عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 12-09-2021, 11:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,806
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (56)
- بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
- أحكام ركوب البحر في سورة الكهف



د.وليد خالد الربيع




قال الله -تعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} (سورة الكهف:71)، أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس في حديث طويل في قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر قال: «فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ (أي: أجرة)، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا»، قال ابن كثير: «قوله -تعالى-: {أخرقتها لتغرق أهلها} هذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل. وقوله: {لقد جئت شيئا إمرا} قال مجاهد: منكرا، وقال قتادة: عجبا».

من المسائل المستفادة من الآية الكريمة مسألة ركوب البحر:

مسألة خلافية

يمكن أن يستغرب القارئ تناول هذه المسألة مع وضوح حكمها وظهور جوازها، إلا أنه قد سبق خلاف بين الصحابة والتابعين في ذلك، لذا اقتضى التنويه عليه، أخرج عبد الرزاق في مصنفه بإسناده عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَكْرَهُ أَنْ يَحْمِلُ الْمُسْلِمِينَ غَزَاةً فِي الْبَحْرِ»، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءٍ عَنْ غَزْوَةِ الْبَحْرِ فَكَرَهَهُ، وعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ فِي أُنَاسٍ إِلَى الْحَبَشَةِ فَأُصِيبُوا فِي الْبَحْرِ فَحَلَفَ عُمَرُ بِاللَّهِ لَا يَحْمِلُ فِيهَا أَبَدًا»، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قال: «كُرِهَ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَرْكَبُوا فِي الْبَحْرِ»، وعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ رُكُوبَ الْبَحْرِ إِلَّا لِثَلَاثٍ غَازٍ، أَوْ حَاجٍّ، أَوْ مُعْتَمِرٍ.

ظاهر هذه الآثار

فظاهر هذه الآثار المنع من ركوب البحر في حال الجهاد في سبيل الله، وورد حديث مرفوع في المنع من ركوب البحر، فقد أخرج أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا»، وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف قال الألباني -رحمه الله- في (إرواء الغليل): «اتفق الأئمة على تضعيفه».

ركوب البحر عند هيجانه

ويمكن حمل النهي إن صح على ركوب البحر عند هيجانه واضطرابه؛ حيث لا يأمن الراكب خطر الغرق يؤيده حديث: «مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

قال ابن حجر: «ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقا»، وقال: «وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء». وقال الشوكاني: «والحديث يدل على عدم جواز ركوب البحر في أوقات اضطرابه».

فضائل الغزو في البحر

وأما الآثار فقد عورضت بمثلها فقد أخرج عبد الرزاق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِ، وَمَنْ جَازَ الْبَحْرَ، فَكَأَنَّمَا جَازَ الْأَوْدِيَةَ، وَالْمَائِدُ فِي السَّفِينَةِ كَالْمُتَشَحْطِ فِي دَمِهِ».

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٍ: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ تَعْدِلُ عَشْرًا فِي الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحْطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

وساق الجصاص -رحمه الله- في (أحكام القرآن): «الأدلة على إباحة ركوب البحر، فقال: وفي قوله -تعالى-: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} دلالة على إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع؛ إذ لم يخص ضربا من المنافع دون غيره، وقال -تعالى-: {هو الذي يسيركم في البر والبحر}، وقال: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله}، وقوله: {ولتبتغوا من فضله} قد انتظم التجارة وغيرها، كقوله -تعالى-: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، وقد روي عن جماعة من الصحابة إباحة التجارة في البحر، وقد كان عمر بن الخطاب منع الغزو في البحر إشفاقا على المسلمين».

باب ركوب البحر

ومن السنة المطهرة فقد عقد البخاري: (باب ركوب البحر) من كتاب الجهاد والسير، وأخرج فيه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطعمته فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استيقظ يضحك قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو قال مثل الملوك على الأسرة» قلت: ادع الله أن يجعلني منهم فدعا ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة». فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت من الأولين»، فركبت البحر زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت». متفق عليه

قال النووي: «في هذا الحديث جواز ركوب البحر، للرجال والنساء، وكذا قاله الجمهور».

قال ابن حجر: «وفيه جواز ركوب البحر الملح للغزو وقد تقدم بيان الاختلاف فيه وأن عمر كان يمنع منه ثم أذن فيه عثمان، قال أبو بكر بن العربي: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز ثم أذن فيه من بعده واستقر الأمر عليه».


وقال ابن حجر: «وهذا الحديث حجة للجمهور، وقد تقدم أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان، وذكر مالك أن عمر كان يمنع الناس من ركوب البحر حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له».

إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم -

ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة قال: سألَ رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّا نركَبُ البحرَ ونحملُ معنا القليلَ من الماءِ فإن تَوضَّأنا به عَطِشْنا أفنتوضَّأُ من ماءِ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطَّهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتُه» أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني وهو ظاهر الدلالة على جواز ركوب البحر؛ حيث أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل ولم ينكر عليه.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.04%)]