عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 25-09-2021, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,920
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ظاهرة المنصفات في الشعر العربي القديم

أَنْ يَأْبِرُوا نَخْلاً لِغَيرِهِمِ
وَالشَّيءُ تَحْقِرُهُ وَقَدْ يَنْمِى[6]

وَزَعَمْتُمْ أنْ لا حُلومَ لَنَا
"إنّ العَصَا قُرِعَتْ لِذِي الحِلْمِ"

وطئتنا وَطْأً عَلَى حَنَقٍٍ
وَطْأَ المُقَيِِّدِ نَابتَ الهَرْمِ[7]

وتركتنا لحماً علَى وضمٍ
لو كنتَ تَسْتبقِي مِن اللحم


يتحدث الشاعر إلى محبوبته أميمة واصفا حالته شديدة الحزن، نتيجة اعتداء قومه على أخيه وقتلهم له، مما أوقعه في حيرة من أمره شديدة، أيقاتل قومه، ويرميهم بالسهام؟! فإذا فعل ذلك فسيصيبه سهمه في مقتل؛ لأنه لم ينس أنه منهم، فهم قومه وعزوته، وإليهم ينتسب، ولئن عفا عنهم فسيقع في مأزق أشد صعوبة، وهو استهانة أمره بين القبائل الأخرى، وضياع هيبته، ويكون بذلك عُرْضةً للقبائل الأخرى. إذن فما موقف الشاعر إزاء قومه الذين قتلوا أخاه؟ إن الشاعر يعلن موقفه في صراحة وشجاعة مجردا من نفسه ذاتا ينهاها عن معاشرة قوم أعلن الانسلاخ عنهم وبدأهم بالسب والشتم، بل يعلن أنه لايأمنهم بعد أن أساء معاملتهم.

وجملة القول في ذلك، أن الشعر الجاهلي في علاقة الشاعر بقبيلته لم يكن مطردا، بل تنوعت الأصوات المنادية بهجر القبيلة، وإعلان العصيان عليها. وشعر المنصفات وقف إزاء القبيلة موقفا وسطا؛ فلم يذم القبيلة، ولم يمدحها مدحا مطلقا، واتخذ من العدل والإنصاف معيارا للحكم والقياس بين الشعراء. فلننظر إلى قول عبد الشارق بن عبد العزى[8](الوافر):
شَدَدْنا شَدَّةً فقَتَلْتُ مِنْهُمْ
ثَلاثَةَ فِتْيَةٍ وقَتَلْتُ قَينا

وشَدُّوا شَدَّةً أُخْرَى فَجَرُّوا
بأَرْجُلِ مِثْلِهِمْ ورَمَواْ جَوَينا

فآبُوا بالرِّمَاحِ مُكَسَّراتٍ
وأُبْنَا بالسُّيوفِ قَدِ انْحَنَينا

وباتُوا بالصَّعِيدِ لهُمْ أُحَاحٌ
وَلَو خَفَّتْ لَنَا الكَلْمَى سَرَينا[9]



فالشاعر لم يعظم من شأن قبيلته، إلا بمقدار ما عظم من شأن القبيلة الأخرى، وساوى بين القبيلتين في كل شيء، ولم تمل كفة فريق على حساب الآخر، ومثل هذه النظرة المنصفة كانت المنطلق الذي انطلق منه الشعراء المنصفون، وذلك بأن نظروا بعين الإنصاف إلى الفريقين، فلهم مثل ما عليهم، فالمساواة بين القبيلتين في الضرب والطعن، وتكافؤ الفريقين في عدد القتلى، والجرحى، كان موقفا جليا في شعرهم، ويؤكد هذا المعنى شاعر آخر من شعراء المنصفات هو المُفَضّل النُّكْرِيّ الذي يقول[10]: (الوافر)
بكَلِ قَرارةٍ وبِكُلِّ رِيعٍٍ
بنَانُ فتىً وجُمجُمةٌ فَليقُ[11]

وكمْ مِنْ سَيدٍ منَا وَمِنْهُمْ
بذِي الطَرْفاءِ مَنطِقُهُ شَهيقُ[12]

بكُلِّ مَجالةٍ غادَرْتُ حِزقاً
مِنْ الفِتيانِ مَبسِمُهُ رَقيقُ[13]



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.65 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.44%)]