بحث: تفسير قول الله تعالى: {الم} وبيان ما قيل في الأحرف المقطعة في أوائل السور
بدرية طالبة علم
*أقوال المفسرين في الأحرف المقطعة:
- قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310ه) – بعد إيراده لأقوال السلف-:
( وأمّا أهل العربيّة فإنّهم اختلفوا في معنى ذلك، فقال بعضهم: هي حروفٌ من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السّور عن ذكر بواقيها الّتي هي تتمّة الثّمانية والعشرين حرفًا، كما استغنى المخبر عمّن أخبر عنه أنّه في حروف المعجم الثّمانية والعشرين بذكر أ ب ت ث عن ذكر بواقي حروفها الّتي هي تتمّة الثّمانية والعشرين، قال: ولذلك رفع {ذلك الكتاب} لأنّ معنى الكلام: الألف واللاّم والميم من الحروف المقطّعة {ذلك الكتاب} الّذي أنزلته إليك مجموعًا {لا ريب فيه}.
فإن قال قائلٌ: فإنّ أ ب ت ث قد صارت كالاسم في حروف الهجاء كما صارت الحمد اسمًا لفاتحة الكتاب.
قيل له: لمّا كان جائزًا أن يقول القائل: ابني في ط ظ، وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنّه يريد الخبر عن ابنه أنّه في الحروف المقطّعة، علم بذلك أنّ أ ب ت ث ليس لها باسمٍ، وإن كان ذلك آثر في الذّكر من سائرها.
قال: وإنّما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السّور، فذكرت في أوائلها مختلفةً، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها الّتي هي أ ب ت ث مؤتلفةً ليفصل بين الخبر عنها، إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفًا الدّلالة على الكلام المتّصل، وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا الدّلالة على الحروف المقطّعة بأعيانها.
واستشهدوا لإجازة قول القائل: ابني في ط ظ، وما أشبه ذلك من الخبر عنه أنّه في حروف المعجم، وأنّ ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله: ابني في أ ب ت ث برجز بعض الرّجّاز من بني أسدٍ:
لمّا رأيت أمرها في حطّي.......وفنكت في كذبٍ ولطّ.
أخذت منها بقرونٍ شمط.......فلم يزل ضربي بها ومعطي.
حتّى علا الرّأس دمٌ يغطّي
فزعم أنّه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنّها في أبي جادٍ، فأقام قوله:
لمّا رأيت أمرها في حطّي
مقام خبره عنها أنّها في أبي جادٍ، إذ كان ذاك من قوله يدلّ سامعه على ما يدلّه عليه قوله: لمّا رأيت أمرها في أبي جادٍ.
وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السّور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين، إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتّى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلّف منه.
وقال بعضهم: الحروف الّتي هي فواتح السّور حروفٌ يستفتح اللّه بها كلامه.
وقال فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟
فإنّ معنى هذا أنّه ابتدأ بها ليعلم أنّ السّورة الّتي قبلها قد انقضت، وأنّه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما، وذلك في كلام العرب ينشد الرّجل منهم الشّعر فيقول:
بل، وبلدةٌ ما الإنس من آهالها
ويقول:
لا بل، ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
و بل ليست من البيت ولا تعدّ في وزنه، ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنف الآخر.
قال أبو جعفرٍ: ولكلّ قولٍ من الأقوال الّتي قالها الّذين وصفنا قولهم في ذلك وجهٌ معروفٌ.
فأمّا الّذين قالوا: {الم} اسمٌ من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان:
أحدهما أن يكونوا أرادوا أنّ: {الم} اسمٌ للقرآن كما الفرقان اسمٌ له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويل قوله: {الم} ذلك الكتاب على معنى القسم؛ كأنّه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه.
والآخر منهما أن يكونوا أرادوا أنّه اسمٌ من أسماء السّورة تعرف به كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها الّتي هي لها أماراتٌ تعرف بها، فيفهم السّامع من القائل،
يقول: قرأت اليوم المص ون أي السّورة الّتي قرأها من سور القرآن، كما يفهم عنه إذا قال: لقيت اليوم عمرًا وزيدًا، وهما بزيد وعمرٍو عارفان من الّذي لقي من النّاس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرئٍ فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ونظائر {الم} {المر} في القرآن جماعةٌ من السّور؟ وإنّما تكون الأسماء أماراتٍ، إذا كانت مميّزةً بين الأشخاص، فأمّا إذا كانت غير مميّزةٍ فليست أماراتٍ.
قيل: إنّ الأسماء وإن كانت قد صارت لاشتراك كثيرٍ من النّاس في الواحد منها غير مميّزةٍ إلاّ بمعانٍ أخر معها من ضمّ نسبة المسمّى بها إليها أو نعته أو صفته بما يفرّق بينه وبين غيره من أشكالها، فإنّها وضعت ابتداءً للتّمييز لا شكّ ثمّ احتيج عند الاشتراك إلى المعاني المفرّقة بين المسمّى بها. فكذلك ذلك في أسماء السّور، جعل كلّ اسمٍ في قول قائل هذه المقالة أمارةً للمسمّى به من السّور فلمّا شارك المسمّى به فيه غيره من سور القرآن احتاج المخبر عن سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسمّى به من ذلك إلى ما يفرّق بها السّامع بين الخبر عنها وعن غيرها من نعتٍ وصفةٍ أو غير ذلك، فيقول المخبر عن نفسه إنّه تلا سورة البقرة إذا سمّاها باسمها الّذي هو {الم} قرأت الم البقرة، وفي آل عمران: قرأت الم آل عمران، أو الم ذلك الكتاب والم اللّه لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم.
كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كلّ واحدٍ منهما عمرٌو، غير أنّ أحدهما تميميٌّ والآخر أزديٌّ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما: لقيت عمرًا التّميميّ وعمرًا الأزديّ، إذا كان لا يفرق بينهما وبين غيرهما ممّن يشاركهما في أسمائهما إلاّ نسبتهما كذلك، فكذلك ذلك في قول من تأوّل في الحروف المقطّعة أنّها أسماء للسّور.
أمّا الّذين قالوا: ذلك فواتح يفتتح اللّه عزّ وجلّ بها كلامه، فإنّهم وجّهوا ذلك إلى نحو المعنى الّذي حكيناه عمّن حكينا عنه من أهل العربيّة أنّه قال: ذلك أدلّةٌ على انقضاء سورةٍ وابتداءٍ في أخرى وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما، كما جعلت بل في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدةٍ، قالوا:
بل، ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
وبل ليست من البيت ولا داخلةً في وزنه، ولكن ليدلّ به على قطع كلامٍ وابتداء آخر.
وأمّا الّذين قالوا: ذلك حروفٌ مقطّعةٌ بعضها من أسماء اللّه عزّ وجلّ، وبعضها من صفاته، ولكلّ حرفٍ من ذلك معنًى غير معنى الحرف الآخر. فإنّهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشّاعر:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف.......لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف
يعني بقوله: قالت قاف. قالت: وقفت. فدلّت بإظهار القاف من وقفت على مرادها من تمام الكلمة الّتي هي وقفت، فصرفوا قوله: {الم} وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى، فقال بعضهم: الألف ألف أنا، واللاّم لام اللّه، والميم ميم أعلم، وكلّ حرفٍ منها دالٌّ على كلمةٍ تامّةٍ. قالوا: فجملة هذه الحروف المقطّعة إذا ظهر مع كلّ حرفٍ منهنّ تمام حروف الكلمة أنا اللّه أعلم. قالوا: وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التّأويل. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلام العرب أن ينقص المتكلّم منهم من الكلمة الأحرف إذا كان فيما بقي دلالةٌ على ما حذف منها، ويزيد فيها ما ليس منها إذا لم تكن الزّيادة ملبّسةً معناها على سامعها كحذفهم في النّقص في التّرخيم من حارثٍ الثّاء فيقولون: يا حارّ، ومن مالكٍ الكاف فيقولون: يا مالّ، وما أشبه ذلك. وكقول راجزهم:
ما للظّليم عال كيف لا يا.......ينقدّ عنه جلده إذا يا
كأنّه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل، وكما قال آخر منهم:
بالخير خيراتٌ وإن شرًّا فا
يريد فشرًّا
ولا أريد الشّرّ إلاّ أن تا
يريد إلاّ أن تشاء. فاكتفى بالتّاء والفاء في الكلمتين جميعًا من سائر حروفهما، وما أشبه ذلك من الشّواهد الّتي يطول الكتاب باستيعابه.
- وكما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، وابن عونٍ، عن محمّدٍ، قال: «لمّا مات يزيد بن معاوية، قال لي عبيدة: إنّي لا أراها إلاّ كائنةً فتنةً فافزع من ضيعتك والحق بأهلك قلت: فما تأمرني؟ قال: أحبّ إليّ لك أن تا »، قال أيّوب وابن عونٍ بيده تحت خدّه الأيمن يصف الاضطجاع، حتّى ترى أمرًا تعرفه.
قال أبو جعفرٍ: يعني ب تا تضطجع، فاجتزأ بالتّاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزّيادة في الكلام على النّحو الّذي وصفت:
أقول إذ خرّت على الكلكال.......يا ناقتي ما جلت من مجال
يريد الكلكل. وكما قال الآخر:
إنّ شكلي وإنّ شكلك شتّى.......فالزمي الخصّ واخفضي تبيضضّي
فزاد ضادًا وليست في الكلمة.
قالوا: فكذلك ما نقص من تمام حروف كلّ كلمةٍ من هذه الكلمات الّتي ذكرنا أنّها تتمّة حروف {الم} ونظائرها، نظير ما نقص من الكلام الّذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها.
وأمّا الّذين قالوا: كلّ حرفٍ من {الم} ونظائرها دالٌّ على معانٍ شتّى نحو الّذي ذكرنا عن الرّبيع بن أنسٍ، فإنّهم وجّهوا ذلك إلى مثل الّذي وجّهه إليه من قال هو بتأويل: أنا اللّه أعلم في أنّ كلّ حرفٍ منه بعض حروف كلمةٍ تامّةٍ استغنى بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه، وإن كانوا له مخالفين في كلّ حرفٍ من ذلك، أهو من الكلمة الّتي ادّعى أنّه منها قائلو القول الأوّل أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من {الم} من كلماتٍ شتّى هي دالّةٌ على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا: وإنّما أفرد كلّ حرفٍ من ذلك وقصر به عن تمام حروف الكلمة أنّ جميع حروف الكلمة لو أظهرت لم تدلّ الكلمة الّتي تظهر الّتي بعض هذه الحروف المقطّعة بعضٌ لها، إلاّ على معنى واحدٍ لا على معنيين وأكثر منهما.
قالوا: وإذا كان لا دلالة في ذلك لو أظهر جميعها إلاّ على معناها الّذي هو معنى واحدٌ، وكان اللّه جلّ ثناؤه قد أراد الدّلالة بكلّ حرفٍ منها على معانٍ كثيرةٍ لشيءٍ واحدٍ، لم يجز إلاّ أن يفرد الحرف الدّالّ على تلك المعاني، ليعلم المخاطبون به أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يقصد قصد معنى واحدٍ ودلالةٍ على شيءٍ واحدٍ بما خاطبهم به، وأنّه إنّما قصد الدّلالة به على أشياء كثيرةٍ.
قالوا: فالألف من {الم} مقتضيةٌ معاني كثيرةٍ، منها: إتمام اسم الرّبّ الّذي هو اللّه، وتمام اسم نعماء اللّه الّتي هي آلاء اللّه، والدّلالة على أجل قومٍ أنّه سنةٌ، إذا كانت الألف في حساب الجمل واحدًا. واللاّم مقتضيةٌ تمام اسم اللّه الّذي هو لطيفٌ، وتمام اسم فضله الّذي هو لطفٌ، والدّلالة على أجل قومٍ أنّه ثلاثون سنةً. والميم مقتضيةٌ تمام اسم اللّه الّذي هو مجيدٌ، وتمام اسم عظمته الّتي هي مجدٌ، والدّلالة على أجل قومٍ أنّه أربعون سنةً.
فكان معنى الكلام في تأويل قائل القول الأوّل: أنّ اللّه جلّ ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنّه العالم الّذي لا يخفى عليه شيءٌ، وجعل ذلك لعباده منهجًا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهمّ أمورهم، وابتلاءً منه لهم به ليستوجبوا به عظيم الثّواب في دار الجزاء، كما افتتح بالحمد للّه ربّ العالمين، و{الحمد للّه الّذي خلق السّموات والأرض} وما أشبه ذلك من السّور الّتي جعل مفاتحها الحمد لنفسه. وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتّسبيح كما قال جلّ ثناؤه {سبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً}
وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن الّتي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه، ومفاتح بعضها تمجيدها، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها. فكذلك جعل مفاتح السّور الأخرى الّتي أوائلها بعض حروف المعجم مدائح نفسه أحيانًا بالعلم، وأحيانًا بالعدل والإنصاف، وأحيانًا بالإفضال والإحسان بإيجازٍ واختصارٍ، ثمّ اقتصاص الأمور بعد ذلك.
وعلى هذا التّأويل يجب أن يكون الألف واللاّم والميم في أماكن الرّفع مرفوعًا بعضها ببعضٍ دون قوله: {ذلك الكتاب} ويكون ذلك الكتاب خبر مبتدأٍ منقطعًا عن معنى {الم} وكذلك ذلك في تأويل قول قائل هذا القول الثّاني مرفوعٌ بعضه ببعضٍ، وإن كان مخالفًا معناه معنى قول قائل القول الأوّل.
وأمّا الّذين قالوا: هنّ حروفٌ من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني، فإنّهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطّعة معنًى يفهم سوى حساب الجمل وسوى تهجّي قول القائل: {الم}وقالوا: غير جائزٍ أن يخاطب اللّه جلّ ثناؤه عباده إلاّ بما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلمّا كان ذلك كذلك وكان قوله: {الم} لا يعقل لها وجهٌ توجّه إليه إلاّ أحد الوجهين اللّذين ذكرنا، فبطل أحد وجهيه، وهو أن يكون مرادًا بها تهجّي {الم} صحّ وثبت أنّه مرادٌ به الوجه الثّاني وهو حساب الجمل؛ لأنّ قول القائل: {الم} لا يجوز أن يليه من الكلام ذلك الكتاب لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول إذا ولي {الم} ذلك الكتاب.
واحتجّوا لقولهم ذلك أيضًا بما حدّثنا به محمّد بن حميدٍ الرّازيّ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل،قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الكلبيّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن جابر بن عبد اللّه بن رئابٍ، قال: « مرّ أبو ياسر بن أخطب برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} فأتى أخاه حييّ بن أخطب في رجالٍ من يهود فقال: تعلمون واللّه لقد سمعت محمّدًا يتلو فيما أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه: {الم ذلك الكتاب} فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم فمشى حييّ بن أخطب في أولئك النّفر من يهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا محمّد ألم يذكر لنا أنّك تتلو فيما أنزل عليك: {الم ذلك الكتاب} فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بلى» فقالوا: أجاءك بها جبريل من عند اللّه؟ قال: «نعم» قالوا: لقد بعث اللّه جلّ ثناؤه قبلك أنبياء ما نعلمه بيّن لنبيٍّ منهم ما مدّة ملكه وما أكل أمّته غيرك فقال حييّ بن أخطب: وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدةٌ، واللاّم ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، قال: فقال لهم: أفتدخلون في دين نبيٍّ إنّما مدّة ملكه وأكل أمّته إحدى وسبعون سنةً؟ قال: ثمّ أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم» قال: ماذا؟ قال: {المص} قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدةٌ، واللاّم ثلاثون، والميم أربعون، والصّاد تسعون. فهذه إحدى وستّون ومائةٌ سنةً هل مع هذا يا محمّد غيره؟ قال: «نعم»قال: ماذا؟ قال: {الر} قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدةٌ، واللاّم ثلاثون، والرّاء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ ؛ فهل مع هذا غيره يا محمّد؟ قال: «نعم، {المر}» قال: فهذه أثقل وأطول: الألف واحدةٌ واللاّم ثلاثون، والميم أربعون، والرّاء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنةٍ . ثمّ قال: لقد لبّس علينا أمرك يا محمّد، حتّى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيرًا ثمّ قاموا عنه، فقال أبو ياسرٍ لأخيه حييّ بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعلّه قد جمع هذا كلّه لمحمّدٍ: إحدى وسبعون، وإحدى وستّون ومائةٌ، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنةٍ وأربعٌ وثلاثون، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم: {هو الّذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهاتٌ} ».
قالوا: قد صرّح هذا الخبر بصحّة ما قلنا في ذلك من التّأويل وفساد ما قاله مخالفونا فيه.
والصّواب من القول عندي في تأويل مفاتح السّور الّتي هي حروف المعجم: أنّ اللّه جلّ ثناؤه جعلها حروفًا مقطّعةً ولم يصل بعضها ببعضٍ فيجعلها كسائر الكلام المتّصل الحروف؛ لأنّه عزّ ذكره أراد بلفطفه الدّلالة بكلّ حرفٍ منه على معانٍ كثيرةٍ لا على معنى واحدٍ، كما قال الرّبيع بن أنسٍ، وإن كان الرّبيع قد اقتصر به على معانٍ ثلاثةٍ دون ما زاد عليها.
والصّواب في تأويل ذلك عندي أنّ كلّ حرفٍ منه يحوي ما قاله الرّبيع وما قاله سائر المفسّرين غيره فيه، سوى ما ذكرت من القول عمّن ذكرت عنه من أهل العربيّة أنّه كان يوجّه تأويل ذلك إلى أنّه حروف هجاءٍ استغنى بذكر ما ذكر منه في مفاتح السّور عن ذكر تتمّة الثّمانية والعشرين الحرف من حروف المعجم بتأويل: أنّ هذه الحروف، {ذلك الكتاب}، مجموعةٌ {لا ريب فيه}، فإنّه قول خطأٍ فاسدٌ لخروجه عن أقوال جميع الصّحابة والتّابعين، فمن بعدهم من الخالفين من أهل التّفسير والتّأويل، فكفى دلالةً على خطئه شهادة الحجّة عليه بالخطأ مع إبطال قائل ذلك قوله الّذي حكيناه عنه، إذ صار إلى البيان عن رفع {ذلك الكتاب} بقوله مرّةً إنّه مرفوعٌ كلّ واحدٍ منهما بصاحبه ومرّةً أخرى أنّه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله: {لا ريب فيه} ومرّةً بقوله: {هدًى للمتّقين} وذلك تركٌ منه لقوله إنّ {الم} رافعةٌ {ذلك الكتاب} وخروجٌ من القول الّذي ادّعاه في تأويل {الم ذلك الكتاب} وأنّ تأويل ذلك: هذه الحروف {ذلك الكتاب}.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوز أن يكون حرفٌ واحدٌ شاملاً الدّلالة على معانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ؟
قيل: كما جاز أن تكون كلمةٌ واحدةٌ تشتمل على معانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ كقولهم للجماعة من النّاس: أمّةٌ، وللحين من الزّمان: أمّةٌ، وللرّجل المتعبّد المطيع للّه: أمّةٌ، وللدّين والملّة: أمّةٌ. وكقولهم للجزاء والقصاص: دينٌ، وللسّلطان والطّاعة: دينٌ، وللتّذلّل: دينٌ، وللحساب: دينٌ؛ في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها ممّا يكون من الكلام بلفظٍ واحدٍ، وهو مشتملٌ على معانٍ كثيرةٍ. وكذلك قول اللّه جلّ ثناؤه: {الم} و{المر} و{المص} وما أشبه ذلك من حروف المعجم الّتي هي فواتح أوائل السّور، كلّ حرفٍ منها دالٌّ على معانٍ شتّى، شاملٌ جميعها من أسماء اللّه عزّ وجلّ وصفاته ما قاله المفسّرون من الأقوال الّتي ذكرناها عنهم؛ وهنّ مع ذلك فواتح السّور كما قاله من قال ذلك. وليس كون ذلك من حروف أسماء اللّه جلّ ثناؤه وصفاته بمانعها أن تكون للسّور فواتح؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثّناء عليها، وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيلٍ أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.
فالّتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنّهنّ فواتح ما افتتح بهنّ من سور القرآن، وهنّ ممّا أقسم بهنّ؛ لأنّ أحد معانيهنّ أنّهنّ من حروف أسماء اللّه تعالى ذكره وصفاته على ما قدّمنا البيان عنها، ولا شكّ في صحّة معنى القسم باللّه وأسمائه وصفاته، وهنّ من حروف حساب الجمل، وهنّ للسّور الّتي افتتحت بهنّ شعارٌ وأسماءٌ. فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا ممّا بيّنّا من وجوهه، لأنّ اللّه جلّ ثناؤه لو أراد بذلك أو بشيءٍ منه الدّلالة على معنى واحدٍ ممّا يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره، لأبان ذلك لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إبانةً غير مشكلةٍ، إذ كان جلّ ثناؤه إنّما أنزل كتابه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليبيّن لهم ما اختلفوا فيه.
وفي تركه صلّى اللّه عليه وسلّم إبانة ذلك أنّه مرادٌ به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدّليل على أنّه مرادٌ به جميع وجوهه الّتي هو لها محتملٌ، إذ لم يكن مستحيلاً في العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويله ومعناه كما كان غير مستحيلٍ اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللّفظ الواحد في كلامٍ واحدٍ.
ومن أبى ما قلناه في ذلك سئل الفرق بين ذلك وبين سائر الحروف الّتي تأتي بلفظٍ واحدٍ مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة كالأمّة والدّين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في أحدٍ ذلك قولاً إلاّ ألزم في الآخر مثله.
وكذلك يسأل كلّ من تأوّل شيئًا من ذلك على وجهٍ دون الأوجه الأخر الّتي وصفنا عن البرهان على دعواه من الوجه الّذي يحبّ التّسليم له ثمّ يعارض بقوله يخالفه في ذلك، ويسأل الفرق بينه وبينه: من أصلٍ، أو ممّا يدلّ عليه أصلٌ، فلن يقول في أحدهما قولاً إلاّ ألزم في الآخر مثله.
وأمّا الّذي زعم من النّحويّين أنّ ذلك نظير بل في قول المنشد شعرًا: بل،.
ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
وأنّه لا معنى له، وإنّما هو زيادةٌ في الكلام معناه الطّرح؛ فإنّه أخطأ من وجوهٍ شتّى:
أحدها: أنّه وصف اللّه تعالى ذكره بأنّه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها وغير ما هو في لغة أحدٍ من الآدميّين، إذ كانت العرب وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشّعر ببل، فإنّه معلومٌ منها أنّها لم تكن تبتدئ شيئًا من الكلام ب {الم} و{الر} و{المص} بمثل معنى ابتدائها ذلك ب بل وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها، وكان اللّه جلّ ثناؤه إنّما خاطبهم بما خاطبهم به من القرآن بما يعرفون من لغاتهم ويستعملون بينهم من منطقهم في جميع آيه، فلا شكّ أنّ سبيل ما وصفنا من حروف المعجم الّتي افتتحت بها أوائل السّور الّتي هنّ لها فواتح سبيل سائر القرآن في أنّه لم يعدل بها عن لغاتهم الّتي كانوا بها عارفين ولها بينهم في منطقهم مستعملين؛ لأنّ ذلك لو كان معدولاً به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم كان خارجًا عن معنى الإبانة الّتي وصف اللّه عزّ وجلّ بها القرآن، فقال تعالى ذكره: {نزل به الرّوح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ} وأنّى يكون مبينًا ما لا يعقله ولا يفهمه أحدٌ من العالمين في قول قائل هذه المقالة، ولا يعرف في منطق أحدٍ من المخلوقين في قوله؟ وفي إخبار اللّه جلّ ثناؤه عنه أنّه عربيٌّ مبينٌ ما يكذّب قائل هذه المقالة، وينبئ عنه أنّ العرب كانوا به عالمين وهو لها مستبينٌ. فذلك أحد أوجه خطئه.
والوجه الثّاني من خطئه في ذلك: إضافته إلى اللّه جلّ ثناؤه أنّه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له من الكلام الّذي سواءٌ الخطاب به وترك الخطاب به، وذلك إضافة العبث الّذي هو منفيٌّ في قول جميع الموحّدين عن اللّه، إلى اللّه تعالى ذكره.
والوجه الثّالث من خطئه: أنّ بل في كلام العرب مفهومٌ تأويلها ومعناها، وأنّها تدخلها في كلامها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تقضّى كقولهم: ما جاءني أخوك بل أبوك؛ وما رأيت عمرًا بل عبد اللّه، وما أشبه ذلك من الكلام، كما قال أعشى بني ثعلبة:
ولأشربنّ ثمانيًا وثمانيًا.......وثلاث عشرة واثنتين وأربعا
ومضى في كلمته حتّى بلغ قوله:
بالجلّسان وطيّبٌ أردانه.......بالونّ يضرب لي يكرّ الأصبعا
ثمّ قال:
بل عدّ هذا في قريضٍ غيره ....... واذكر فتًى سمح الخليقة أروعا
فكأنّه قال: دع هذا وخذ في قريضٍ غيره. فبل إنّما يأتي في كلام العرب على هذا النّحو من الكلام.
فأمّا إفساحًا لكلامها مبتدأٌ بمعنى التّطويل والحذف من غير أن يدلّ على معنى، فذلك مّا لا نعلم أحدًا ادّعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها، سوى الّذي ذكرت قوله، فيكون ذلك أصلاً يشّبه به حروف المعجم الّتي هي فواتح سور القرآن الّتي افتتحت بها لو كان له مشبهةً، فكيف وهي من الشّبه به بعيدةٌ؟).
[جامع البيان: 1 / 204 -228]
- قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) :
اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين:
1- قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: «هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتمرّ كما جاءت».
2- وقال الجمهور من العلماء: «بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها» واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولا:
1- فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: «الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها».
2- وقال ابن عباس أيضا: «هي أسماء الله أقسم بها».
3- وقال زيد بن أسلم: «هي أسماء للسور».
4- وقال قتادة: «هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر».
5- وقال مجاهد: «هي فواتح للسور».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد: «بل» و «لا بل». نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش.
6- وقال قوم: «هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حيي بن أخطب» وهو قول أبي العالية رفيع وغيره.
7- وقال قطرب وغيره: «هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله الم بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفا».
8- وقال قوم: «هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتابا في أول سور منه حروف مقطعة».
9- وقال ابن عباس: «هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل».
10- وقال ابن جبير عن ابن عباس: «هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه».
11- وقال قوم: «هي تنبيه ك «يا» في النداء».
12- وقال قوم: «روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل، لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر:
(الوليد بن المغيرة(
قلنا لها قفي فقالت قاف ....... ... ... ... ...
أراد قالت: وقفت.
وكقول القائل: (زهير بن أبي سلمى)
بالخير خيرات وإن شرّا فا ....... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد: وإن شرّا فشر، وأراد: إلا أن تشاء.
والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها.
[المحرر الوجيز: 1/99-102]
- قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
{ آلم }: قد اختلف المفسّرون في الحروف المقطّعة الّتي في أوائل السّور،
1- فمنهم من قال: هي ممّا استأثر اللّه بعلمه، فردّوا علمها إلى اللّه، ولم يفسّروها [حكاه القرطبيّ في تفسيره عن أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ وابن مسعودٍ رضي اللّه عنهم به، وقاله عامرٌ الشّعبيّ وسفيان الثّوريّ والرّبيع بن خثيم، واختاره أبو حاتم بن حبّان].
2- ومنهم من فسّرها، واختلف هؤلاء في معناها
أ- فقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: "إنّما هي أسماء السّور"
قال العلّامة أبو القاسم محمود بن عمر الزّمخشريّ في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر، ونقله عن سيبويه أنّه نصّ عليه]، ويعتضد هذا بما ورد في الصّحيحين، عن أبي هريرة: "أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في صلاة الصّبح يوم الجمعة: {الم} السّجدة، و{هل أتى على الإنسان}".
ب- وقال سفيان الثّوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: أنّه قال: {الم}، و{حم}، و{المص}، و{ص}، فواتح افتتح اللّه بها القرآن.
وكذا قال غيره: عن مجاهدٍ.
ت- وقال مجاهدٌ في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعودٍ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عنه، أنّه قال: "{الم} اسمٌ من أسماء القرآن".
وهكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، ولعلّ هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرّحمن بن زيدٍ: أنّه اسمٌ من أسماء السّور، فإنّ كلّ سورةٍ يطلق عليها اسم القرآن، فإنّه يبعد أن يكون {المص} اسمًا للقرآن كلّه؛ لأنّ المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت {المص}، إنّما ذلك عبارةٌ عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن. واللّه أعلم.
ث- وقيل: هي اسمٌ من أسماء اللّه تعالى.
فقال الشّعبيّ: "فواتح السّور من أسماء اللّه تعالى"، وكذلك قال سالم بن عبد اللّه، وإسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ الكبير، وقال شعبة عن السّدّيّ: بلغني أنّ ابن عبّاسٍ قال: "{الم} اسمٌ من أسماء اللّه الأعظم". هكذا رواه ابن أبي حاتمٍ من حديث شعبة.
ورواه ابن جريرٍ عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السّدّيّ عن {حم} و{طس} و{الم}، فقال: قال ابن عبّاسٍ: "هي اسم اللّه الأعظم".
وقال ابن جريرٍ: وحدّثنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا أبو النّعمان، حدّثنا شعبة، عن إسماعيل السّدّيّ، عن مرّة الهمدانيّ قال: قال عبد اللّه، فذكر نحوه ،وحكي مثله عن عليٍّ وابن عبّاسٍ.
ج- وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: "هو قسمٌ أقسم اللّه به، وهو من أسماء اللّه تعالى".
وروى ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ من حديث ابن علية، عن خالدٍ الحذّاء، عن عكرمة أنّه قال: "{الم}، قسمٌ".
ح- ورويا -أيضًا-من حديث شريك بن عبد اللّه، عن عطاء بن السّائب، عن أبي الضّحى، عن ابن عبّاسٍ: "{الم}، قال: أنا اللّه أعلم".
خ- وكذا قال سعيد بن جبيرٍ، وقال السّدّي عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس –وعن مرّة الهمذاني عن ابن مسعودٍ. وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {الم}. قال: أمّا{الم} فهي حروفٌ استفتحت من حروف هجاء أسماء اللّه تعالى.
د- وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله تعالى: {الم} قال: هذه الأحرف الثّلاثة من التّسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلّها، ليس منها حرفٌ إلّا وهو مفتاح اسمٍ من أسمائه، وليس منها حرفٌ إلّا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرفٌ إلّا وهو في مدّة أقوامٍ وآجالهم. قال عيسى ابن مريم، عليه السّلام، وعجب، فقال: وأعجب أنّهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؛ فالألف مفتاح اسم اللّه، واللّام مفتاح اسمه لطيفٍ والميم مفتاح اسمه مجيدٍ فالألف آلاء اللّه، واللّام لطف اللّه، والميم مجد اللّه، والألف سنةٌ، واللّام ثلاثون سنةً، والميم أربعون [سنةً]. هذا لفظ ابن أبي حاتمٍ. ونحوه رواه ابن جريرٍ،
ثمّ شرع يوجّه كلّ واحدٍ من هذه الأقوال ويوفّق بينها، وأنّه لا منافاة بين كلّ واحدٍ منها وبين الآخر، وأنّ الجمع ممكنٌ، فهي أسماء السّور، ومن أسماء اللّه تعالى يفتتح بها السّور، فكلّ حرفٍ منها دلّ على اسمٍ من أسمائه وصفةٍ من صفاته، كما افتتح سورًا كثيرةً بتحميده وتسبيحه وتعظيمه. قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسمٍ من أسماء اللّه، وعلى صفةٍ من صفاته، وعلى مدّةٍ وغير ذلك، كما ذكره الرّبيع بن أنسٍ عن أبي العالية؛ لأنّ الكلمة الواحدة تطلق على معانٍ كثيرةٍ، كلفظة الأمّة فإنّها تطلق ويراد به الدّين، كقوله تعالى: {إنّا وجدنا آباءنا على أمّةٍ} [الزّخرف: 22، 23]. وتطلق ويراد بها الرّجل المطيع للّه، كقوله: {إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتًا للّه حنيفًا ولم يك من المشركين} [النّحل: 120] وتطلق ويراد بها الجماعة، كقوله: {وجد عليه أمّةً من النّاس يسقون} [القصص: 23]، وقوله: {ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولا} [النّحل: 36] وتطلق ويراد بها الحين من الدّهر كقوله: {وقال الّذي نجا منهما وادّكر بعد أمّةٍ} [يوسف: 45]أي: بعد حينٍ على أصحّ القولين، قال: فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجّهًا، ولكنّ هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإنّ أبا العالية زعم أنّ الحرف دلّ على هذا، وعلى هذا، وعلى هذا معًا، ولفظة الأمّة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح، إنّما دلّ في القرآن في كلّ موطنٍ على معنًى واحدٍ دلّ عليه سياق الكلام، فأمّا حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألةٌ مختلفٌ فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، واللّه أعلم؛ ثمّ إن لفظ الأمّة تدلّ على كلّ معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأمّا دلالة الحرف الواحد على اسمٍ يمكن أن يدلّ على اسمٍ آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التّقدير أو الإضمار بوضعٍ ولا بغيره، فهذا ممّا لا يفهم إلّا بتوقيفٍ، والمسألة مختلفٌ فيها، وليس فيها إجماعٌ حتّى يحكم به.
وما أنشدوه من الشّواهد على صحّة إطلاق الحرف الواحد على بقيّة الكلمة، فإنّ في السّياق ما يدلّ على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشّاعر:
قلنا قفي لنا فقالت قاف ....... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
تعني: وقفت.
وقال الآخر:
ما للظّليم عال كيف لا يا ....... ينقدّ عنه جلده إذا يا
قال ابن جريرٍ: كأنّه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل.
وقال الآخر:
بالخير خيراتٌ وإن شرًّا فا ....... ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا
يقول: وإن شرًّا فشرٌّ، ولا أريد الشّرّ إلّا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتّاء من الكلمتين عن بقيّتهما، ولكنّ هذا ظاهرٌ من سياق الكلام، واللّه أعلم.
[قال القرطبيّ: وفي الحديث: "من أعان على قتل مسلمٍ بشطر كلمةٍ" الحديث. قال شقيقٌ: "هو أن يقول في اقتل: إق"].
وقال خصيفٌ، عن مجاهدٍ، أنّه قال: فواتح السّور كلها "{ق} و{ص} و{حم} و{طسم} و{الر}" وغير ذلك هجاءٌ موضوعٌ.
ذ- وقال بعض أهل العربيّة: هي حروفٌ من حروف المعجم، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السّور عن ذكر بواقيها، الّتي هي تتمّة الثّمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في: اب ت ث، أي: في حروف المعجم الثّمانية والعشرين فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جريرٍ.
قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السّور بحذف المكرّر منها أربعة عشر حرفًا، وهي: ال م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن، يجمعها قولك: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ له سرٌّ. وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التّصريف.
قال الزّمخشريّ: وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملةٌ على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرّخوة والشّديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصّلةً ثمّ قال: فسبحان الّذي دقّت في كلّ شيءٍ حكمته، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها، وقد علمت أنّ معظم الشّيء وجلّه ينزل منزلة كله.
ومن هاهنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلامًا، فقال: لا شكّ أنّ هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدًى؛ ومن قال من الجهلة: إنّه في القرآن ما هو تعبّدٌ لا معنًى له بالكلّيّة، فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعيّن أنّ لها معنًى في نفس الأمر، فإن صحّ لنا فيها عن المعصوم شيءٌ قلنا به، وإلّا وقفنا حيث وقفنا، وقلنا: {آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا} [آل عمران: 7].
ولم يجمع العلماء فيها على شيءٍ معيّنٍ، وإنّما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليلٍ فعليه اتّباعه، وإلّا فالوقف حتّى يتبيّن.
..... وأمّا من زعم أنّها دالّةٌ على معرفة المدد، وأنّه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادّعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديثٌ ضعيفٌ، وهو مع ذلك أدلّ على بطلان هذا المسلك من التّمسّك به على صحّته. وهو ما رواه محمّد بن إسحاق بن يسارٍ، صاحب المغازي، حدّثني الكلبيّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن جابر بن عبد اللّه بن رئابٍ، قال: مرّ أبو ياسر بن أخطب، في رجالٍ من يهود، برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه [هدًى للمتّقين]} [البقرة: 1، 2] فأتى أخاه حييّ بن أخطب في رجالٍ من اليهود، فقال: تعلمون -واللّه-لقد سمعت محمّدًا يتلو فيما أنزل اللّه عليه: {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه} فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حييّ بن أخطب في أولئك النّفر من اليهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: فقالوا: يا محمّد، ألم يذكر أنّك تتلو فيما أنزل اللّه عليك: {الم * ذلك الكتاب لا [ريب]} ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"بلى".
فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند اللّه؟ فقال: "نعم".
قالوا: لقد بعث اللّه قبلك أنبياء ما نعلمه بيّن لنبيٍّ منهم ما مدّة ملكه وما أجل أمّته غيرك. فقام حييّ بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدةٌ، واللّام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، أفتدخلون في دين نبيٍّ، إنّما مدّة ملكه وأجل أمّته إحدى وسبعون سنةً؟ ثمّ أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد، هل مع هذا غيره؟
فقال: "نعم"، قال: ما ذاك؟ قال: "{المص}"، قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدةٌ، واللّام ثلاثون، والميم أربعون، والصّاد سبعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنةٍ. هل مع هذا يا محمّد غيره ؟ قال: "نعم" قال: ما ذاك ؟ قال: "{الر}". قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدةٌ، واللّام ثلاثون، والرّاء مائتان. فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ. فهل مع هذا يا محمّد غيره؟ قال: "نعم"، قال: ماذا؟ قال: "{المر}". قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدةٌ، واللّام ثلاثون، والميم أربعون، والرّاء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان، ثمّ قال: لقد لبّس علينا أمرك يا محمّد، حتّى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرًا. ثمّ قال: قوموا عنه. ثمّ قال أبو ياسرٍ لأخيه حييّ بن أخطب، ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعلّه قد جمع هذا لمحمّدٍ كلّه إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائةٌ وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائةٍ وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم: {هو الّذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهاتٌ} [آل عمران: 7].
فهذا مداره على محمّد بن السّائب الكلبيّ، وهو ممّن لا يحتجّ بما انفرد به، ثمّ كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكلّ حرفٍ من الحروف الأربعة عشر الّتي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملةً كثيرةً، وإن حسبت مع التّكرّر فأتمّ وأعظم واللّه أعلم
[تفسير ابن كثير: 1 /156-162]