ فِي شَجَرِهِ وَنَبَاتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَجِدُ دَلِيلًا أُوجِبُ بِهِ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ فَرْضًا مِنْ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا إِجْمَاعٍ ، وَأَقُولُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى .
وَالَّذِينَ قَالُوا بِضَمَانِهِ ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَضْمَنُ كُلَّهُ بِالْقِيمَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ ، وَالْخَلَا بِقِيمَتِهِ ، وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ ، فَإِنْ نَبْتَ مَا قَطَعَ مِنْهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَسْقُطُ الضَّمَانُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ سُقُوطِهِ .
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الشَّجَرَةِ الْجَزْلَةِ شَاةٌ ، بِآثَارٍ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالدَّوْحَةُ : هِيَ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ ، وَالْجَزْلَةُ : الصَّغِيرَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : حَرَمُ الْمَدِينَةِ ، اعْلَمْ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ أَيْضًا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُمْهُورَ ، فَقَالَ : إِنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَرَمِ مِنْ تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَقَطْعِ الشَّجَرِ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِأَنَّ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ حَرَمٌ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ إِلَّا لِعَلَفٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ " ، الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : " حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : " لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ فِي الْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا " ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ ، قَالَ : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَرِّمُ شَجَرَهَا أَنْ يَخْبِطَ أَوْ يُعْضَدَ " ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا ، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ ، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ [ ص: 453 ] أَجْمَعِينَ " ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا ، أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ هِيَ حَرَامٌ ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " ، الْحَدِيثَ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ ، حَرَامٌ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أَلَّا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرٌ إِلَّا لِعَلَفٍ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهُا ، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ " ، الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ أَشَادَ بِهَا ، وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقْطَعَ فِيهَا شَجَرَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهُا ، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا " .
وَقَالَ : " الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا أَحَدٌ رَغْبَةً إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا ، أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ " .
قَالَ : وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَجِدُ فِي يَدِ أَحَدِنَا الطَّيْرَ ، فَيَأْخُذُهُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ [ ص: 454 ] يُرْسِلُهُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ أَيْضًا " ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَادَةَ الزُّرَقِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَصِيدُ الْعَصَافِيرَ فِي بِئْرِ إِهَابٍ ، وَكَانَتْ لَهُمْ ، قَالَ : فَرَآنِي عُبَادَةُ ، وَقَدْ أَخَذْتُ عُصْفُورًا ، فَانْتَزَعَهُ مِنِّي فَأَرْسَلَهُ ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَكَّةَ " ، وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : اصْطَدْتُ طَيْرًا بِالْقُنْبُلَةِ ، فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَدِي ، فَلَقِيَنِي أَبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا فِي يَدِكَ ؟ ، فَقُلْتُ : طَيْرٌ اصْطَدْتُهُ بِالْقُنْبُلَةِ ، فَعَرَكَ أُذُنِي عَرْكًا شَدِيدًا ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ يَدِي ، فَأَرْسَلَهُ ، فَقَالَ : " حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَيْدَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ، وَالْقُنْبُلَةُ : آلَةٌ يُصَادُ بِهَا النُّهَسُ وَهُوَ طَائِرٌ .
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَؤُوا ثَعْلَبًا إِلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْنَعُ هَذَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا بِالْأَسْوَافِ - وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ - وَقَدِ اصْطَادَ نُهَسًا ، فَأَخَذَهُ زَيْدٌ مِنْ يَدِهِ فَأَرْسَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ صَيْدَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالرَّجُلُ الَّذِي اصْطَادَ النُّهَسَ هُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالنُّهَسُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَاءِ بَعْدَهُمَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ ، طَيْرٌ صَغِيرٌ فَوْقَ الْعُصْفُورِ شَبِيهٌ بِالْقُنْبُرَةِ .
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَا شَكَّ مَعَهَا ، وَلَا لَبْسَ فِي أَنَّهَا حَرَامٌ ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إِلَّا لِعَلَفٍ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ حَرَامٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؟ " ، لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ ، وَمُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ صِيدَ فِي الْحِلِّ ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْمَدِينَةَ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إِمْسَاكِ الصَّيْدِ الَّذِي صِيدَ فِي الْحِلِّ وَإِدْخَالِهِ الْمَدِينَةَ ، وَمَا كَانَ مُحْتَمَلًا لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا تُعَارَضُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا احْتِمَالَ ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْمَدِينَةِ ، وَهُمْ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ اخْتَلَفُوا فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ ، هَلْ يَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ أَوْ لَا ؟ [ ص: 455 ] وَكَذَلِكَ شَجَرُهَا ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءٌ كَصَيْدِ وَجٍّ .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ، أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا " ، فَذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً فِي الدُّنْيَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ تَجِبُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ الْجَزَاءُ الْوَاجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمَدِينَةَ مِثْلَ تَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ لِمَكَّةَ ، وَمُمَاثَلَةُ تَحْرِيمِهَا تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي جَزَاءِ مَنِ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ فِيهِمَا .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْيَسُ عِنْدِي عَلَى أُصُولِنَا ; لَاسِيَّمَا أَنَّ الْمَدِينَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . اهـ .
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ ، وَكَثْرَةِ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَةِ ضِعْفٍ أَظْهَرُ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ فِيهِ هُوَ أَخْذُ سَلَبِ قَاتِلِ الصَّيْدِ ، أَوْ قَاطِعِ الشَّجَرِ فِيهِ .
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ; لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ، أَوْ يَخْبِطُهُ ، فَسَلَبَهُ ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ ، فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَأَحْمَدُ .
وَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ قَوْلَهُ : " نَفَّلَنِيهِ " أَيْ أَعْطَانِيهِ ، ظَاهِرٌ فِي الْخُصُوصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، فِيهِ عِنْدِي أَمْرَانِ :

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|