كما يتجلَّى اتِّجاه الشعر الحر بوُضوحٍ في قصيدته (نكون أو لا نكون) التي كتَبَها في أُخرَيات حَياته، عقب نكسة يوليو 1967، والتي يقول فيها[41]:
غَدَا بَنِي قَوْمِي وما أدنَى غَدَا
إمَّا نكونُ أَبَدَا
أو لاَ نَكُونُ أبَدَا
إمَّا نكونُ أمَّةً من أعظَمِ الأُمَم
ترهَبُنا الدُّنْيا وتَرجُونا القِيَم
ولا يُقالُ للَّذي نُرِيدُه لاَ
وَلاَ يُقالُ للَّذي نَأبَى نعَم
تدفَعُنا الهُمُوم
لقِمَمٍ بعْد قِمَم
أو يا بَنِي قَوْمِي نَصِيرُ قصَّة عَنِ العدَم
تُحكَى كما تُحكَى أساطِيرُ إرَم
غَدًا وما أدْنَى غَدًا لو تعلَمُونْ
إمَّا نكونُ أبَدًا أو لا نكُونْ
ويلاحظ أنَّ هذه القصيدة قد جاءَتْ على بحر الرجز، وأعادَ الشاعر توزيع تفعيلاته (مستفعلن)، على سُطُورها، وكانت القافية تتوحَّد أو تتغيَّر حسب انفعالات الشاعر وشُعوره الذي امتلأ بالغضب والحسرة؛ بسب واقع الأمَّة العربيَّة الأليم، وما أصابَها بعد هزيمة 67؛ ولذا فإنَّ باكثير وقبلَ وفاته بعامين يُخيِّر أمَّته العربيَّة بين البقاء والفناء بحرف التخيير (أو).
وعلى الرغم من قصر عدد سُطور هذه القصيدة فإنها كانت بالغةً في تأثيرها الاجتماعي والسياسي والوجداني في عقل الأمَّة وقلبها، كما أنَّ دَلالتها الفنيَّة كانت واضحةً؛ حيث بَدَا منها أنَّ شعر التفعيلة كان قد وصَل إلى مستوى فنيٍّ عالٍ، مَكَّنَه من أن يأخذ مكانة الابن الشرعي للقصيدة التقليديَّة، بحيث يحمل كثيرًا من سماتها الفنية، لكنَّه مع هذا له خَصائصه المستقلَّة التي اكتسَبَها من بيئته الفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي عاشَ فيها، ممَّا جعَلَه يقترب من الأصل التقليدي بقدْر ما يبتعد عنه.
والخلاصة: أنَّ باكثير يُعَدُّ رائدًا لمدرسة الشعر الحر في الأدب العربي غير مُنازَع، وإمامًا لها؛ حيث بدَأت محاولاته الأولى بترجمة بعض مسرحيَّات شكسبير – كـ(الليلة الثانية عشرة) على طريقة الشعر المقفَّى المألوف عام 1932م، وبعدَها ترجم مسرحية (روميو وجولييت) على بحر المتقارب بنظام الشعر المرسل المنطلق عام 1936م، ثم أردَفَ هذا بكتابة مسرحية (إخناتون ونفرتيتي) على بحر المتدارك عام 1940م، ورأى أنَّه أصلح البحور كلها لما يُسمَّى بشعر التفعيلة، ثم بلَغ هذا الاتجاه ذروته في أغلب قصائده التي نُشِرت في المجلات الأدبيَّة التي كانت سائدةً آنذاك.
وخلال هذه الدراسة، خلص البحث إلى مجموعةٍ من النتائج، يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولاً: تعدُّ مسرحية (إخناتون ونفرتيتي) أوَّل محاولة جوهريَّة في كتابة شعر التفعيلة في الأدب العربي الحديث عام 1940م، ومن هنا يمكن القول: إنَّ باكثير كان إمامًا لحركة الشعر الحر - أو كما أطلق عليه: الشعر المرسل المنطلق - التي انطلقت من العراق في العقد الخامس من القرن العشرين على يد بدر شاكر السيَّاب، ونازك الملائكة، ومن بعدها سادَتْ بِقاع العالم العربي كله.
ثانيًا: إنَّ أصلح البحور الخليليَّة لكتابة الشعر الحر هي البحور الصافية أو الموحَّدة التفعيلة؛ كالكامل والرجز والرمل والمتقارب والمتدارك، وقد أكَّد باكثير أنَّ المتقارب هو أصلحها جميعًا.
ثالثًا: لا يُعَدُّ شعرُ التفعيلة هدمًا لقَداسة الوزن التقليدي الخليلي، بل هو تطويرٌ له، قامَ على تعديله، واستبدل وحدة الجملة التامة المعنى بوحدة البيت، كما جعل القصيدة قائمة على وحدة موسيقيَّة تربط بين جميع سُطورها برباطٍ نغمي واحد، واستبدل النظام الشكلي القائم على الشطرين بنظام السطر أو الشطر الواحد.
رابعًا: جاء نمط الشعر الحر عند باكثير معتمدًا على استخدام الشاعر لبحرٍ واحدٍ في أبياتٍ غير منتظمة الطول، ونظام التفعيلة غير منتظم كذلك.
خامسًا: لم تعترف حركة الشعر الحر بعيب التضمين[42] الذي اعتبره النقَّاد القُدامَى عيبًا من عُيوب الشعر، بل إنَّ المعنى في القصيدة كان يستغرق أكثر من جملة، وتأتي الجُمَل متلاحمة بأدوات كثيرة؛ كحُرُوف العطف أو الإسناد النحوي.
سادسًا: لم يقتصر التجديد في شعر باكثير على إرسال القوافي وتغييرها وحسب، وإنما امتدَّ إلى المضمون؛ فعذُبت ألفاظه، ورقَّت معانيه، وسهُلت أساليبه حتى اقتربت من لغة الحياة اليوميَّة، كما اتَّسمت صُوَره الشعريَّة بالإيحاء الجامح الذي جمَع بين الرمزية والواقعية في آنٍ معًا.
سابعًا: كان باكثير يقصد بالشعر المرسل أي: المرسل من القافية؛ ولذا فإنَّه مالَ كثيرًا إلى التنويع في القوافي، وعدم التقيُّد بوحدة القافية، وأحيانًا كانت القافية تأتي مُوحَّدة بين كلِّ سطرين أو ثلاثة أسطر، بينما كان يعني بالشعر الحر: عدم التزامه عددًا معينًا من التفعيلات في البيت الواحد، وإنما تَطُول التفعيلات أو تقصر حسب الحالة النفسيَّة للشاعر.
ثامنًا: اختلف نمط الشعر الحر عند باكثير عن نَظِيره عن كثيرين من شُعَراء هذا الاتجاه؛ أمثال: الزهاوي، ومحمد فريد أبي حديد؛ من حيث إنهم نظَمُوا قصائد من الشعر المرسل لا تختلف عن القصائد التقليديَّة سوى في إرسال القافية، وكان البيت عندهم قائمًا على وحدة المعنى والإعراب والموسيقا؛ أي: إنَّه ينقطع عند نهاية البيت أو السطر الشعري، أمَّا طريقته فقد اعتمدت على النَّغَم المطَّرد في بيتين أو ثلاثة أو أكثر، بحيث تبدو القصيدة متماسكةً ومتَّسِقة كلها مع الوزن الموسيقي وآثاره المحمودة.
تاسعًا: اعتَرَف أغلَبُ شعراء هذا الاتِّجاه برِيادة باكثير لهذا النوع من الشعر الحر المرسل أو المنطلق، مثل: السيَّاب، وصلاح عبدالصبور، والمازني الذي كان يُفضِّل كثيرًا هذا اللونَ من الشعر.
من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م
[1] انظر: محمد حسين هيكل، "ثورة الأدب"، ص52، ط: النهضة المصرية، 1965م.
[2] ميخائيل نعيمة: "الغربال": ص402، ط: دار العودة، بيروت، 1978م.
[3] انظر: "ديوان جميل صدقي الزهاوي": 1/3، ط: دار العودة، بيروت، 1972م.
[4] راجع: نازك الملائكة: "مقدمة ديوان شظايا ورماد": ص4، ط1: دار العودة، بيروت، 1981م.
[5] المرجع السابق: ص6، وقد غيَّرتْ هذه الشاعرة موقفها هذا من الوزن والقافية في آخِر حياتها، وعدَّت الوزن والقافية عنصرًا مهمًّا من عناصر الشعر يجوزُ تطويره، لكنْ يستحيل إلغاؤه، وقد طبَّقت هذا في إبداعها الشعري.
[6] راجع: عز الدين إسماعيل: "الشعر العربي المعاصر: قضاياه، وظواهره الفنية والمعنوية": ص22، ط: دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م.
[7] نازك الملائكة: "قضايا الشعر المعاصر": ص18، ط: دار العودة - بيروت، 1962.
[8] انظر: المرجع السابق: ص11.
[9] أحمد مطلوب: "النقد الأدبي الحديث في العراق": ص77، ط: مكتبة الخانجي، القاهرة، 1988م.
[10] انظر: علي أحمد باكثير: "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": ص8، ط: مكتبة مصر (د.ت).
[11] انظر: "مجلة الآداب البيروتية"، عدد يونيو عام 1954م، ص69، مقال للشاعر بدر شاكر السياب.
[12] المرجع السابق والصفحة.
[13] المرجع السابق: ص9.
[14] راجع: عثمان موافي: "نظرية الأدب": 2/57، ط: دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2000م.
[15] انظر: إحسان عباس: "تاريخ النقد الأدبي عند العرب": ص212، ط: دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1977م.
والغصن هو أحد مصطلحات الموشح، ويقصد به: أحد أجزاء المطلع أو البيت الأول من الموشح؛ وهو يُشبِه الشطر في القصيدة التقليدية، وقد يتكوَّن المطلع من ثلاثة أغصان أو أربعة، وقد تتَّفِق أغصان المطلع في القافية وقد تختلف، وقد تتَّفق قافيتا غصنين، وتختلف قافيتا الغصنين الآخَرين في المطلع رباعي الأغصان بشكلٍ متبادل، راجع: سليمان عبدالحق: "الموشحات الأندلسية بين التقليد والتجديد": ص10، بحث منشور بـ: "مجلة المجمع الثقافي الهندي"، جامعة عليكرة، الهند، 2009م.
[16] انظر: علي أحمد باكثير: "إخناتون ونفرتيتي": ص42، ط: مكتبة مصر - القاهرة، 1940م.
[17] المرجع السابق: ص5، 6.
[18] المرجع السابق: ص6.
[19] المرجع السابق: ص13.
[20] انظر: المرجع السابق: ص14.
[21] راجع: "نظرية الأدب": 2/57.
[22] نازك الملائكة: "ديوان شظايا ورماد": ص22، 23.
[23] انظر: نازك الملائكة: "قضايا الشعر المعاصر": ص54 وما بعدها، ط: مكتبة النهضة، بغداد، 1967م.
[24] باكثير: "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": ص11.
[25] عز الدين إسماعيل: "الشعر العربي المعاصر: قضاياه، وظواهره الفنية والمعنوية": ص63، 64.
[26] انظر: عبدالعزيز المقالح: "علي أحمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر": ص56.
[27] وهذه أشكال شعريَّة حاوَل بعض شُعَراء نهاية القرن الثاني الإنشاءَ على نظامها الموسيقي؛ كأبي العتاهية وأبان اللاحقي، وغيرهما، ثم نضجتْ على يد الشُّعَراء الأندلسيين، الذين أبدَعُوا فنَّ الموشح بعد ذلك.
[28] انظر: "مجلة الفتح": العدد 433.
[29] الخبب: هو تفعيلة (فعلن)، المزحَّفة من تفعيلة المتدارك (فاعلن)؛ أي: التي دخل عليها زحاف الخبن؛ بحذف الحرف الثاني الساكن منها، وقد تتحوَّل أحيانًا إلى (فعْلن) بتسكين العين، وقد استخدمها شعراء التفعيلة كثيرًا في قصائدهم.
[30] "مجلة الرسالة": العدد 77.
[31] باكثير: "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": ص9.
[32] علي أحمد باكثير: "روميو وجولييت" المقدمة: ص3، ط: لجنة النشر الجامعيَّة، القاهرة، 1946م.
[33] عز الدين إسماعيل: "مجلة المسرح": العدد 70، 1970م.
[34] صلاح طاهر: "توفيق الحكيم الفنان": ص111، ط: دار الكتاب الجديد، القاهرة، 1970م.
[35] باكثير: "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": ص12.
[36] عثمان موافي: "نظرية الأدب": 2/98.
[37] باكثير: "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": ص18.
[38] لم يعتمد البحث على قصائد باكثير المجموعة بين دفتي هذا الديوان؛ لأنها عبَّرت عن المرحلة الكلاسيكية في شعره.
[39] انظر: "مجلة الرسالة": العدد 265، 25 يونيو 1945م.
[40] انظر: هلال ناجي: "شعراء اليمن المعاصرون": ص251.
[41] انظر: عبدالعزيز المقالح: "علي أحمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر": ص56.
[42] وهو: أنَّ الشاعر لا يتمُّ المعنى الذي يقصده في بيت واحد وإنما يستغرق ذلك منه بيتين أو ثلاثة.