
22-09-2021, 01:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة :
|
|
رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله

الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الثانى
الحلقة (48)
صـ100 إلى صـ 107
النوع الثاني
في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام ويتضمن مسائل
المسألة الأولى
إن هذه الشريعة المباركة عربية ، لا مدخل فيها للألسن العجمية ، وهذا - وإن كان مبينا في أصول الفقه ، وأن القرآن ليس فيه كلمة أعجمية عند جماعة من الأصوليين ، أو فيه ألفاظ أعجمية تكلمت بها العرب ، وجاء القرآن على وفق ذلك; فوقع فيه المعرب الذي ليس من أصل كلامها - ، فإن هذا البحث [ ص: 102 ] على هذا الوجه غير مقصود هنا .
وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة ، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ; لأن الله تعالى يقول : إنا أنزلناه قرآنا عربيا [ يوسف : 2 ] .
وقال : بلسان عربي مبين [ الشعراء : 195 ] .
وقال : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ النحل : 103 ] .
وقال : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي [ فصلت : 44 ] .
إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب ، لا أنه أعجمي ولا بلسان العجم ، فمن أراد تفهمه; فمن جهة لسان العرب يفهم ، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة ، هذا هو المقصود من المسألة .
وأما كونه جاءت فيه ألفاظ من ألفاظ العجم ، أو لم يجئ فيه شيء من ذلك; فلا يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به ، وجرى في خطابها ، وفهمت معناه ، فإن العرب إذا تكلمت به صار من كلامها ، ألا ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان عليه عند العجم ، إلا إذا كانت حروفه في المخارج والصفات كحروف العرب ، وهذا يقل وجوده ، وعند ذلك يكون منسوبا إلى العرب ، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب ، أو كان بعضها كذلك دون [ ص: 103 ] بعض; فلا بد لها من أن تردها إلى حروفها ، ولا تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلا ، ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله في كلام العجم ، ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف في كلامها ، وإذا فعلت ذلك صارت تلك الكلم مضمومة إلى كلامها ، كالألفاظ المرتجلة ، والأوزان المبتدأة لها ، هذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال .
ومع ذلك; فالخلاف الذي يذكره المتأخرون في خصوص المسألة لا ينبني عليه حكم شرعي ، ولا يستفاد منه مسألة فقهية ، وإنما يمكن فيها أن توضع مسألة كلامية ينبني عليها اعتقاد ، وقد كفى الله مؤونة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجمية .
فإن قلنا : إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه ، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها ، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره ، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه ، وبالعام يراد به الخاص ، والظاهر يراد به غير الظاهر ، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره ، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره ، أو آخره عن أوله ، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة ، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة ، والأشياء الكثيرة باسم واحد ، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها .
[ ص: 104 ] فإذا كان كذلك; فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب ، فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب ، كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم; لاختلاف الأوضاع والأساليب ، والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام ، في رسالته الموضوعة في أصول الفقه ، وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ; فيجب التنبه لذلك ، وبالله التوفيق .
[ ص: 105 ] المسألة الثانية
للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظران :
أحدهما : من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة ، دالة على معان مطلقة ، وهي الدلالة الأصلية .
والثاني : من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة ، وهي الدلالة التابعة .
فالجهة الأولى هي التي يشترك فيها جميع الألسنة ، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين ، ولا تختص بأمة دون أخرى ، فإنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلا كالقيام ، ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام ، تأتى له ما أراد من غير كلفة ، ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأولين - ممن ليسوا من أهل اللغة العربية - وحكاية كلامهم ، ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها ، وهذا لا إشكال فيه .
وأما الجهة الثانية; فهي التي يختص بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار ، فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورا خادمة لذلك الإخبار بحسب الخبر والمخبر والمخبر عنه والمخبر به ، ونفس الإخبار في الحال ، والمساق ، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء ، والإيجاز والإطناب ، وغير ذلك .
وذلك أنك تقول في ابتداء الإخبار : قام زيد إن لم تكن ثم عناية بالمخبر عنه ، بل بالخبر ، فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت : زيد قام ، وفي جواب السؤال أو ما هو منزل تلك المنزلة : إن زيدا قام ، وفي جواب المنكر [ ص: 106 ] لقيامه : والله إن زيدا قام ، وفي إخبار من يتوقع قيامه أو الإخبار بقيامه : قد قام زيد ، أو زيد قد قام ، وفي التنكيت على من ينكر : إنما قام زيد .
ثم يتنوع أيضا بحسب تعظيمه أو تحقيره - أعني المخبر عنه - ، وبحسب الكناية عنه والتصريح به ، وبحسب ما يقصد في مساق الأخبار ، وما يعطيه مقتضى الحال ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها ، وجميع ذلك دائر حول الإخبار بالقيام عن زيد .
فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي ، ولكنها من مكملاته ومتمماته ، وبطول الباع في هذا النوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر ، وبهذا النوع الثاني اختلفت العبارات وكثير من أقاصيص القرآن ، لأنه يأتي مساق القصة في بعض السور على وجه ، وفي بعضها على وجه آخر ، وفي ثالثة على وجه ثالث ، وهكذا ما تقرر فيه من الإخبارات ، لا بحسب النوع الأول ، إلا إذا سكت عن بعض التفاصيل في بعض ونص عليه في بعض ، وذلك أيضا لوجه اقتضاه الحال والوقت ، وما كان ربك نسيا [ مريم : 64 ] .
فصل
وإذا ثبت هذا; فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم على حال ، فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى [ ص: 107 ] لسان غير عربي ، إلا مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينا ، كما إذا استوى اللسانان في استعمال ما تقدم تمثيله ونحوه ، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر ، وإثبات مثل هذا بوجه بين عسير جدا ، وربما أشار إلى شيء من ذلك أهل المنطق من القدماء ، ومن حذا حذوهم من المتأخرين ، ولكنه غير كاف ولا مغن في هذا المقام .
وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن - يعني على هذا الوجه الثاني - ، فأما على الوجه الأول; فهو ممكن ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه ، وكان ذلك جائزا باتفاق أهل الإسلام ، فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|