عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 31-08-2021, 02:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,136
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة

بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
أنس بن محمد بوابرين


- الرابعة : المراد بالإستفهام في قوله (أأنذرتهم)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :
وأمّا قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبرٌ؛ لأنّه وقع موقع أيّ، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ لوقوع ذلك موقع أيّ، وذلك أنّ معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواءٍ: أفعلت أم لم تفعل.
وقد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع سواءٍ وليس باستفهامٍ، لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ مستثبتٌ صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلمّا كان قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بمعنى التّسوية، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التّسوية، وقد بيّنّا الصّواب في ذلك.
فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمّد على هؤلاء الّذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للنّاس بأنّك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبيّنوه للنّاس ويخبروهم أنّهم يجدون صفتك في كتبهم؛ {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} فإنّهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحقّ ولا يصدّقون بك وبما جئتهم به.
- كما حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكرٍ وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك). [جامع البيان: 1/ 263 -265]
-تفسير قوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ) وفيه مسائل :
-الأولى : الختم على القلوب والأسماع وكيفية الختم عليها
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ}
قال أبو جعفرٍ: وأصل الختم: الطّبع، والخاتم: هو الطّابع يقال منه: ختمت الكتاب، إذا طبعته.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يختم على القلوب، وإنّما الختم طبعٌ على الأوعية والظّروف والغلف.
قيل: فإنّ قلوب العباد أوعيةٌ لما أودعت من العلًوم وظروفٌ لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع الّتي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظّروف.
فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الّذي يعرف لمّا ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
قيل: قد اختلف أهل التّأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.
- فحدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذا، يعني الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى هكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها»، قال: «ثمّ يطبع عليه بطابعٍ»، قال مجاهدٌ: «وكانوا يرون أنّ ذلك الرّين».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: «القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتّى يقبض أصابعه كلّها، وكان أصحابنا يرون أنّه الرّان».
- حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ: الختم ختمٌ على القلب والسّمع.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عبد اللّه بن كثيرٍ، أنّه سمع مجاهدًا، يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ ذلك كلّه».
وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن تكبّرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
والحقّ في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- وهو ما حدّثنا به، محمّد بن يسارٍ، قال: حدّثنا صفوان بن عيسى، قال: حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتّى يغلّق قلبه؛ فذلك الرّان الّذي قال اللّه جلّ ثناؤه: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}».
فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه عزّ وجلّ والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر منها مخلّصٌ، فذلك هو الطّبع والختم الّذي ذكره اللّه تبارك وتعالى في قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلاّ بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصلّ الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم، إلاّ بعد فضّه خاتمه وحلّه رباطه عنها.
ويقال لقائلي القول الثّاني الزّاعمين أنّ معنى قوله جلّ ثناؤه: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الّذي دعوا إليه من الإقرار بالحقّ تكبّرًا: أخبرونا عن استكبار الّذين وصفهم اللّه جلّ ثناؤه بهذه الصّفة وإعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللّواحق به، أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من اللّه تعالى ذكره بهم؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم وذلك قولهم، قيل لهم: فإنّ اللّه تبارك وتعالى قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وسمعهم، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبّره عن الإقرار به، وهو فعله عندكم ختمًا من اللّه على قلبه وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه فعل اللّه عزّ وجلّ دون فعل الكافر؟ فإن زعموا أنّ ذلك جازٌ أن يكون كذلك، لأنّ تكبّره وإعراضه كانا عن ختم اللّه على قلبه وسمعه، فلمّا كان الختم سببًا لذلك جاز أن يسمّى مسبّبه به؛ تركوا قولهم، وأوجبوا أنّ الختم من اللّه على قلوب الكفّار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبّره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به، وذلك دخولٌ فيما أنكروه.
وهذه الآية من أوضح الدلّيل على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّه ختم على قلوب صنفٍ من كفّار عباده وأسماعهم، ثمّ لم يسقط التّكليف عنهم ولم يضع عن أحدٍ منهم فرائضه ولم يعذره في شيءٍ ممّا كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطّبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أنّ لجميعهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك أنّهم لا يؤمنون). [جامع البيان: 1/ 265 -268]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}
قال أبو جعفرٍ: وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} خبر مبتدأٍ بعد تمام الخبر عمّا ختم اللّه جلّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الّذين مضت قصصهم، وذلك أنّ {غشاوةٌ} مرفوعةٌ بقوله:{وعلى أبصارهم} فذلك دليلٌ على أنّه خبر مبتدأٍ، وأنّ قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} قد تناهى عند قوله: {وعلى سمعهم} وذلك هو القراءة الصّحيحة عندنا لمعنيين.
أحدهما: اتّفاق الحجّة من القرّاء والعلماء على الشّهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عمّا هم على تخطئته مجمعون؛ وكفى بإجماع الحجّة على تخطئة قراءة شاهدًا على خطئها.
والثّاني: أنّ الختم غير موصوفةٍ به العيون في شيءٍ من كتاب اللّه، ولا في خبرٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا موجودٌ في لغة أحدٍ من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورةٍ أخرى: {وختم على سمعه وقلبه} ثمّ قال: {وجعل على بصره غشاوةً} فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحدٍ من النّاس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلّتين اللّتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرجٌ معروفٌ في العربيّة.
وبما قلنا في ذلك من القول والتّأويل، روي الخبر عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».[جامع البيان: 1/ 269 - 273]
- الثانية : في معنى الغشاوة
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ختم اللّه} مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا.
وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما.
وقال آخرون ممن حمله على المجاز: «الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه».
وقرأ الجمهور: وعلى سمعهم.
وقرأ ابن أبي عبلة: «وعلى أسماعهم»، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة:

هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ....... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما

وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]:

تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ....... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره.
وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه «غشاوة» بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله وعلى سمعهم.
وقرأ الباقون «غشاوة» بالرفع.
قال أبو علي: «وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به» وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب:

... ... ... ... ....... «متقلدا سيفا ورمحا»

وقول الآخر:

... ... ... ... ....... علفتها تبنا وماء باردا

ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة».
قال: «ولم أسمع من الغشاوة فعلا مصرفا بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة».
وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله على قلوبهم.
وقال آخرون: «الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول.
وقرأ أبو حيوة «غشوة»، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش.
وقال الثوري: «كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «غشية» بفتح الغين والياء والرفع».
وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك.
وقوله تعالى: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}: معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، وعظيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد). [المحرر الوجيز: 1/ 112 -115]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
قال السّدّيّ: {ختم اللّه} أي: طبع اللّه، وقال قتادة في هذه الآية: «استحوذ عليهم الشّيطان إذ أطاعوه؛ فختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ، فهم لا يبصرون هدًى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون».
وقال ابن جريج: قال مجاهدٌ: {ختم اللّه على قلوبهم} قال: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من كلّ نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ:«الختم على القلب والسّمع».
قال ابن جريج: وحدّثني عبد اللّه بن كثير، أنّه سمع مجاهدًا يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدّ من ذلك كلّه».
وقال الأعمش: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذه -يعني: الكفّ-فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه»، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، «فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى،« فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى وهكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها، ثمّ قال:«يطبع عليه بطابعٍ».
وقال مجاهدٌ: «كانوا يرون أنّ ذلك: الرّين».
ورواه ابن جريرٍ: عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، بنحوه.
قال ابن جريرٍ: وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه عن تكبّرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
قال: وهذا لا يصحّ؛ لأنّ اللّه قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
(قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]

-الثالثة : في بيان هل الختم والغشاوة على الحقيقة أو المجاز

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({
قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.10%)]