عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 23-09-2021, 12:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,464
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (62)

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (17)
صـ 406 إلى صـ 410


[ ص: 406 ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الْآيَةَ [ 5 \ 45 ] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَزَادَ الْحَسَنُ ، وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَقَلَ نَحْوَ قَوْلِ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَ الظَّالِمُونَ وَ الْفَاسِقُونَ [ 5 \ 44 ، 45 ، 47 ] ، نَزَلَتْ كُلُّهَا فِي الْكُفَّارِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَعَلَى هَذَا الْمُعْظَمِ ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَكْفُرُ وَإِنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً ، وَقِيلَ فِيهِ إِضْمَارٌ ، أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، رَدًّا لِلْقُرْآنِ وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَافِرٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ .

فَالْآيَةُ عَامَّةٌ عَلَى هَذَا ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ : هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْيَهُودِ ، وَالْكُفَّارِ ، أَيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ وَمُسْتَحِلًّا لَهُ .

فَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبُ مُحَرَّمٍ فَهُوَ مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضَاهِي أَفْعَالَ الْكُفَّارِ ، وَقِيلَ : أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ فَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ : هِيَ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ :

مِنْهَا أَنَّ الْيَهُودَ ذَكَرُوا قَبْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلَّذِينَ هَادُوا [ 5 \ 44 ] فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ .

وَمِنْهَا أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَهُ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُودَ هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الرَّجْمَ وَالْقِصَاصَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ " مَنْ " إِذَا كَانَتْ لِلْمُجَازَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ إِلَّا أَنْ يَقَعَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهَا ، قِيلَ لَهُ : " مَنْ " هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي ، مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالتَّقْرِيرِ ; وَالْيَهُودُ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا .

[ ص: 407 ] وَيُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ ، أَهِيَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : نَعَمْ هِيَ فِيهِمْ ، وَلَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَهُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، وَقِيلَ : الْكَافِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ ، قَالَهُ : لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ أَيْضًا قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .

وَهَذَا يَخْتَلِفُ إِنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : وَمَذْهَبُ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَنِ ارْتَشَى ، وَحَكَمَ بِحُكْمِ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَعَزَا هَذَا إِلَى الْحَسَنِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى ، وَأَلَّا يَخْشَوُا النَّاسَ وَيَخْشَوْهُ ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ .

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ أَنَّ آيَةَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، نَازِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَهَا مُخَاطِبًا لِمُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ : فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، فَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُتَبَادِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ، وَعَلَيْهِ فَالْكُفْرُ إِمَّا كُفْرٌ دُونَ كَفْرٍ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ ، أَوْ قَاصِدًا بِهِ جَحْدَ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَدِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا .

أَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ ذَنْبًا ، فَاعِلٌ قَبِيحًا ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْهَوَى فَهُوَ مِنْ سَائِرِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَنَّ آيَةَ : فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فِي الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .

فَالْخِطَابُ لَهُمْ لِوُضُوحِ دَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَنَّ آيَةَ : فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فِي النَّصَارَى ; لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمَقَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ الْكُفْرَ ، وَالظُّلْمَ ، وَالْفِسْقَ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا [ ص: 408 ] رُبَّمَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ الْمَعْصِيَةُ تَارَةً ، وَالْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ أُخْرَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، مُعَارَضَةً لِلرُّسُلِ وَإِبْطَالًا لِأَحْكَامِ اللَّهِ ، فَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ وَكُفْرُهُ كُلُّهَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ حَرَامًا فَاعِلٌ قَبِيحًا فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُولَى فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْيَهُودِ ، وَالثَّالِثَةَ فِي النَّصَارَى ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ ، وَتَحْقِيقُ أَحْكَامِ الْكُلِّ هُوَ مَا رَأَيْتَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الْآيَةَ ، قَدْ قَدَّمْنَا احْتِجَاجَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ، وَنَفْسُ الْآيَةِ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ الْآيَةَ .

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنَ الْمُتَصَدِّقِينَ الَّذِينَ تَكُونُ صَدَقَتُهُمْ كَفَّارَةٌ لَهُمْ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ ، نَبَّهَ عَلَى هَذَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " ، وَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْعَبْدِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجُرْحِهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ; لِأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْأُمُورَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِبَدَنِ الْعَبْدِ ، كَالْقِصَاصِ لَهُ الْعَفْوُ فِيهَا دُونَ سَيِّدِهِ ، وَعَلَيْهِ فَلَا مَانِعَ مَنْ تَصْدُّقِهِ بِجُرْحِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنْ مَعْنَى فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالْجِنَايَةِ كَفَّارَةٌ لِلْجَانِي ، لَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَلَا مَانِعَ أَيْضًا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِالْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَذْكُرُ عَنِ الْكَافِرِ أَنَّهُ مُتَصَدِّقٌ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا صَدَقَةَ لَهُ لِكُفْرِهِ ، وَمَا هُوَ بَاطِلٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ وَالْإِثْبَاتِ ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ .

وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ : عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى مَذْكُورٍ ، وَذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنِ قَطْعًا دُونَ الْكَافِرِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ جِدًّا .

تَنْبِيهٌ

احْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمَا لَوْ قُتِلَا بِهِ لَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِ : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ; لِكَوْنِهِمَا نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ .

[ ص: 409 ] وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مُتَمَسِّكًا بِهَذَا الدَّلِيلِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ ، فَلَا تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبْدَلٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ لِمَقْتُولٍ وَاحِدٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَا ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " .

وَقَالُوا مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ [ 2 \ 178 ] ، وَقَوْلِهِ : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، قَالُوا : وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، بِدَلِيلِ عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَالتَّفَاوُتَ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتَلَ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ ، وَعَدَمِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .

وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ : أَنَّهُ يُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَتَلَ سَبْعَةً بِوَاحِدٍ ، وَقَالَ : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتَالِ الْحَرُورِيَّةِ حَتَّى يُحْدِثُوا ، فَلَمَّا ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ ، كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ ، وَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ نَادُوهُمْ أَنْ أَخْرِجُوا إِلَيْنَا قَاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِبَّابٍ ، فَقَالُوا : كُلُّنَا قَتَلَهُ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ : دُونَكُمُ الْقَوْمَ ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ ، نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي " سُنَنِهِ " .

وَيَزِيدُ قَتْلَ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ " . قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ .

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " السُّنَنِ الْكُبْرَى " نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَزَادَ : " إِلَّا أَنْ يَشَاءَ " ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " .

وَرُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ ، [ ص: 410 ] وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِالْوَاحِدِ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَيْضًا ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا ، وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ عَنْهُ عَدَمُ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .

وَإِذَنْ فَالْخِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا ، لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِلَّا بِتَرْجِيحٍ .

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : وَيَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الَّذِي هُوَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [ 2 \ 179 ] ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِذَا قَتَلَ يَكُونُ ذَلِكَ رَادِعًا لَهُ وَزَاجِرًا عَنِ الْقَتْلِ ، وَلَوْ كَانَ الِاثْنَانِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُمَا لِلْوَاحِدِ ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا ، أَخَذَ وَاحِدًا مِنْ أَعْوَانِهِ فَقَتَلَهُ مَعَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَادِعٌ عَنِ الْقَتْلِ ; وَبِذَلِكَ تَضِيعُ حِكْمَةُ الْقِصَاصِ مِنْ أَصْلِهَا ، مَعَ أَنَّ الْمُتَمَالِئِينَ عَلَى الْقَتْلِ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَاتِلٌ ، فَيُقْتَلُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَذَفُوا وَاحِدًا لَوَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَمَرَ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِالْحُكْمِ بِهِ ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْبِشَارَةَ بِمَبْعَثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ كَقَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ 61 \ 6 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْآيَةَ [ 7 \ 157 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]