عرض مشاركة واحدة
  #764  
قديم 17-09-2021, 03:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة الانعام
الحلقة (390)
تفسير سورة الأنعام (23)


توعد الله عز وجل من تأتيه آياته سبحانه ثم يعرض عنها؛ لأنه بذلك إنما يكون قد كذب بالحق الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى، رغم علمه بما أصاب الأمم السابقة ممن مكن لهم الله في الأرض، فكذبوا وأعرضوا، فكان جزاء تكذيبهم وإعراضهم أن دمر الله عليهم، وأهلكهم بذنوبهم، وأنشأ بعدهم أمماً أخرى، فهو القاهر فوق عباده عز وجل، وهو العزيز الحكيم.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنعام
الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد:
أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس بإذن الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).
مجمل ما عالجته سورة الأنعام من العقائد
وأذكر الإخوان والأبناء أن السورة هي سورة الأنعام، تلك السورة العظيمة التي شيعها سبعون ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، تلك السورة التي تعالج أعظم العقائد، وأهم مبادئ الكمال والسعادة في الحياتين، تعالج العقيدة: توحيد الله، تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، البعث الآخر ولقاء الله، هذه السورة العظيمة درسنا منها الآيات الآتية تلاوتها:
مظاهر الربوبية المستلزمة استحقاق الله تعالى للعبادة
بسم الله الرحمن الرحيم. ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )[الأنعام:1-3].هذه الآيات درسناها، مرة ثانية أعيدها تذكيراً للناسين.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ )[الأنعام:1] هذه مظاهر الربوبية والإلهية، وهي مستلزمة لتوحيد الله، إذ الذي يعبد وحده دون سواه هو الذي أنعم علينا بخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، إذ حياتنا متوقفة على ذلك، وهذه المخلوقات لم يدع كائن ما كان خلقها، فهذه مما هو حق الله وخلقه، وبهذا استحق الحمد وحده، واستحق العبادة دون سواه.
إشراك الكفرة بربهم عز وجل
(خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ )[الأنعام:1] يا للعجب! يا للعجب! يعدلون بربهم غيره، ويسوونه بمخلوقاته، فيعبدون الأصنام والأحجار، يعبدون الأهواء والشهوات، ويعبدون الفروج والأموال، ولا يعبدون الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه، أو يعبدونه مع ما يعبدون، وهذا هو العدل، يعدلون بالله غيره من مخلوقاته.
مادة خلق الإنسان وبيان تقدير أجله الخاص وأجل الحياة الدنيا
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ )[الأنعام:2] من يرد على الله؟! من يقول: لا، هل نحن خلقنا من ذهب، أو خلقنا من سمن، أو خلقنا من ساج أو عاج؟ ( خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ )[الأنعام:2] باعتبار خلق آدم ونحن ذريته، ثم عظامنا ولحومنا وعروقنا ودماؤنا كلها من الأرض، إذ أغذيتنا فواكه وخضر ولحوم وحبوب كلها من التراب، وهي أساس وجودنا ومنبعنا وبقاء حياتنا.(ثُمَّ قَضَى أَجَلًا )[الأنعام:2] ألا وهو أجل الموت لكل حي منا، وحدد وعده ووقته وميعاده، هل هناك من يقول: لا حق لله تعالى في خلقي ولا في تحديد حياتي أو موتي؟ لا أحد.
ثم هناك أجل مسمى عنده معروف لديه، يجهله كل كائن في السماء والأرض، ألا وهو أجل نهاية هذه الحياة، أجل البعث الآخر والحياة الآخرة، من يرد على الله؟ من يتكلم؟ لا أحد.
(قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ )[الأنعام:2] يا بني آدم ( تَمْتَرُونَ )[الأنعام:2] تشكون وتضطربون، مالكم؟ أين يذهب بكم؟ الذي خلقكم وخلق كل شيء من أجلكم، هذا الخالق العلام تمترون في وجوب عبادته وحده دون سواه، تمترون في ألوهيته، أين يذهب بعقولكم يا بني آدم؟!
إحاطة علم الله تعالى بسر عباده وجهرهم وكسبهم
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ )[الأنعام:3] أي: المعبود في العوالم العلوية والسفلية، وهو في السماء إله معبود، وفي الأرض إله معبود، ومع هذا ( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ )[الأنعام:3] هو فوق عرشه بائن من خلقه فوق السماوات، والعوالم كلها في قبضته وبين يديه، يعلم سر من يسر كلامه وجهر من يجهر به، لا تظن أنك إذا اختبأت في سراديب، أو دخلت في قوارير الزجاج أن الله لا يسمع ما تقول! والله ما كان هذا، بل يعلم السر والنجوى.(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )[الأنعام:3] بجوارحكم وكواسبكم، لقد علم الجوارح التي نجترح بها السيئات والحسنات، والكواسب التي نكتسب بها الخير والشر، ألا وهي السمع والبصر والفم واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج، يعلم ما نكسب، ولازم ذلك أنه يعلمه للجزاء به، وللمحاسبة عليه، وإن قلت: سوف أجحد أعمالي وأكتمها وأنا بين يديه؛ فقد أخبرنا تعالى أنه يستنطق الجوارح فتنطق: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )[النور:24]، فحين يحاول المرء أن يجحد أو يخفي أو يبدل ويغير يقول الله للجوارح: انطقي. واسكت يا لسان!
إذاً: هل استنارت قلوبنا بهذه الآيات الثلاث؟ عرفنا ربنا؟ عرفنا خالقنا؟ عرفنا من وضع آجالنا في مواعيدها؟ عرفنا من يجمعنا في ساحة فصل القضاء ثم ينبئنا بأعمالنا ثم يجزينا بها؟ إما سعادة بعد ذلك، وإما شقاء، والله الذي لا إله غيره لهذا هو الذي نحن مقبلون عليه، أحببنا أم كرهنا.
تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)
والآن مع هذه الآيات الثلاث معطوفة على سابقتها: قال تعالى: ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون
* أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ )[الأنعام:4-6] كلام من هذا؟ من يقوى على أن يتكلم بهذا؟ هذا كلام الجبار الواحد القهار جل جلاله وعظم سلطانه.
(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ )[الأنعام:4] وآيات الله القرآنية عرفنا أنها ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن البعث حق، والآية: العلامة الدالة على الشيء، فإذا قلنا: هذه الآية: ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ )[الأنعام:4] من قالها؟ هل هناك من أنزلها وقالها غير الله؟ إذاً: فهي تشهد بوجود الله وعلمه وحكمته وقدرته، وأنه رب الأولين والآخرين، ومعبود أهل السماء والأرضين.
ومن نزلت عليه في الدنيا من يكون غير رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ إذاً: فهل يكون غير رسوله، وينزل عليه وحيه؟ فهي تشهد بأن محمداً رسول الله.
وفائدة تلك الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والمقصود منها: أن يعبد الله في الأرض؛ إذ ما خلق العوالم كلها إلا من أجل أن يذكر فيها ويشكر؛ فلهذا كان شر الخلق وشر البريئة من كفر بالله فلم يذكره ولم يشكره.
دائماً نقول: من شر الخليقة؟ هل القردة والخنازير؟ لا! هل الكلاب والذئاب؟ لا! هل الأفاعي والحيات؟ لا! شر الخليقة من أعرض عن ذكر الله، فلم يذكر الله ولم يشكره!
أيخلقك الله -يا عبد الله- ويرزقك ويهبك سمعك وبصرك وكل حياتك، ويخلق هذه العوالم من أجلك حتى عالم الشقاء وعالم السعادة، ثم تعرض عنه ولا تلتفت إليه، لا تطيعه فلا تذكر ولا تشكر، من شر الخلق سوى هذا؟!

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]