معنى قوله تعالى: (وجنات من أعناب)
قال تعالى: ( وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ )[الأنعام:99]، أي: وأخرجنا بذلك الماء جنات من أعناب، والأعناب: جمع عنب، هذا أوان حصاده، هذا العنب كيف يوجد؟! شجرة العنب من خلقها؟تكون يابسة كخشب وحطب ثم تتحول إلى ذات أوراق ثم إلى ذات عناقيد كعناقيد التمر متدلية كلها حلوة، فمن فعل هذا؟ إنه الله تعالى لا إله إلا هو، هو الخالق الرازق، فلا نقبل على مخلوق أبداً بقلوبنا ولا بوجوهنا، ولكن نقبل عليه هو، ونسلم له القلب والوجه، ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )[النساء:125].
والعنب والتمر مغذيان فيهما فيتامينات عجب، التمر هذا بالذات تستطيع أن تعيش عليه، في بعض السرايا كان الصحابة يعيشون على التمر، وعاشت أمتنا على التمر، قيل: إن واحدة التمر فيها غذاء أكثر من خمس عشرة تفاحة، سمعنا هذا من بعض الناس، وهو جائز، الحبة الواحدة من التمر تغذي جسمك أكثر من خمس عشرة تفاحة.
قصة صقلبي يسلم لرؤية بديع خلق الله تعالى في حلاوة التمر
ذكرنا قصة منذ سنين في الدرس: وهي أنه جاء صقلبي من شمال العالم، من تلك الديار التي لا تعرف التمر ولا النخل، ودخل إلى بلادنا الصحراوية وذهبنا معه إلى الحديقة إلى البستان إلى الجنان، فقدمنا له الرطب فتعجب فقال: كيف يصنع هذا؟ ما هو المصنع الذي ينتج هذا الرطب الحلو؟ وقال: هذا الذي يفعل هذا ينبغي أن يجل ويقدس! فلما انتهى إلى البستان وشاهد أنه من النخل عرف أن هذا ليس من صنع الإنسان، وأن هذا من صنع الله عز وجل، فآمن ودخل في الإسلام.
معنى قوله تعالى: (والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر
قال تعالى: ( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ )[الأنعام:99]، وأنشأ الزيتون والرمان بذلك الماء، الزيتون جنس معروف والرمان كذلك، ( مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ )[الأنعام:99]، الرمان نفسه فيه الحلو وفيه الحامض وفيه، الورقة والشجرة تشتبه بأختها، ولكن هذه ثمرها حلو، وهذه ثمرها حامض أو مر، وهذه بين الحموضة والحلاوة.ثانياً: شجرة الرمان كشجرة الزيتون بالنسبة إلى الورق والأغصان كلها متساوية، إلا أن ورق الرمان قد يكون أكثر خضرة، والزيتون يكن فيه بعض السواد، لكن التشابه حاصل، متشابه من جهة وغير متشابه من أخرى، فمن صنع هذا؟ من أوجده؟
قال تعالى: ( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ )[الأنعام:99]، شجرة الزيتون وشجرة الرمان متساويتان متشابهتان، وحين تثمران وتنضج ثمارهما تجد الفرق بين عنقود العنب وبين حبة الزيتون كما بين الليل والنهار، فمن يفرق هذا التفريق؟
شجرة من خشب تنتج هذا العنب! والرمانة تنتج هذا الرمان! والرمان غذاء كامل أيضاً وشراب، والزيتون لا تسأل عن الدهن وعن الزيت وحاجة البشر إليه.
هيا نسأل: من أوجد هذا؟ هل اللات؟ هل عيسى؟ من هو هذا أوجد ذلك؟ إنه الله رب العالمين، فهيا نحبه، هيا نعبده، دلنا كيف نعبده؟ كيف نذل ونستكين له من أجل أن يحبنا، هيا نتعلم.
قال تعالى: ( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ )[الأنعام:99]، والينع: النضوج، فعندما يستوي وينضج تجدون الفرق بين عنقود العنب والزيتون.
معنى قوله تعالى: (إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)
ثم قال تعالى: ( إِنَّ فِي ذَلِكُمْ )[الأنعام:99] المذكور لكم، المبين لكم، المفصل فيه هذه الآيات، فيه آيات بينات واضحات كالشمس والقمر بدلالتها على وجود ربٍ وإلهٍ عزيز حكيم قدير لا يعجزه شيء، وهو إله الأولين والآخرين.(إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ )[الأنعام:99]، ولكن من يرى الآيات؟ من يبصرها؟ من ينتفع بها؟ الحي أو الميت؟ فلهذا قال: ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )[الأنعام:99]، أما الكافرون فموتى، وهي الحقيقة التي لا ننساها، الكافر ميت، والمؤمن حي، والبرهنة على ذلك والتدليل عليه: أن الحي يسمع النداء ويجيب الدعاء ويعطي إذا طلب منه، ويأخذ إذا أعطي ويفعل إذا أمر، وينتهي إذا نهي، والكافر هل يسمع النداء؟ هل يجيبه؟ هل يعطي ما أوجب الله؟ هل ينتهي عما نهى الله عنه؟ لا، فهو ميت.
والأكثر دلالة: أن أهل الذمة في ديارنا من اليهود والنصارى والمجوس إذا أهل هلال رمضان هل نطالبهم بالصيام؟ هل إذا آن أوان الزكاة نطالبهم بإخراج الزكاة؟ هل إذا نادى مناد أن: حي على الصلاة نقول: تعالوا صلوا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنهم أموات، إذا نفخت فيهم روح الإيمان وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فحينئذ مرهم يفعلون وانههم ينتهون، ولهذا هذه الآيات التي بينها تعالى من يشاهدها وينتفع بها الميت أو الحي؟ الحي، اقرأها على الكافر من أولها إلى آخرها فلا يتحرك أبداً؛ لأنه ميت، ( إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )[الأنعام:99].
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
معنى الآيات
هيا نسمع أيضاً مرة ثانية شرح هذه الآيات ونقف على هداية الله فيها.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم:
[معنى الآيات:
ما زال السياق في بيان الدليل على وجوب توحيد الله تعالى وبطلان عبادة غيره، فقال تعالى واصفاً نفسه بأفعاله العظيمة الحكيمة التي تثبت ربوبيته وتقرر إلوهيته وتبطل ربوبية وإلوهية غيره مما زعم المشركون أنها أرباب لهم وآلهة: ( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى )[الأنعام:95]، أي: هو الذي يفلق الحب ويخرج منه الزرع لا غيره، وهو الذي يفلق النوى ويخرج منه الشجر والنخل لا غيره، فهو الإله الحق -إذاً- وما عداه باطل.
وقال: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ )[الأنعام:95]، فيخرج الزرع الحيّ من الحب الميت، ( وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ )[الأنعام:95]، فيخرج الحب من الزرع الحيّ، والنخلة والشجرة من النواة الميتة.
ثم يقول: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ )[الأنعام:95]، أي: المستحق للإلهية -أي: العبادة- وحده، ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )[الأنعام:95]، أي: فكيف -يا للعجب- تصرفون عن عبادته وتأليهه إلى تأليه وعبادة غيره؟!
ويقول: ( فَالِقُ الإِصْبَاحِ )[الأنعام:96]، أي: هو الله الذي يفلق ظلام الليل فيخرج منه ضياء النهار، ( وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا )[الأنعام:96]، أي: ظرف سكن وسكون وراحة تسكن فيه الأحياء من تعب النهار والعمل فيه ليستريحوا.
وقوله: ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا )[الأنعام:96]، أي: وجعل الشمس والقمر يدوران في فلكيهما بحساب تقدير لا يقدر عليه إلا هو، وبذلك يعرف الناس الأوقات وما يتوقف عليها من عبادات وأعمال وآجال وحقوق.
ثم يشير إلى فعله ذلك فيقول: ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ )[الأنعام:96] الغالب على أمره، ( الْعَلِيمِ )[الأنعام:96] بسائر خلقه وأحوالهم وحاجاتهم، وقد فعل ذلك لأجلهم، فكيف -إذاً- لا يستحق عبادتهم وتأليههم؟ عجباً لحال بني آدم ما أضلهم!
ويقول تعالى في الآية الثالثة: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )[الأنعام:97]، هذه منة أخرى من مننه على الناس ومظهر آخر من مظاهر قدرته؛ حيث جعل لنا النجوم ليهتدي بها مسافرونا في البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا، فهي نعمة لا يقدر على الإنعام بها إلا الله، فلم -إذاً- يكفر به ويعبد سواه؟
وقوله: ( قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )[الأنعام:97]، يخبر به تعالى على نعمة أخرى، وهي تفصيله تعالى للآيات وإظهارها لينتفع بها العلماء الذين يميزون بنور العلم بين الحق والباطل والضار والنافع.
ويقول في الآية الرابعة: ( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ )[الأنعام:98] هي آدم عليه السلام، فبعضكم مستقر في الأرحام وبعضنا مستودع في الأصلاب، وهو مظهر من مظاهر إنعامه وقدرته ولطفه وإحسانه.
ويختم الآية بقوله: ( قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ )[الأنعام:98]؛ لتقوم لهم الحجة على ألوهيته تعالى دون ألوهية ما عداه من سائر المخلوقات؛ لفهمهم أسرار الكلام وعلل الحديث ومغزاه.
ويقول في الآية الأخيرة: ( وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً )[الأنعام:99]، وهو ماء المطر. ويقول: ( فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ )[الأنعام:99]، أي: ينبت، أي: قابل للإنبات من سائر الزروع والنباتات.
ويقول: ( فَأَخْرَجْنَا )[الأنعام:99] من ذلك النبات ( خَضِرًا )[الأنعام:99]، وهو القصيل للقمح والشعير، ومن الخضر يخرج حباً متراكباً في سنابله.
ويقول عز وجل: ( وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ )[الأنعام:99]، أي: ويخرج بإذن الله تعالى من طلع النخل قنوان: جمع قنو: العذق، دانية متدلية وقريبة لا يتكلف مشقة كبيرة من أراد جنيها والحصول عليها.
وقوله: ( وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ )[الأنعام:99]، يقول: وأخرجنا به بساتين من نخيل وأعناب، وأخرجنا به كذلك الزيتون والرمان حال كونه مشتبهاً في اللون وغير متشابه في الطعم، كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه ينبت لديكم ذلك التشابه وعدمه.
وختم الآية بقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكُمْ )[الأنعام:99]المذكور كله ( لَآيَاتٍ )[الأنعام:99]، علامات ظاهرات تدل على وجوب ألوهية الله تعالى وبطلان ألوهية غيره، ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )[الأنعام:99]؛ لأنهم أحياء يعقلون ويفكرون ويفهمون، أما غيرهم من أهل الكفر فهم أموات القلوب لما ران عليها من أوضار الشرك والمعاصي، فهم لا يعقلون ولا يفقهون، فأنى لهم أن يجدوا في تلك الآيات ما يدلهم على توحيد الله عز وجل؟ ]
هداية الآيات
من هداية الآيات ست هدايات، فتذكروا الآية:[ أولاً: الله خالق كل شيء فهو رب كل شيء ]، ما دام أنه خالق كل شيء فهو رب كل شيء. [ ولذا وجب أن يؤله وحده ]، أي: أن يعبد وحده [ دون ما سواه ]، لكونه خالق كل شيء وجب أن يكون الإله المعبود بحق ولا يعبد سواه.
[ ثانياً: تقرير قدرة الله على كل شيء وعلمه بكل شيء وحكمته في كل شيء ] حتى في الفسيلة، فلا إله إلا الله.
[ ثالثاً: فائدة خلق النجوم، وهي الاهتداء بها في السير في الليل في البر والبحر.
رابعاً: يتم إدراك ظواهر الأمور وبواطنها بالعقل ]، ومن فقد العقل لا يدرك شيئاً.
[ خامساً: يتم إدراك أسرار الأشياء بالفقه.
سادساً: الإيمان بمثابة الحياة، والكفر بمثابة الموت في إدراك الأمور ].
والله تعالى أسأل أن يجعلنا من الأحياء، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.