
12-09-2021, 11:06 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة :
|
|
رد: واجب النصرة في سياسة (دولة المرابطين) - تقرير
واجب النصرة في سياسة (دولة المرابطين) - تقرير
أحمد الشجاع

النصرة في الدين
اجتماع علماء قرطبة:
أمام هذا الضياع المفزع الذي وصلت إليه ممالك الأَنْدَلُس؛ اجتمع علماء وفقهاء وزعماء قرطبة للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ مدينتهم.
وقالوا: هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الفرنج، ولم يبق منها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت.
وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم، فقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة، وعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها، وقد رأينا رأياً نعرضه عليك. قال: ما هو؟، قالوا: نكتب إلى عرب إفريقيا ونبذل لهم، فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا، وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله. قال: نخاف، إذا وصلوا إلينا يخربون بلادنا، كما فعلوا بإفريقيا، ويتركون الفرنج ويبدؤون بكم، والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا.
قالوا له: فكاتب أمير المسلمين، وارغب إليه ليعبر إلينا، ويرسل بعض قواده.
وقدم عليهم المعتمد بن عباد، وهم في ذلك، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد أن يبرئ نفسه من تهمةٍ، فألح عليه المعتمد.
وبدأ المُعْتَمِد في تقوية جيشه وترميم الحصون والقلاع، وقرَّر أن يطلب النجدة من إخوانه المسلمين، وتشاور في الأمر مع ابنه الرشيد وزعماء إشبيلية الذين أشاروا عليه بمهادنة ألفونسو والخضوع لشروطه، ولكن هذا الرأي لم يجد هوى في نفس المُعْتَمِد الذي خلا بابنه الرشيد - وكان ولى عهده - وقال له: "أنا في هذه الأَنْدَلُس غريب بين بحر مظلم وعدو مجرم، وليس لنا ولي ولا ناصر إلا الله، وإن إخواننا وجيراننا ملوك الأَنْدَلُس ليس فيهم نفع، ولا يُرجَى منهم نصرة ولا حيلة إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدو ثقيل وهو اللعين أذفونش، فقد أخذ طُلَيْطِلَة، وعادت دار كفر، وها هو قد رفع رأسه إلينا. وإن نزل علينا طُلَيْطِلَة ما يرفع عنا حتى يأخذ إشبيلية، ونرى من الرأي أن نبعث إلى هذه الصحراء وملك العدوة نستدعيه للجواز إلينا ليدافع عنا الكلب اللعين؛ إذ لا قدرة لنا على ذلك بأنفسنا، فقد تلف لجاؤنا وتدبرت بل تبردت أجنادنا، وبغضتنا العامة والخاصَّة".
فأجابه الرشيد: يا أبت أتدخل علينا في أَندَلُسنا مَن يسلبنا ملكنا ويبدد شملنا؟"، فقال: "أي بني والله لا يسمع عني أبداً أنى أعدت الأَنْدَلُس دار كفر ولا تركتها للنصارى، فتقوم عليَّ اللعنة من على منابر المسلمين مثل ما قامت على غيري، والله خُرز الجمال عندي خير من خُرز الخنازير".
ولما انتشر رأي المُعْتَمِد بن عَبَّاد في الأَنْدَلُس حذره ملوك الطوائف من ذلك، وقالوا له: "الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد"، وعارض بشدة طلب العون من المرابطين عبد الله بن سكوت والي مالقة الذي كان يرى أن المرابطين أشد خطراً من النصارى، ويجب الاعتماد على القوة الذاتية للأَنْدَلُسيين. فأجابهم المُعْتَمِد بكلمته التي صارت مثلاً: "رعي الجمال خير من رعي الخنازير".
وأضاف: إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الشرَّين أمر الملثمين".
أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء، خير من كونه ممزقاً عند الأذفونش، أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة. وكان المعتمد مشهوراً برزانة الاعتقاد.
وقال للذين لاموه على هذا الرأي: "يا قوم إني في أمري على حالين: حالة يقين وحالة شك، ولابد لي من أحدهما، أمَّا حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفيا لي ويبقيا عليَّ، ويمكن أن لا يفعلا فهذه حالة شك.
وأمَّا حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فإني أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه"؟. حينئذٍ قصر أصحابه عن لومه..وهذا الموقف من المعتمد يدل على غيرة في الدين، وعزة في النفس رغم ضعفه أمام عدوه.
ولما عزَم على طلب النصرة من المرابطين؛ اتصل المُعْتَمِد بالمُتَوَكِّل بن الأفطس صاحب بطليوس، وعبد الله بن بلقين الصنهاجي صاحب غرناطة، وطلب منهما أن يرسل كل منهما قاضي مدينته حتى يكونوا وفداً إلى المرابطين لمقابلة الأمير يوسف بن تاشفين، وتشكَّلت البعثة من قاضي قرطبة ابن أدهم، وقاضي بطليوس ابن مقانا، وقاضي غرناطة ابن القليعي، ومعهم وزير المُعْتَمِد أبو بكر بن زيدون، وأسند المُعْتَمِد إلى القضاة وعظ الأمير يوسف وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى وزيره إبرام العقود، وحملت البعثة معها رسالة مكتوبة من المُعْتَمِد إلى الأمير يوسف مؤرخة بسنة 479هـ، وهذا نصُّها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلِّى الله على سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.. إلى حضرة الإمام أمير المسلمين وناصر الدِّين ومحيي دعوة الخليفة، الإمام أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، القائم بعظيم أكبارها، الشَّاكر لأجلالها، المعظِّم لما عظم الله من كريم مقدارها، اللائذ بحرامها، المنقطع إلى سمُّو مجدها، المستجير بالله وبطولها مُحَمَّد عباد، سلام كريم يخص الحضرة المعظمة السامية ورحمة الله تعالى وبركاته. كتب المنقطع إلى كريم سلطانها من إشبيلية فى غرة جمادى الأولى 479هـ/ 1086م، وإنَّه أيَّد الله أمير المُسْلِمِين ونصر به الدِّين، فإنَّا - نحن العرب - في هذه الأَنْدَلُس قد تلفت قبائلنا، وتفرَّق جمعنا، وتغيَّرت أنسابنا بقطع المادة عنا من ضيعتنا؛ فصرنا شعوباً لا قبائل، وأشتاتاً لا قرابة ولا عشائر، فقلَّ نصرنا، وكثر شُمَّاتُنا. وتولَّى علينا هذا العدو المجرم اللعين ألفونسو وأناخ علينا بطُلَيْطِلَة ووطأها بقدمه، وأسر المسلمين، وأخذ البلاد والقلاع والحصون، ونحن أهل هذه الأَنْدَلُس ليس لأحد منا طاقة على نصرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال. وأنت أيدك الله سيد حمير، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين مُحَمَّد، ولكم عند الله الثواب الكريم على حضرتكم السامية. السلام ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلى العظيم".
وأرسلت وفود شعبية من الشيوخ والعلماء رسائل تحثُ الأمير على إنقاذ الأَنْدَلُس.
وتأثر المرابطون لمُصاب إخوانهم في الدِّين، وعرض أميرهم قضية مسلمي الأَنْدَلُس على أهل الحلِّ والعَقْد عنده، وأجمعوا على نصرة دينهم وإعزاز كلمة التوحيد. وكان وزير يوسف ومستشاره أَنْدَلُسي الأصل اسمه عبد الرحمن بن أسبط أو أسباط، فنصحه المستشار بأن يطلب من المُعْتَمِد بن عَبَّاد الجزيرة الخضراء لكي تكون آمنة لعبور الجيش، ولحماية خطوط التموين، وقال له: إن الأمر لله تعالى ولكم، وواجب على كل مسلم إغاثة أخيه المسلم والانتصار له. واقتنع الأمير يوسف برأي وزيره في طلب الجزيرة الخضراء؛ ليجعل فيها أثقال جيشه وأجناده، ويكون الجواز بيده متى شاء. وقال الأمير يوسف لعبد الرحمن: صدقت يا عبد الرحمن، لقد نبهتني على شيء لم يخطر ببالي، اكتب إليه بذلك.
وكتب ابن أسبط إلى المُعْتَمِد بن عَبَّاد الكتاب التالي نصُّه:
"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه وسلِّم. من أمير المسلمين وناصر الدِّين معين دعوة أمير المؤمنين، إلى الأمير أكرم المؤيد بنصرة الله تعالى المُعْتَمِد على الله أبي القاسم مُحَمَّد بن عَبَّاد أدام الله كرامته بتقواه، ووفقه لما يرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإنه وصل خطابك الكريم، فوقفنا على ما تضمنه من استدعائنا لنصرتك، وما ذكرته من كربتك، وما كان من قلة حماية جيرانك، فنحن يمين لشمالك ومبادرون لنصرتك وحمايتك، وواجب علينا في الشَّرع، وفى كتاب الله تعالى، وإنَّه لا يمكننا الجواز إلا أن تُسلِّم لنا الجزيرة الخضراء؛ تكون لنا، لكي يكون جوازنا إليك على أيدينا متى شئنا، فإن رأيت ذلك فاشهد على نفسك بذلك، وابعث إلينا بعقودها ونحن في أثر خطابك إن شاء الله تعالى".
اطلع المُعْتَمِد ابنه الرشيد على خطاب الأمير يوسف فقال له: يا أبت ألا تنظر إلى ما طلب؟. فقال له المُعْتَمِد: يا بني هذا قليل في حق نصرة المسلمين، ثم جمع المُعْتَمِد القاضي والفقهاء، وكتب عقد هبة الجزيرة الخضراء للأمير يوسف، وتسليمها له بحضورهم، وكان يحكمها يزيد الراضي بن المُعْتَمِد، فبعث إليه أمره بإخلائها وتسليمها للمرابطين لتكون رهناً بتصرف الأمير يوسف.
وبعد موافقة المُعْتَمِد تجهَّز يوسف لتلبية نداء إخوانه في العقيدة، وكتب أماناً لأهل الأَنْدَلُس ألا يتعرض لأحد منهم في بلده، وقال: "أنا أول مُنتَدَبٍ لنصرة هذا الدِّين، لا يتولى الأمر أحد إلا أنا بنفسي". وأعلن النفير العام في قوات المرابطين، فأقبلت من مراكش، ومن الصحراء وبلاد الزاب، ومن مختلف نواحي المغرب يتوافدون على قيادتهم الربَّانية. وجهزت السفن لتحمل هذه القوات، وكان أول من نفَّذ أمر العبور قائد المرابطين النابغ داود ابن عائشة. وتمركز في الجزيرة الخضراء، وتتابعت كتائب المرابطين، وكانت معهم الجمال الكثيرة، وقد أثار وجودها دهشة الأَنْدَلُسيين؛ لأنَّهم لم يكونوا يعرفونها من قبل، وقد أثَّر وجودها على الخيل فأخذت تجمح لدى رؤيتها.
نحو الأندلس
ولما تكامل الجيش المرابطي بساحل الجزيرة الخضراء، ركب الأمير يوسف ومعه قادة من خيرة قادة المرابطين وصلحائهم، ولمَّا ركب واستوى على السفينة رفع يديه نحو السماء مناجياً:
"اللهم إن كنت تعلم أن جوازنا هذا إصلاح للمسلمين فسهِّل علينا هذا البحر حتى نعبره، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا نجوزه".
وسهل الله عبورهم، وكان ذلك يوم الخميس بعد الزوال منتصف ربيع الأول 479هـ يونيو 1086م، وصلى الأمير يوسف بالجزيرة الخضراء صلاة الظهر، وقام أهل الجزيرة بضيافة المرابطين، وظهر فرحهم وسرورهم على وجوههم، وبدأ الأمير يوسف في تحصين الجزيرة الخضراء، ورمَّم أسوارها وما تصدَّع من أبراجها، وشحنها بالأسلحة والأطعمة، وكلف مجموعة من جنوده بحراستها ثم ساروا نحو إشبيلية.
سارع المُعْتَمِد مع قادة قومه وشيوخ مدينته وفقهاء بلاده لاستقبال أمير المرابطين.. واستعرض المُعْتَمِد الجيش المرابطي فرأى "عسكراً نقياً، ومنظراً بهياً".
وواصل الأمير يوسف سيره نحو إشبيلية حيث كان يستقبل بالترحاب مع جيشه المرابطي على امتداد الطريق، حتى وصل حاضرة المُعْتَمِد، فأقام بها ثلاثة أيام للاستراحة، ثم قال للمُعْتَمِد: "إنما جئت ناوياً جهاد العدو حيثما كان توجهت".
وأثناء مقام الأمير يوسف فى إشبيلية بعث الأمير يوسف إلى ملوك الأَنْدَلُس يستنفرهم للجهاد، فكان أول من لبى الدعوة عبد الله بن بلقين الصنهاجي صاحب غرناطة الذي خرج إليه بأمواله ورجاله، وأخوه تميم صاحب مالقة، وأرسل ابن صمادح ابنه معز الدولة في فرقة من جيشه.
وسار الأمير يوسف نحو بطليوس، فاستقبلهم صاحبها المُتَوَكِّل بن الأفطس على ثلاث مراحل من المدينة، وقدَّم لهم الهدايا والضيافة، وعلف الدواب، وظهر منه جود وكرم، وأقام الأمير أياماً عدة حتى يصل باقي المتطوعين، إلا أن أكثرهم لم يصل لانشغالهم بمدافعة النصارى، فتابع سيره الجهادي حتى حطَّ رحاله عند سهل الزِّلاقَة، وكان يبعد عن بطليوس ثمانية أميال.
ونظَّم يوسف بن تاشفين جيشه، فجعل الأَنْدَلُسيين جيشاً مستقلاً بذاته، وأسند قيادته إلى المُعْتَمِد بن عَبَّاد الذي تولى المقدمة، وأسندت الميمنة إلى المُتَوَكِّل بن الأفطس، وجعل أهل شرق الأَنْدَلُس على الميسرة، وباقي أهل الأَنْدَلُس فى الساقة.
أمَّا الجيش المرابطي فتولى داود ابن عائشة قيادة فرسانه، وأما سير بن أبى بكر فتولى قيادة الحشم، وبقية المرابطين مع حرس الأمير يوسف بن تاشفين إلى جانب قيادته الجيش الإسلامي.
معركة الزلاقة
عسكر المرابطون خلف الأَنْدَلُسيين تفصل بينهم ربوة بقصد التمويه، وكان تعداد جيش المرابطين والأَنْدَلُسيين أكثر من 24 ألف جندي، وتضاربت الروايات في ذلك.
وكان ألفونسو مشغولاً بمحاصرة سَرْقُسْطَة، ولما وصله الخبر ارتبك وجزع، وطلب من المستعين بن هود - حاكم سَرْقُسْطَة - أن يدفع له مالاً مقابل فك الحصار، فامتنع ابن هود لما عَلِمَه من وصول المرابطين، وقرَّر ألا يساعد ألفونسو بأي مال يستعين به على قتال المسلمين.
واضطرَّ ألفونسو لرفع الحصار، ورجع مسرعاً إلى طُلَيْطِلَة، وأعلن الاستنفار العام، وحل نزاعه وخلافه مع بعض أمراء النصارى، وأرسل إلى مَن وراء جبال ألبرتات فأتته أفواج عديدة من النصارى متطاوعة من أجل الحرب المُقدَّسة، وجند الفونسو كل مَن يستطيع حمل السلاح صغيراً أو كبيراً، ونظَّم جيشه وقسمه إلى قسمين كبيرين.
وكان جيش ألفونسو يعتمد على الفرسان كمجموعة، وكان الفارس يلبس الزرد والدروع التي تغطيه من الرأس إلى القدم كأنَّه حصن من الحديد يتحرك لتزداد شجاعته وجرأته.
ولما استعرض جيشه نفخ فيه الشيطان غروره وكبرياءه، وقال قولة تدل على تجذر كفره وعتوه وفساد معتقده، حيث قال: "بهذا الجيش ألقى محمداً وآل محمد والأنس والجن والملائكة".
"وكانت جموع الرهبان والقسيسين أمام جيش ألفونسو يرفعون الإنجيل والصلبان لإذكاء الحماس الدِّيني في نفوس الجنود الذين بلغ عددهم أكثر من ستين ألفًا.
وخرج ألفونسو بجيشه نحو بطليوس، وكتب إلى المُعْتَمِد بن عَبَّاد كتاباً، جاء فيه: "إن صاحبكم يوسف قد تعنَّى من بلاده وخاض البحار، وأنا أكفيه العناء فيما بقى، ولا أكلفكم تعباً، وأمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم".
وقصد ألفونسو بذلك أن تكون المعركة خارج بلاده فإذا انهزم ولحقوا به يكون مسيرهم في أرضهم ولابد من الاستعداد لاكتساح بلاده، وبذلك تنجو من التدمير، وإذا انتصر حدث ذلك في أرض أعدائه.
وصل ألفونسو إلى بطحاء الزِّلاقَة وخيم على بعد ثلاثة أميال من الجيش المسلم يفصل بينهما نهر بطليوس يشرب منه المتحاربون.
لقد انزعج ألفونسو من مجيء المرابطين انزعاجاً كبيراً, حيث شعر بعودة الروح المعنوية إلى أهالي الأَنْدَلُس الذين كان يسومهم سوء العذاب، يُقتِّل رجالهم ويسبى نساءهم، ويأخذ منهم الجزية، ويحتقرهم ويزدريهم، ويتلاعب بمصيرهم، وينتظر الفرصة لاستئصالهم من الأَنْدَلُس، لتعم النصرانية في سائر البلاد، ويرتفع الصليب على أعناق العباد، وإذا بالمرابطين يربكون مخططاته ويبددون أحلامه.
لذلك أراد ألفونسو أن يوجِّه ضربة قاصمة لمن كان السبب في استدعاء المرابطين وخصوصاً المُعْتَمِد بن عَبَّاد وقرينه المُتَوَكِّل بن الأفطس، وكان يرى أن نصره يعتمد على تكبيل القوة الدَّاخلِيَّة في الأَنْدَلُس بالهزائم المتتالية والمتلاحقة.
أما المرابطون بعد ذلك سيرجعون إلى وطنهم الأصلي المغرب، وبالقضاء على الأَنْدَلُس يسهل القضاء على المرابطين بسبب جهلهم بالطبيعة الجغرافية للبلاد.
ومما ساعد ألفونسو على أن يعيش في تلك الأحلام فتور معظم أهل الأَنْدَلُس بسبب ترفهم ونعيمهم وجبنهم وحبهم للحياة وهروبهم من الشهادة، كما أن أسباب الهزيمة نخرت في ذلك المجتمع المتهالك.
وكان رأي المرابطين أن المعركة في الأَنْدَلُس مصيرية للأمة الإسلاميَّة؛ وبذلك لا يمكن الاعتماد على شعب مهزوم وقع في أسر المعاصي والذنوب.
كما أن انتصارهم في الأَنْدَلُس يرعب أعداءهم وخصومهم في المغرب، ويتم بنصرهم إنقاذ الإسلام والحضارة في ذلك البلد البعيد عن العالم الإسلامي.
وأرسل يوسف بن تاشفين إلى ألفونسو كتاباً يعرض عليه الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب. ومما جاء في كتاب الأمير:
"بلغنا يا أذفونش أنَّك نحوت الاجتماع بنا، وتمنيَّت أن تكون لك فُلْكٌ تعبر البحر عليها إلينا، فقد جزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وترى عاقبة ادعائك (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)".
ولما قرأ ألفونسو الكتاب زاد غضبه وذهب بعقله وقال: "أبمثل هذه المخاطبة يخاطبني، وأنا وأبي نغرم الجزية لأهل ملته منذ ثمانين سنة؟".
وقال لرسول الأمير يوسف: "قُل للأمير لا تتعب نفسك أنا أصل إليك، وإنَّنا سنلتقي في ساحة المعركة".
ومعنى ذلك أن ألفونسو اختار الحرب، وحاول ألفونسو حامي حمى النصرانية في إسبانيا أن يخدع المُسْلِمِين ويمكر بهم، فكتب إلى الأمير يوسف في تحديد يوم المعركة فكتب إليه: "إن بعد غد الجمعة لا نحب مقابلتكم فيه لأنَّه عيدكم، وبعده السبت يوم عيد اليهود، وهم كثير في محلتنا، وبعده الأحد عيدنا، فنحترم هذه الأعياد، ويكون اللقاء يوم الاثنين".
فكان جواب الأمير يوسف: "اتركوا اللعين وما أحب". فاعترض المُعْتَمِد، وقال للأمير يوسف: "إنها حيلة منه وخديعة إنَّما يريد غدرنا فلا تطمئن إليه، وقصده الفتك بنا يوم الجمعة، فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعة كل النَّهار".
واستعد المسلمون لرصد تحركات النصارى، وكان حدس المُعْتَمِد صائباً صحيحاً، ورصدوا تحرك العدو نحوهم.
وانقض الجيش الذي يقوده رودريك بمنتهى العنف على معسكر المسلمين من الأَنْدَلُسيين فتصدَّى فرسان المرابطين الذين يقودهم داود ابن عائشة الذين أرسلهم يوسف ابن تاشفين على عجل لدعم الأَنْدَلُسيين، وصمد المرابطون أمام هجوم النصارى، واضطر النصارى إلى الارتداد إلى خط دفاعهم الثاني.
واحتدم الصراع، وزحف ألفونسو ببقية جيشه، وأقرن زحفه بصياح هائل أفزع قلوب الأَنْدَلُسيين قبل خوضهم المعركة، ولاذوا بالفرار ووجدوا أنفسهم أمام أسوار بطليوس للاحتماء بها، ولم يصمد منهم إلا المُعْتَمِد بن عَبَّاد وقومه، وأهل إشبيلية.
وأبلى المعتمد بلاءً عظيماً، وأصيب بجروح بليغة، واستمرت المعركة الرهيبة، وصمد المُعْتَمِد مع داود ابن عائشة حتى فلت السيوف، وتكسرت الرماح، وصبر المُسْلِمُون في المعركة صبراً عظيماً.
وبدأت قوة المُسْلِمِين تضعف وتتقهقر أمام ضربات النصارى، وأيقن ألفونسو ببلوغ النصر مُعتَقِداً أن هذه هي قوة المسلمين المقاتلة التي ظهر الإعياء عليها، وأخذت موقف المدافعة.
ولم يستغرق ألفونسو طويلاً في أحلامه حتى وثب جيش من المرابطين إلى ميدان المعركة أرسله الأمير يوسف بقيادة سير بن أبي بكر على رأس الحشم لمساندة القوات الإسلاميَّة؛ فتقوَّت بذلك معنوياتهم في معركة مالت إلى هزيمتهم. وزحف الأمير يوسف بحرسه المرابطي، وقام بعملية التفاف سريعة باغت فيها معسكر العدو من الخلف، ووصل إلى خيامه وأحرقها وأباد حراسها، ولم ينج منهم إلا القليل. وكانت طبول المرابطين تدق بعنف فترتج منها الأرض، ورغاء الجمال يتصاعد إلى السماء فبث الذعر في نفوس الأعداء وهلعت قلوبهم.
وذهل ألفونسو عندما رأى بعض حرس معسكره فارِّين، وأتته الأخبار من داخل المعسكر باستيلاء المرابطين عليه، وأنَّه خسر حوالي عشرة آلاف قتيل.
ووجد ألفونسو نفسه محاصراً من المسلمين فاضطر للقتال متقهقراً نحو معسكره المحروق، ولكن يوسف لم يترك له الفرصة لالتقاط الأنفاس، فانقضَّ عليه كالسيل، وقاتل ألفونسو عند ذلك قتال المستميت. وكان الأمير يوسف يبث الحماس في نفوس المسلمين قائلاً: "يا معشر المُسْلِمِين اصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين، ومن رُزِق منكم الشهادة فله الجنة، ومن سلم فقد فاز بالأجر العظيم والغنيمة". وكان رحمه الله يقاتل في مقدمة الصفوف وهو ابن التاسعة والسبعين.
وكان فقهاء المسلمين وصالحوهم يعظون الجنود ويشجعونهم على مصابرة أعداء الدِّين، وفي هذا الجو الرهيب من القتال الذي دام بضع ساعات وسقط فيه آلاف القتلى، وغمر الدم ساحة المعركة عندما دفع الأمير حرسه الخاص من السودان إلى القتال، فترجل منهم أربعة آلاف كانوا مسلحين بدروق اللمط وسيوف الهند ونزاريق الزان.
اندفعوا إلى المعركة اندفاع الأسود فحطموا مقاومة النصرانية، وتكسَّرت شوكتهم، وانقض أحد المسلمين على ألفونسو وطعنه في فخذه، ولاذ النصارى بالفرار، ولجأ مع خمسمائة فارس من فرسانه إلى تل قريب ينتظر الظلام لينجو من سيوف المرابطين.
ومنع يوسف جنوده من اللحاق بهم، وكانت مناسبة لألفونسو الذي تابع سيره مع الظلام إلى طُلَيْطِلَة، وصل إليها مغموماً حزيناً كسيراً جريحاً بعد أن فقد خيرة رجاله وجنوده وقادة جيشه.
وفقد ألفونسو في الزِّلاقَة القسم الأعظم من جيشه، وأمر يوسف بضم رؤوس القتلى من النصارى، فعمل المسلمون منها مآذن يؤذنون عليها.
لقد أصبح يوم (الزِّلاقَة) عند المغاربة والأَنْدَلُسيين مثل يومي (القادسية) و(اليرموك)، وتردد صداه في الشرق والغرب، وذاع صيت القائد الظافر ابن تاشفين الذي لقب منذ ذلك بأمير المسلمين.
وكانت لمعركة الزِّلاقَة نتائج مهمة، من أهمها:
1- رفع الروح المعنوية لأهل الأَنْدَلُس، خصوصاً بعد أن أنقذ الله بها سقوط سَرْقُسْطَة من سقوط محتَّم، وأزاح عن ملوك الطوائف وأمرائها كابوس النصارى ومتطلباتهم التي لا تنتهي من الجزية وغيرها.
2- سقوط هيبة ملوك الطوائف أمام رعاياهم، خاصَّة أنهم قد هزموا في بدء المعركة، ولولا أن أكرمهم الله بالمرابطين لضاعت الأَنْدَلُس.
3- امتناع الرعية عن دفع الضرائب المخالفة لتعاليم الإسلام وتعلُّقهم بالمرابطين.
4- مهَّدت الزِّلاقَة إلى إسقاط دول الطوائف فيما بعد على يد منقذيهم.
5- ظهور نجم يوسف بن تاشفين والمرابطين في العالم أجمع.
6- انصياع قبائل المغرب التي كانت مترددة في ولائها، وتنتظر فرصة الوثوب على المرابطين، وبذلك تكون نتيجة معركة الزِّلاقَة أن جعلت تلك القبائل تخلد إلى السكينة وأعلنت ولاءها التام.
7- عمت الأفراح أرجاء العالم الإسلامي في شرقه وغربه، وأعتقت الرقاب وسُرَّ العلماء والفقهاء بهذا النبأ السعيد.
8- أصيب نصارى الأسبان بهزيمة تعيسة أثَّرت في نفوسهم، وتحطمت آمالهم في الاستيلاء على أراضى المسلمين في الأَنْدَلُس وإبعادهم.
9- جعلت النصارى يُرتِّبون أمورهم ويوحِّدون صفوفهم، ويتنازلون عن صراعاتهم الدَّاخلِيَّة.
بعد أن رتب الأمير يوسف أموره بعد معركة الزِّلاقَة عاد إلى إشبيلية، ودعا رؤساء الأَنْدَلُس إلى اجتماع عام، وطلب منهم الاتفاق والاتحاد ضد عدوهم المشترك الذي نخر فيهم بسبب اختلافهم؛ فأجابه الجميع بقبول وصيته وتحقيق رغبته، وترك ثلاثة آلاف جندي مرابطي للدفاع عن ثغور الأَنْدَلُس بقيادة سير بن أبى بكر.
ثم رجع إلى المغرب، وعدد المؤرخون أسباب رجوع يوسف إلى المغرب، وهو لم يجنِ ثمرة الانتصار بعد، إلى أسباب منها:
وفاة ابنه الأمير أبى بكر الذي استخلفه على سبتة وكان مريضاً، واضطراب الحدود الشرقية بسبب تحالف بني حَمَّاد مع عرب بني هلال، وحاولوا غزو المناطق الحدودية التابعة للدولة المرابطية، كذلك أراد أن يتفقد الولاة والحُكَّام الذين تركهم في المُدُن والقرى، وينظر في أمور الرعية.
وأراد أن يخرج من إلحاح مسلمي الأَنْدَلُس الذين طلبوا منه تعقُّب ألفونسو وجنوده، حيث إنه رأى أن قواته لا تستطيع أن تسيطر على كل الأَنْدَلُس لاتساع أراضيها.
لكنه لم يلبث أن عاد إلى الأندلس بجيش جديد ليحارب النصارى إلى جانب قوات الأندلس للمرة الثانية؛ وذلك بطلب جملة من وجوه الأندلس من أهل بلنسية ومرسية ولورقة وبسطة. وسيكون لهذه العودة حديث آخر إن شاء الله.
الخلاصة
عندما غفل المسلمون عن دينهم اليوم افتقروا إلى أمثال يوسف بن تاشفين، وجاء ديرك نيبل ليعلمهم واجبهم!!!.
فلم يكتف المسلمون بأنهم مهانون، بل جاء الآخرون يعلموهم معنى التراحم ونصرة إخواننا المنكوبين، مع أن المسلم غني بتعاليم دينه..نعم.. من أدار ظهره لدينه فلا خير فيه لإخوانه.
ــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
- (فقه التمكين عند دولة المرابطين)، د. علي محمد الصلابي.
- (صفة جزيرة الأندلس)، الحميري.
- (الأساطيل العربية الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط)، عبد العزيز بن عبد الله – مجلة (التاريخ العربي).
- (الكامل في التاريخ)، ابن الأثير.
- (صحيفة القدس العربي)، 31 يوليو 2011م.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|