عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 17-09-2021, 02:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قراءة نقدية لآراء المرزباني في (الموشح) عن أبي العتاهية

قراءة نقدية لآراء المرزباني في (الموشح) عن أبي العتاهية


عطاف سالم سليمان




فهو لم يَزِدْ على قوله: "وهذا لعَمْري كلامٌ ضعيفٌ" دون تَفْصيل، والحقيقة أنَّنا لو فتَّشْنا لوجدنا بها من الضَّرورات أو الواقع اللَّذَيْن يُبيحان للشَّاعر أن يصنع ما يصنع، فإذا كان يرى في الأوَّل بُعدًا عن الجزالة أو هو عَيْب في الصِّياغة والتأليف، وهذا الثِّقل الذي يَشْعر به السَّامع أو القارئ عند سَماعه، فهو مُصيب، لكن لو نظَرْنا إلى البيت بِعامَّتِه أو إلى القصيدة - التي منها هذا البيت - كوَحْدة مستقلَّة، لالتَمَسْنا العذر لذلك العيب؛ فرُبَّما الجوُّ الَّذي يعيشه الشاعر يَفْرض عليه ما قد نلمسه في هذا البيت، وقد يكون متعمِّدًا، كما فعل الفرزدَقُ في مدح بني أميّة، فقال:





وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكًا

أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ [24]











فهذا من فساد النَّظْم، لكن الذي دفَعَ الفرزدق إلى هذا - وهو فَحْلُ مُضَر وسيِّدُها وشاعرها - وما كان يُعْجِزه مطلقًا أن يُصلِح شأن هذا البيت، هو أنَّه لَم يكن يهشُّ لِمَديح بني أميَّة، فلعلَّ البيتَيْن يعكسان نفسيَّة الشاعرين.







أمَّا الثاني - وهو قوله:





أَلاَ مَا لِسَيِّدَتِي مَا لَهَا

دَلاَلٌ؟! فَأَجْمِلَ إِدْلاَلَهَا











فإنَّ الأصحَّ هو: فأجمل - بالجيم المعجَمة - لأنّه بذلك يَسْتقيم معنى البيت، وهي صيغةُ تفضيل بَيِّنَة، وعندها لا يكون في البيت عَيْب، وإن كان قد قصد اللَّحْن في (إدلالها)، فلعلَّها من ضرورة الشِّعر[25].







القصيدة الأولى:





اللهَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَوْلاَتِي

أَبْدَتْ لِيَ الصَّدَّ وَالْمَلاَلاَتِ[26]




لاَ تَغْفِرُ الذَّنْبَ إِنْ أَسَأْتُ وَلاَ

تَقْبَلُ عُذْرِي وَلاَ مُوَاتَاتِي




مَنَحْتُهَا مُهْجَتِي وَخَالِصَتِي

فَكَانَ هُجْرَانُهَا مُكَافَاتِي




أَقْلَقَنِي حُبُّهَا وَصَيَّرَنِي

أُحْدُوثَةً فِي جَمِيعِ جَارَاتِي[27]











إنَّ هذه القصيدة من المُنسَرِح، قالَها أبو العتاهية في مَدْح الرشيد متَّبِعًا فيها التقاليد الجاهليَّة من المُقدِّمة الغزليَّة، وهي هذه، ثم وصف النَّاقة، وخَلص إلى مَدْح الرَّشيد.







والواقع أنَّ هذه القصيدة لما عدَّها المرزبانيُّ من التوَضُّع بناءً على قولٍ لأحمد بن عمار، وخاصَّة في النَّسيب[28].







فأقول: إن لم يكن التوَضُّع في النَّسيب، فأين يكون؟!








واستخدامي للتوضُّع هنا غيرُ ما كان يَقْصده أحمد بن عمار، وتشيَّعَ المرزبانيُّ له، إنه الترفُّق والتليُّن والانبساط.







لكن هذا المأخذ على أبي العتاهية يُمْكِن أن يَنْدرج تحته بيتٌ آخَر له، هو قوله:





وَلَّهَنِي حُبُّهَا وَصَيَّرَنِي

مِثْلَ جُحَا شُهْرَةً وَمُشَخْلَبَهْ[29]











أمَّا أن يندرج تحتَه بيتٌ من قصيدةٍ، فهذا ليس من الإِنْصاف، خاصَّة أنَّه لا يُمْكِن الحكمُ على بيتٍ أو لفظٍ أو معنًى منفصلٍ عن كيان القصيدة وصِلَتِها بواقع الشاعر نفسه وواقع حاله؛ إذْ كان أبو العتاهية رجلاً ليِّنًا، رقيقَ الطَّبْع، فلا يستغرب منه هذا الكلام، فكيف إذا كان في النَّسيب؟!







إنّنا نلمح السُّهولة والعذوبة في هذه الأبيات، ونَاسبَها هذه القافية التَّائية.







وهي مقطوعةٌ استحسَنَها صاحبُ "الأغاني"[30].







فاللُّغة الشاعريَّة تَفْرض نفسها في هذه الأبيات، والشاعر يستَبْقيها، ويجعلنا نشعر بها؛ إذْ هي ليست أيَّ لغة، ليست عاديَّة، إنَّها شاعرة!







ونَعْرف أنَّ الشاعر ما سُمِّي كذلك إلاَّ لأنَّه شاعر، ويَكْشف مشاعِرَه في أبياته، فإذا كان الشَّاعر بهذا الوصف، فكيف باللُّغة التي أنطَقَها الشِّعر، فأصبحَتْ حيَّة تُمْلِي عليك خواطِرَها، وتَسْتشعر روحَها تسري في كيانك، فتَذوب فيك وأنت راضٍ مُستلذّ.







وإذا كان المرزبانِيُّ في مَأْخذه على هذا البيت قد كان من جِهَة اللَّفظ في (ملالات) - ولا أرى شيئًا آخَر - فإنَّ هذا اللَّفظ قد تَلاشى عيبه في ظِلِّ هذا الحُسْن الَّذي نستَشْعره.







أمَّا إذا أرَدْنا نحن عيبًا فسنَجِده كما يقول ميمون: "قَلَّ مَن طلَبَ عيبًا إلاَّ وجَدَه".







فإنَّ هذا يُمكِن أن يكون في قوله: أحدوثة بين جاراتي، لكنَّ هناك شيئًا آخَر يجعلنا نَغْفر للشاعر كلَّ ما يصنع؛ هو هذه اللُّغة الشاعريَّة؛ (لغة الشِّعر) التي توقظ فينا الحسَّ، وتُنسينا أحيانًا كثيرةً عيوبًا قد نَراها عيانًا، لكنَّنا نتَغاضى عنها مُنشغِلين بالأَحْلى والألَذِّ.







فالشَّاعر هنا في هذه المقدِّمة الغزَلِيَّة يَشْكو تَملمُلَه من تقلُّبات هذه الحبيبة، لكنه في نفس الوقت نشعر أنه يستلذّ بهذه التقلُّبات، وإلاَّ لَمَا قال: (منَحْتها) بهذا اللَّفظ القريب؛ ليقدم لنا من بعد مُهْجته، لا، بل خالصته.







ثم قوله: (حبها) من بعد القلق، وكان قبلها ذلك الاستِهْلال بلفظ الجلالة الذي نَحْن نستلذُّ بذِكْره في جميع أحوالنا.



القصيدة الثانية:





يَا وَاهًا لِذِكْرِ اللَّ

هِ يَا وَاهًا وَيَا وَاهَا




لَقَدْ طَيَّبَ ذِكْرُ اللَّ

هِ بِالتَّسْبِيحِ أَفْوَاهَا




أَرَى قَوْمًا يَتِيهُونَ

بِهَامًا رُزِقُوا جَاهَا




فَيَا أَنْتَنَ مِنْ زِبْلٍ

عَلَى زِبْلٍ إِذَا تَاهَا[31]











إنَّ غرض القصيدة وموضوعها يَفْرض عليها القالبَ الذي توضع فيه، وكذلك البحر.







فهذه القصيدة من بَحْر الهزَج، الَّذي لا يُفضِّله المرزباني، وقال - رحمه الله -: إنَّه مما أُنكر على أبي العتاهية من سَفْساف شعره قوله هذا.







ولم يزد على ذلك.







وأقول: ربَّما قصدَ الرَّخاوة في اللَّفظ، وإعادة كلمة (واهًا) وتَكْرارها، أو حَشْو القصيدة بألفاظٍ لا فائدة منها: كـ(زبلٍ) مثلاً، أو (حشو) في رواية أخرى[32].







وهي شكَّلَت في البيت معنًى يتَجافى مع الذَّوق واللِّياقة، وإذا كان كذلك فالمرزباني مُصيبٌ حقيقةً فيما قال، لكن لو نظَرْنا إلى الموقف الذي قال فيه أبو العتاهية هذه القصيدة، لتقبَّلْنا ما وقَعَ فيها من خطأٍ لفظيٍّ أو معنوي؛ إذْ ذلك الموقف هو الذي فرضَ عليه بَحْر الهزج، وهو أيضًا الذي أوقعَه في ذلك الخطأ، وقد يكون متعمِّدًا.







أخبَرَ أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كنتُ أمشي مع أبي العتاهية ويدُه في يدي، وهو متَّكِئ عليَّ ينظر إلى الناس يذهبون ويجيئون، فقال: أمَا تراهم؛ هذا يَتِيه فلا يتكلَّم، وهذا يتكلَّم بِصلَف؟! ثم قال لي: مرَّ بعض أولاد المهلب بِمالك بن دينارٍ وهو يخطر، فقال: يا بنيَّ، لو خفضتَ بعض هذه الخُيَلاء، ألم يكن أحسنَ بك من هذه الشُّهرة التي قد شهرت بها نفسك؟! فقال له الفتَى: أوما تعرف مَن أنا؟ فقال له: بلى والله أعرِفُك معرفةً جيِّدة، أوَّلُك طينة مَذرة، وآخِرُك جيفة قَذِرة، وأنت بين ذَيْنِك حامِلٌ عَذِرَة.







قال: فأرخى الفتى أُذنيه وكفَّ عمَّا يفعل، وطأطأَ رأسه ومشى مُسترسِلاً، ثم أنشدني أبو العتاهية (من الهزَج)... القصيدة[33].







فكما هو واضحٌ أنَّ أبا العتاهية كان مُستاءً وغيرَ راضٍ عن واقع الناس في عصره من التِّيه والصَّلف وعدم إعطاء العُلَماء حقَّهم من التقدير والإجلال، والانشغال باللَّهو والملذَّات والشهوات عن حقيقة الموت والبعث والحساب.







فكان لا بدَّ أن يتوجّع مرتين، وثَلاثًا، بل ربَّما أربعًا!







ولا بدَّ أن يشمئزَّ من أولئك الناس، ويَصِفَهم بأخسِّ الصفات، ولا بدَّ أن يتعجَّب أنَّهم مع كلِّ ذلك هم أصحاب جاهٍ ومال وثَراء، وكان الأَوْلَى بهم إعطاءَ النِّعَم حقَّها من الشُّكر والعبادة لله - عزَّ وجلَّ.

وهو في قوله:





أَرَى قَوْمًا يَتِيهُونَ

بِهَامًا رُزِقُوا جَاهَا


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.21 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]