عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-09-2021, 04:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإصلاح التربوي في الوطن العربي من مقومات النهوض


وقد شبه "حسن أوريد" (المفكر والمؤرخ المغربي) استيراد نماذج الإصلاح الأجنبية للتعليم باستيراد حافلة من الخارج، يقودها سائق وبجانبه ميكانيكي يعرف جيدًا قطع محرك الحافلة، لكنه ليس بالضرورة أن يعرف السياقة والوجهة التي تقصدها الحافلة، بينما يجب على السائق أن يتقن السياقة ويعرف الوجهة التي يريد بلوغها.

كما شبه جبران خليل جبران هذا النموذج الاستيرادي بتصوير بليغ بقوله: "قلد الغرب الشرق بحيث مضغ وحول الصالح مما اقتبسه إلى كيانه، أما الشرق فإنه اليوم يقلد الغرب فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون أن يحوله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي، فيبدو أشبه بشيخ هرم فقد أضراسه، أو بطفل لا أضراس له"، وهذا طبعًا ما أثر على منهاجها التربوي الذي اقتبس كل النظريات التربوية والمناهج الدراسية حذو القذة بالقذة، دون أن يطورها ويتجاوزه، بل يقف في منتصف الطريق...


5- الاهتمام بالبحوث والدراسات الميدانية - التربوية: تتنوع البحوث التي يمكن الاستعانة بها للمساهمة في تطوير المنظومة التربوية، ولعل من أبرزها:
بحوث التشخيص (Recherches - Diagonistic): وهي البحوث التي تنجز خاصة لتشخيص وضع معين، ولتحديد الحاجات أو المشاكل أو المتغيرات التي يجب الانطلاق منها في بناء برامج تكوين مستمر تستجيب لها، إما بتدعيمها أو تفاديها.

بحوث التدخل (Recherches - Action): التي يقع الاعتماد عليها في إطار التدخل أثناء القيام بإنجاز برامج تكوينية معينة، وذلك من أجل التعرف على مختلف المشكلات التي تواجه هذه البرامج عمليًّا وعلى أرض الواقع التطبيقي، وما تقدمه من إنجاز، وما تحققه من مردودية، وذلك بهدف تطوير ما هو مفيد وإيجابي فيها، وتفادي ما هو سلبي وغير مفيد؛ ولذلك تسمى أيضًا عند بعض الباحثين ببحوث التطوير (Recherches - Développement)؛ لأنها - في غايتها الأساسية - تستهدف تطوير وتنمية الممارسة.

وهذه البحوث، كما يستأنس بها في إطار التكوين المستمر، يستأنس بها أيضًا في إطار مختلف الممارسات التربوية والاجتماعية الأخرى، كأن يتدخل الباحث مثلًا في ممارسة التوجيه المدرسي والمهني، أو في ممارسة التخطيط التربوي، ليكشف عبر هذه الدراسات التدخلية عن مواطن الضعف ومواطن القوة، وعن الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في هذه الممارسة، بهدف تطوير هذه الجوانب الإيجابية، وتجنب الجوانب السلبية.


بحوث التقويم (Recherches - Evaluation): وهي التي ترمي إلى القيام بتقويم تتبعي تكويني، أو جزئي خاص، أو إجمالي عام، أو مؤسساتي أعم وأشمل، وذلك توخيًا لقياس مدى المردودية أو النجاعة المطلوبة في برنامج أو مخطط أو نظام تكويني ما محدد في الزمان والمكان، ومرتبط بأهداف تنموية واجتماعية معينة[12].


6- الاهتمام بالكفاءات التربوية والعلمية المحلية: إذ يتم الاعتماد على الخبرة الأجنبية في إيجاد بعض الحلول التي غالبًا ما لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية والجهوية والوطنية، لا من حيث الإمكانيات المادية والمالية المتوفرة، ولا من حيث المتغيرات السوسيو - الثقافية والسوسيو اقتصادية للمجتمع، مما يجعل الحلول المقترحة حبرًا على ورق، لا تجد طريقها نحو التنفيذ والتقويم، شأنها في ذلك شأن المقاربات البيداغوجية المعتمدة، التي في ظاهرها شيء من التربية الحديثة، وفي باطنها عمليًّا كثير من التربية التقليدية المعتمدة على الحشو والتلقين في غياب التجهيزات التربوية والمعدات الديداكتيكية [13]...

من جهة أخرى، رغم أن المغرب، يزخر بكفاءات علمية وتربوية مهمة، يتم غالبًا الاستنجاد بخبراء أجانب، كما هو الشأن بالنسبة للخبير التربوي البلجيكي "كزافيي روجيرس" الذي حاول تعميم التدريس ببيداغوجيا الإدماج بالمغرب، لكن التجربة باءت بالفشل.

7- الرفع من الدعم: حيث خلصت منظمة اليونسكو إلى أن هناك تباينًا بين الدول العربية على مستوى الإمكانيات المادية، مثلًا هناك فرق بين الدول البترولية التي تخصص ميزانية مهمة، والدول العربية الأخرى التي تتميز بمحدودية الدعم، لكن ما يعاب على الدول البترولية أنها لا تهتم ببناء نظام تعليمي - تربوي خاص بها، بل تركز على بناء فروع لمؤسسات تعليمية غربية، كما يسمى في عالم الاقتصاد بالمناولة (Sous - traitance).

وإذا كانت مثلًا دولة الكيان الصهيوني تنفق على البحث العلمي 4.7% من الناتج الوطني الإجمالي؛ أي: ما يعادل مجموع ما تنفقه الدول العربية (المغرب مثلًا ينفق 0.7% من الناتج الداخلي الخام)؛ فليس غريبًا أن نرى المؤسسات التعليمية والنظم التعليمية الصهيونية في المراكز الأولى، عكس العربية التي تتذيل القائمة!

وخلاصة القول: هذا غيض من فيض! فإصلاح التعليم لم يعد إصلاحًا آنيًّا ولحظيًّا، بل إصلاح يتسم بالسيرورة والدينامية والتطور، تماشيًا مع التغير الذي يلحق المجتمع ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا... بالموازاة مع ذلك ينبغي المساهمة في رقي كل المكونات الداعمة للمنظومة التعليمية (الأسرة، الإعلام، الاقتصاد...).

كما أن إصلاح التعليم هو الأساس، وقطب الرحى، ومركز الثقل الذي يمكن المراهنة عليه في تحقيق إصلاحات أخرى شاملة: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقيمية، بغية الوصول بالبلدان العربية والإسلامية إلى مصاف البلدان المتقدمة، أو البلدان الصناعية الجديدة.


[1] هانز فايلر: تخطيط الإصلاح التربوي وإدارته، التربية الجديدة، العدد الثاني عشر، آب أغسطس 1977، السنة الرابعة، ص 43.

[2] محمد فاوبار، نظام التعليم بالمغرب ورهانات الإصلاح، مجلة المدرسة المغربية، يصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالرباط، العدد 1، ماي 2009، ص88.

[3] Louis Legrand , Pour une politique démocratique de l’éducation, Paris, PUF , 1977, p 226

[4] محمد لبيب النجيحي، دور التربية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ط2، دار النهضة بيروت، 1981، ص57.

[5] إبراهيم بن عبدالعزيز الدعيلج، التربية، الطبعة الأولى، دار القاهرة، القاهرة، 2007، ص34.

[6]الزبير مهداد، أزمة تعليم أو أزمة المجتمع؟، مجلة علوم التربية، العدد 43، إبريل 2010، ص59.

[7] أحمد الكناوي، إصلاح التعليم بالمغرب.. إلى أين؟ جريدة الأخبار، العدد 675، بتاريخ 26 يناير 2015، ص 7.

[8] عبدالرحمن بنويس، المعلم ودوره في تحويل الأهداف التربوية إلى سلوك عملي، جريدة المحجة، العدد: 440، بتاريخ: 04 يونيو 2015، ص 10.

[9] محمد قمبر، بانوراما الأصول العامة للتربية، دار الثقافة، الدوحة، 2001، ص251 - 252.

[10] انظر المذكرة الوزارية بتاريخ 17 أكتوبر 2014، بشأن القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام، التي شجعت المتعلمين على تطاولهم السافر على المدرسين؛ إذ سمعنا في قصاصات الأخبار عن ضرب المدرس داخل الفصل الدراسي، بل استعمال آلة حادة... دون أن تتخذ في حقه أي إجراء قانوني، مما يشجع الآخرين على ارتكاب مثل هذه السلوكات المشينة!

[11] عمر الشيباني محمد، الفكر التربوي بين النظرية والتطبيق، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، الجماهيرية الليبية، 1985، ص145، 146.

[12] رهانات التكوين المستمر بين التجديد والتطوير وتنمية الموارد البشرية، حوار مع الباحث السوسيولوجي: مصطفى محسن، مجلة عالم التربية، العدد 19، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، السنة 2010، ص80، 81.

[13] أحمد الكناوي، مرجع سابق، ص7.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.76%)]