ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست مثله دون البصر. ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحق أن كلّا من الحواس ضروري في موضعه، ومن فقد حسا فقد علما، وتفضيل البعض على البعض تطويل من غير طائل (2)
(1) وقيل في توجيه الافراد أن المراد سمع كل واحد وهذا وإن كان حقه الإفراد إلا أن حمل الجمع على كل فرد فرد جائز لا واجب كما قيل في قوله تعالى: نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا على وجه اهـ منه.
(2) ويحكى عن أبي يوسف عليه الرحمة أنه سئل عن- اللوزينج والفيلوذج- أيهما أحسن؟ فقال: لا أحكم من دون حضور الخصمين فأتي بهما وأكل منهما ثم قال: كلما أردت أن أحكم لأحدهما على الآخر أتى الآخر بشاهدين عدلين فيمنعني من الحكم اهـ منه.
قال في المحرر الوجيز :
(وَإِنَّمَا أَفْرَدَ السَّمْعَ وَلَمْ يَجْمَعْ كَمَا جمع (قُلُوبهم) و (أَبْصَارهم) إِمَّا لِأَنَّهُ أُرِيدَ مِنْهُ الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَى الْجِنْسِ، إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْآذَانِ سَمْعٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ لَمَّا ذَكَرَ الْآذَانَ فِي قَوْلِهِ: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [الْبَقَرَة: 19] وَقَوْلِهِ: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت: 5] فَلَمَّا عَبَّرَ بِالسَّمْعِ أَفْرَدَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِخِلَافِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ مُتَعَدِّدَةٌ وَالْأَبْصَارُ جَمْعُ بَصَرٍ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لَا مَصْدَرٌ، وَإِمَّا لِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أَيْ وَعَلَى حَوَاسِّ سَمْعِهِمْ أَوْ جَوَارِحِ سَمْعِهِمْ. وَقَدْ تَكُونُ فِي إِفْرَادِ السَّمْعِ لَطِيفَةٌ رُوعِيَتْ مِنْ جُمْلَةِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ هِيَ أَنَّ الْقُلُوبَ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً وَاشْتِغَالُهَا بِالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ وُضُوحِ الْأَدِلَّةِ، وَبِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَتَتَلَقَّى أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الْآيَاتِ فَلِكُلِّ عَقْلٍ حَظُّهُ مِنَ الْإِدْرَاكِ، وَكَانَتِ الْأَبْصَارُ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةَ التَّعَلُّقِ بِالْمَرْئِيَّا تِ الَّتِي فِيهَا دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّ ةِ فِي الْآفَاقِ، وَفِي الْأَنْفُسِ الَّتِي فِيهَا دَلَالَةٌ، فَلِكُلِّ بَصَرٍ حَظُّهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ مَا تَتَعَلَّقَانِ بِهِ جُمِعَتْ. وَأَمَّا الْأَسْمَاعُ فَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَالْجَمَاعَاتُ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَمِعُوهُ سَمَاعًا مُتَسَاوِيًا وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي تَدَبُّرِهِ وَالتَّدَبُّرُ مِنْ عَمَلِ الْعُقُولِ فَلَمَّا اتَّحَدَ تَعَلُّقُهَا بِالْمَسْمُوعَا تِ جُعِلَتْ سَمْعًا وَاحِدًا.) (1/256)
- بيان السر في تقديم الختم على القلوب والأسماع وعكسه في الجاثية
قال الألوسي رحمه الله :
} وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير لعدم الإيمان فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان والسمع- والأبصار طرق وآلات له- وهذا بخلاف قوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: 23] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة أَفَلا تَذَكَّرُونَ [يونس: 3، هود: 24، 30، النحل: 87، المؤمنون: 85، الصافات: 155، الجاثية: 23] فكان المناسب هناك تقديم السمع.} روح المعاني (1/135)
-فائدة تكرار حرف الجر في قوله( وعلى أبصارهم)
قال الألوسي رحمه الله :
وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدل على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى في المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروران، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرا مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال.} روح المعاني (1/135)
-سر تقديم السمع على البصر
( وَفِي تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ فِي مَوَاقِعِهِ مِنَ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ فَائِدَةً لِصَاحِبِهِ مِنَ الْبَصَرِ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ مُؤْذِنٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْمُقَدَّمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّمْعَ آلَةٌ لِتَلَقِّي الْمَعَارِفِ الَّتِي بِهَا كَمَالُ الْعَقْلِ، وَهُوَ وَسِيلَةُ بُلُوغِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى أَفْهَامِ الْأُمَمِ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ مِنْ بُلُوغِهَا بِوَاسِطَةِ الْبَصَرِ لَوْ فَقَدَ السَّمْعَ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ تَرِدُ إِلَيْهِ الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِدُونِ تَوَجُّهٍ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَجُّهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى الْجِهَاتِ غَيْرِ الْمُقَابِلَةِ.) التحرير والتنوير ص 255
المسائل النحوية :
- {قَوْله {سَوَاء عَلَيْهِم} ابْتِدَاء وَمَا بعده من ذكر الْإِنْذَار خَبره وَالْجُمْلَة خبر إِن وَالَّذين اسْم إِن وصلته كفرُوا وَألف أأنذرتهم ألف تَسْوِيَة لِأَنَّهَا أوجبت أَن الْإِنْذَار لمن سبق لَهُ فِي علم الله الشَّقَاء وَتَركه سَوَاء عَلَيْهِم لَا يُؤمنُونَ أبدا ولفظها لفظ الِاسْتِفْهَام وَلذَلِك أَتَت بعْدهَا أم وَيجوز أَن يكون سَوَاء خبر أَن وَمَا بعده مَوضِع رفع بِفِعْلِهِ وَهُوَ سَوَاء وَيجوز أَن يكون خبر إِن لَا يُؤمنُونَ }مشكل إعراب القرآن
المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/76
-قَوْله {وَمَا هم بمؤمنين} هم اسْم مَا ومؤمنين الْخَبَر وَالْبَاء زَائِدَة دخلت عِنْد الْبَصرِيين لتأكيد النَّفْي وَهِي عِنْد الْكُوفِيّين دخلت جَوَابا لمن قَالَ إِن زيدا لمنطلق فَمَا بازاء أَن وَالْبَاء بازاء اللَّام إِذْ اللَّام لتأكيد الْإِيجَاب وَالْبَاء لتأكيد النَّفْي (مشكل إعراب القرآن
المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/77
-( ويحتمل عندي أن تكون اسماً وضع موضع مصدر من معنى ختم، لأن معنى ختم غشي وستر، كأنه قيل تغشية على سبيل التأكيد، وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة. وقال أبو علي: وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن يحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم فيجيء الكلام من باب:
متقلداً سيفاً ورمحاً
وقول الآخر:
علفتها تبناً وماء باردا
ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. انتهى كلام أبي علي، رحمه الله تعالى.)الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط «هو إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
المسائل الصرفية :
-غشاوة : وتصحح الواو لأن الكلمة بنيت على تاء التأنيث، كما صححوا اشتقاقه الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط « إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
المسائل التفسيرية في قول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7{
- تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} وفيه مسائل:
-الأولى : معنى الكفر
وأمّا معنى الكفر في قوله: {إنّ الّذين كفروا} فإنّه الجحود؛ وذلك أنّ الأحبار من يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وستروه عن النّاس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
وأصل الكفر عند العرب تغطية الشّيء ولذلك سمّوا اللّيل كافرًا لتغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشّاعر:
فتذكّرا ثقلاً رثيدًا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر
وقال لبيد بن ربيعة:
في ليلةٍ كفر النّجوم غمامها
يعني غطّاها.
فكذلك الأحبار من اليهود غطّوا أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وكتموه النّاس مع علمهم بنبوّته ووجودهم صفته في كتبهم. فقال اللّه جلّ ثناؤه فيهم: {إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون} وهم الّذين أنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}). [جامع البيان: 1/ 258 -262]
- الثانية :مالمقصود بالذين كفروا في الآية ؟
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا}
اختلف أهل التّأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؛ فكان ابن عبّاسٍ يقول، كما حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك من ربّك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما قد جاءنا من قبلك ».
فكان ابن عبّاسٍ يرى أنّ هذه الآية نزلت في اليهود الّذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توبيخًا لهم في جحودهم نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكذيبهم به، مع علمهم به ومعرفتهم بأنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم وإلى النّاس كافّةً.
- وقد حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ صدر، سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجالٍ سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخروج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.
وقد روي عن ابن عبّاسٍ في تأويل ذلك قولٌ آخر.
- وهو ما حدّثنا به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنى معاويه بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على أن يؤمن جميع النّاس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره اللّه جلّ ثناؤه أنّه لا يؤمن إلاّ من سبق من اللّه السّعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلاّ من سبق له من اللّه الشّقاء في الذّكر الأوّل».
- وقال آخرون بما حدّثت به، عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال:«آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} قال: وهم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار} قال: فهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ».
وأولى هذه التّأويلات بالآية تأويل ابن عبّاسٍ الّذي ذكره محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ عنه؛ وإن كان لكلّ قولٍ ممّا قاله الّذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهبٌ.
فأمّا مذهب من تأوّل في ذلك ما قاله الرّبيع بن أنسٍ، فهو أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا أخبر عن قومٍ من أهل الكفر بأنّهم لا يؤمنون، وأنّ الإنذار غير نافعهم، ثمّ كان من الكفّار من قد نفعه اللّه بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه لإيمانه باللّه وبالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من عند اللّه بعد نزول هذه السّورة؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلاّ في خاصٍّ من الكفّار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأحزاب لا شكّ أنّهم ممّن لم ينفعه اللّه عزّ وجلّ بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه حتّى قتلهم اللّه تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ، علم أنّهم ممّن عنى اللّه جلّ ثناؤه بهذه الآية. - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود
وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه.}
يقول الطاهر بن عاشور: {وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ (الَّذِينَ كَفَرُوا) الْمَذْكُورِينَ هُنَا هُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ مَأْيُوسٌ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَالْإِتْيَانُ فِي ذِكْرِهِمْ بِالتَّعْرِيفِ بِالْمَوْصُولِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ مُرَادًا مِنْهُ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَزُعَمَاءِ الْعِنَادِ دُونَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فِي أَيَّامِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ مَنْ آمَنَ بَعْدُ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِغْرَاق ِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكُفْرِ أَبْلَغُ أَنْوَاعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا بِالْحِسِّ لِمُشَاهَدَةِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ يَكُونُ عَامًّا مُرَادًا بِهِ الْخُصُوصُ بِالْقَرِينَةِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُمَا نَاظِرَانِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى مَعْنَى الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشَّقَاءِ وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يُونُس: 96] وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَنْظِيرِهِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ حَمَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي رَافِعٍ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ سِوَى الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِي نَ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْرَاضٌ عَنِ السِّيَاقِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ذِكْرُ مَنْ حُرِمَ مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ حَصَلَ لَهُمُ الِاهْتِدَاءُ بِهِ، وأيّا مَا مَا كَانَ فَالْمَعْنَى عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ فَرِيقًا خَاصًّا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ بِالْقُرْآنِ كَانَ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِم ْ لَا لِنَقْصٍ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْخَيْرِ وَهَدْيِهِ إِلَيْهِ. وَالْكُفْرُ بِالضَّمِّ: إِخْفَاءُ النِّعْمَةِ، وَبِالْفَتْحِ: السَّتْرُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ كَفَرَ إِذَا سَتَرَ.
وَلَمَّا كَانَ إِنْكَارُ الْخَالِقِ أَوْ إِنْكَارُ كَمَالِهِ أَوْ إِنْكَارُ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ ضَرْبًا مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَتِهِ عَلَىجَاحِدِهَا ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُفْرِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ إِنْكَارُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ وَتَنَاقَلَتْهُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ الصَّحِيحَةِ الْمَاضِيَةِ حَتَّى عَلِمَهُ الْبَشَرُ وَتَوَجَّهَتْ عُقُولُهُمْ إِلَى الْبَحْثِ عَنْهُ وَنُصِبَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ كَوَحْدَانِيَّة ِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُودِهِ وَلِذَلِكَ عُدَّ أَهْلُ الشِّرْكِ فِيمَا بَيْنَ الْفَتْرَةِ كُفَّارًا. وَإِنْكَارُ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ وَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ وَعَدُّهُ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْمُكَابَرَةِ فِي الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ وَلَوْ مَعَ اعْتِقَادِ صِدْقِهِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْإِنْكَارِ دُونَ التَّكْذِيبِ. وَيَلْحَقُ بِالْكُفْرِ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ
فعل لَا يجترىء عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِ فَاعِلِهِ بِالْإِيمَانِ وَعَلَى إِضْمَارِهِ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَتَوَسُّلِهِ بِذَلِكَ إِلَى نَقْضِ أُصُولِهِ وَإِهَانَتِهِ بِوَجْهٍ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الظَّاهِرَ وَفِي هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ مَجَالٌ لِاجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ وَفَتَاوَى أَسَاطِينِ الْعُلَمَاءِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا بِحَسَبِ مَبْلَغِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى طَعْنٍ أَوْ شَكٍّ. وَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَعْمَالَ أَوْ بَعْضَهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْإِيمَانِ اعْتَبَرَ فَقْدَهَا أَوْ فَقْدَ بَعْضِهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْكُفْرِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِي ُّ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ فَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى، الثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَنَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي «الْفَائِقِ» عَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْقُرَافِيُّ فِي الْفِرَقِ 241 أَصْلُ الْكُفْرِ هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَكُونُ بِالْجَهْلِ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَوْ بِالْجُرْأَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَجَالُ الصَّعْبُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ. }التحرير والتنوير ج1ص294
يتبع