
28-08-2021, 06:32 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,875
الدولة :
|
|
رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله

كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الأول -كتاب الصلاة
الحلقة (45)
صــــــــــ 291 الى صـــــــــــ300
(قال الشافعي) :
وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنافقين دلالة على أمور منها، لا يقتل من أظهر التوبة من كفر بعد إيمان، ومنها أنه حقن دماءهم وقد رجعوا إلى غير يهودية، ولا نصرانية، ولا مجوسية، ولا دين يظهرونه إنما أظهروا الإسلام، وأسروا الكفر فأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر على أحكام المسلمين فناكحوا المسلمين ووارثوهم وأسهم لمن شهد الحرب منهم، وتركوا في مساجد المسلمين
(قال الشافعي) :
ولا رجع عن الإيمان أبدا أشد ولا أبين كفرا ممن أخبر الله عز وجل عن كفره بعد إيمانه فإن قال قائل أخبر الله عز وجل عن أسرارهم، ولعله لم يعلمه الآدميون فمنهم من شهد عليه بالكفر بعد الإيمان، ومنهم من أقر بعد الشهادة، ومنهم من أقر بغير شهادة، ومنهم من أنكر بعد الشهادة، وأخبر الله عز وجل عنهم بقول ظاهر فقال عز وجل {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] فكلهم إذا قال ما قال، وثبت على قوله أو جحد أو أقر،
وأظهر الإسلام ترك بإظهار الإسلام فلم يقتل فإن قال قائل: فإن الله عز وجل قال {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84] إلى قوله {فاسقون} [التوبة: 84] فإن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخالفة صلاة المسلمين سواه لأنا نرجو أن لا يصلي على أحد إلا صلى الله عليه ورحمه، وقد قضى الله {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} [النساء: 145] ، وقال جل ثناؤه {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] فإن قال قائل: ما دل على الفرق بين صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نهي عنهم، وصلاة المسلمين غيره، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى عن الصلاة عليهم بنهي الله له ولم ينه الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عنها، ولا عن مواريثهم فإن قال قائل فإن ترك قتلهم جعل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة فذلك يدخل عليه فيما سواه من الأحكام فيقال فيمن ترك - عليه السلام - قتله أو قتله جعل هذا له خاصة وليس هذا لأحد إلا بأن تأتي دلالة على أن أمرا جعل خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فما صنع عام، على الناس الاقتداء به في مثله إلا ما بين هو أنه خاص أو كانت عليه دلالة بخبر
(قال الشافعي) :
وقد عاشروا أبا بكر وعمر وعثمان أئمة الهدى، وهم يعرفون بعضهم فلم يقتلوا منهم أحدا، ولم يمنعوه حكم الإسلام في الظاهر إذ كانوا يظهرون الإسلام، وكان عمر يمر بحذيفة بن اليمان إذا مات ميت فإن أشار عليه أن اجلس جلس، واستدل على أنه منافق ولم يمنع من الصلاة عليه مسلما، وإنما يجلس عمر عن الصلاة عليه لأن الجلوس عن الصلاة عليه مباح له في غير المنافق إذا كان لهم من يصلي عليهم سواه، وقد يرتد الرجل إلى النصرانية ثم يظهر التوبة منها وقد يمكن فيه أن يكون مقيما عليه لأنه قد يجوز له ذلك عنده بغير مجامعة النصارى ولا غشيان الكنائس، فليس في ردته إلى دين لا يظهره إذا أظهر التوبة شيء يمكن بأن يقول قائل لا أجد دلالة على توبته بغير قوله إلا، وهو يدخل في النصرانية، وكل دين يظهره ويمكن فيه قبل أن يظهر ردته أن يكون مشتملا على الردة فإن قال قائل لم أكلف هذا إنما كلفت ما ظهر، والله ولي ما غاب فأقبل القول بالإيمان إذا قاله ظاهرا وأنسبه إليه، وأعمل به إذا عمل فهذا واحد في كل أحد سواء لا يختلف، ولا يجوز أن يفرق بينه إلا بحجة إلا أن يفرق الله ورسوله بينه، ولم نعلم لله حكما، ولا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يفرق بينه، وأحكام الله ورسوله تدل على أن ليس لأحد أن يحكم على أحد إلا بظاهر، والظاهر ما أقر به أو ما قامت به بينة تثبت عليه، فالحجة فيما وصفنا من المنافقين وفي «الرجل الذي استفتى فيه المقداد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قطع يده على الشرك، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فهلا كشفت عن قلبه؟» يعني أنه لم يكن لك إلا ظاهره، وفي «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين إن جاءت به أحمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها، وإن جاءت به أديعج جعدا فلا أراه إلا قد صدق فجاءت به على النعت المكروه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمره لبين لولا ما حكم الله» وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ به فإني إنما أقطع له قطعة من النار»
(قال الشافعي) :
ففي كل هذا دلالة بينة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يقض إلا بالظاهر فالحكام بعده أولى أن لا يقضوا إلا على الظاهر، ولا يعلم السرائر إلا الله عز وجل والظنون محرم على الناس، ومن حكم بالظن لم يكن ذلك له والله تعالى أعلم
(قال الشافعي) :
وإذا ارتد الرجل أو المرأة عن الإسلام فهرب، ولحق بدار الحرب أو غيرها، وله نساء وأمهات أولاد، ومكاتبون ومدبرون، ومماليك، وأموال ماشية، وأرضون وديون له عليه أمر القاضي نساءه أن يعتددن، وأنفق عليهن من ماله، وإن جاء تائبا، وهن في عدتهن فهو على النكاح، وإن لم يأت تائبا حتى تمضي عدتهن فقد انفسخن منه، وينكحن من شئن، ووقف أمهات الأولاد فمتى جاء تائبا فهن في ملكه، وينفق عليهن من ماله فإن مات أو قتل عتقن، وكان مكاتبوه على كتابتهم تؤخذ نجومهم فإن عجزوا رجعوا رقيقا، ونظر فيمن بقي من رقيقه فإن كان حبسهم أزيد في ماله حبسهم أو من كان منهم يزيد في ماله بخراج أو بصناعة أو كفاية لضيعة، وإن كان حبسهم ينقص من ماله أو حبس بعضهم باع من كان حبسه منهم ناقصا لماله وهكذا يصنع في ماشيته، وأرضه، ودوره، ورقيقه ويقتضي دينه، ويقضي عنه ما حل من دين عليه فإن رجع تائبا سلم إليه ما وقف من ماله وإن مات أو قتل على ردته كان ما بقي من ماله فيئا.
(قال الشافعي) :
وإن جنى في ردته جناية لها أرش أخذ من ماله، وإن جني عليه فالجناية هدر لأن دمه مباح فما دون دمه أولى أن يباح من دمه.
(قال) :
وإن أعتق في ردته أحدا من رقيقه فالعتق موقوف ويستغل العبد، ويوقف عليه فإن مات فهو رقيق، وغلته مع عنقه فيء، وإن رجع تائبا فهو حر، وله ما غل بعد العتق
(قال) :
وإن أقر في ردته بشيء من ماله فهو كما وصفت في العتق، وكذلك لو تصدق
(قال) :
وإن، وهب فلا تجوز الهبة لأنها لا تجوز إلا مقبوضة
(قال الشافعي) :
فإن قال قائل: ما الفرق بينه وبين المحجور عليه في ماله يعتق فيبطل عتقه ويتصدق فتبطل صدقته، ولا يلزمه ذلك إذا خرج من الولاية؟ الفرق بينهما أن الله تبارك وتعالى يقول {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] فكان قضاء الله عز وجل أن تحبس عنهم أموالهم حتى يبلغوا ويؤنس منهم رشد فكانت في ذلك دلالة على أن لا أمر لهم، وأنها محبوسة برحمة الله لصلاحهم في حياتهم، ولم يسلطوا على إتلافها فيما لا يلزمهم ولا يصلح معايشهم فبطل ما أتلفوا في هذا الوجه لأنه لا يلزمهم عتق ولا صدقة، ولم يحبس مال المرتد بنظر ماله ولا بأنه له وإن كان مشركا، ولو كان يجوز أن يترك على شركه لجاز أمره في ماله، لأنا لا نلي على المشركين أموالهم فأجزنا عليه ما صنع فيه إن رجع إلى الإسلام، وإن لم يرجع حتى يموت أو يقتل كان لنا بموته قبل أن يرجع ما في أيدينا من ماله فيئا، فإن قيل أو ليس ماله على حاله؟
قيل: بل ماله على شرط.
[الخلاف في المرتد]
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) :
قال بعض الناس إذا ارتدت المرأة عن الإسلام حبست ولم تقتل،
فقلت لمن يقول هذا القول: أخبرا قلته أم قياسا؟
قال: بل خبرا عن ابن عباس، وكان من أحسن أهل العلم من أهل ناحيته قولا فيه قلت الذي قال هذا خطاء ومنهم من أبطله بأكثر
(قال الشافعي) :
وقلت: له قد حدث بعض محدثيكم عن أبي بكر الصديق أنه قتل نسوة ارتددن عن الإسلام فما كان لنا أن نحتج به إذ كان ضعيفا عند أهل العلم بالحديث
(قال) :
فإني أقوله قياسا على السنة
(قلت) :
فاذكره قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والولدان من أهل دار الحرب» فإذا كان النساء لا يقتلن في دار الحرب كان النساء اللاتي ثبت لهن حرمة الإسلام أولى أن لا يقتلن
(قال الشافعي) :
فقلت له أويشبه حكم دار الحرب الحكم في دار الإسلام
(قال) :
وما الفرق بينه؟ قلت أنت تفرق بينه
(قال) :
وأين؟ قلت: أرأيت الكبير الفاني،
والراهب الأجير أيقتل من هؤلاء أحد في دار الحرب قال: لا
(قلت) :
فإن ارتد رجل فترهب أو ارتد أجيرا نقتله قال: نعم
(قلت) :
ولم؟ ، وهؤلاء قد ثبت لهم حرمة الإسلام، وصاروا كفارا فلم لا تحقن دماءهم؟ (قال) : لأن قتل هؤلاء كالحد ليس لي تعطيله
(قلت) :
أرأيت ما حكمت به حكم الحد أنسقطه عن المرأة؟ أرأيت القتل والقطع، والرجم، والجلد أتجد بين المرأة والرجل من المسلمين فيه فرقا؟ قال: لا
(قلت)
فكيف لم تقتلها بالحد في الردة
(قال الشافعي) :
وقلت له أرأيت المرأة من دار الحرب أتغنم مالها، وتسبيها، وتسترقها قال نعم
(قلت) :
فتصنع هذا بالمرتدة في دار الإسلام؟ قال: لا، قال فقلت له: فكيف جاز لك أن تقيس بالشيء ما لا يشبهه في الوجهين
(قال الشافعي) :
وقال بعض الناس، وإذا ارتد الرجل عن الإسلام فقتل أو مات على ردته أو لحق بدار الحرب قسمنا ميراثه بين ورثته من المسلمين، وقضينا كل دين عليه إلى أجل وأعتقنا أمهات أولاده، ومدبريه فإن رجع إلى الإسلام لم نرد من الحكم شيئا إلا أن نجد من ماله شيئا في يدي أحد من ورثته فيردون عليه لأنه ماله، ومن أتلف من ورثته شيئا مما قضينا له به ميراثا لم يضمنه
(قال الشافعي) :
فقلت لأعلى من قال هذا القول عندهم: أصول العلم عندك أربعة أصول أوجبها وأولاها أن يؤخذ به فلا يترك كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلا أعلمك إلا قد جردت خلافهما، ثم القياس، والمعقول عندك الذي يؤخذ به بعد هذين الإجماع فقد خالفت القياس والمعقول، وقلت في هذا قولا متناقضا
(قال) :
فأوجدني ما وصفت قلت له قال الله: تبارك وتعالى {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] مع ما ذكر من آي المواريث ألا ترى أن الله عز وجل إنما ملك الأحياء بالمواريث ما كان الموتى يملكون إذا كانوا أحياء؟ قال: بلى (قلت) :
والأحياء خلاف الموتى؟ قال: نعم
(قلت) :
أفرأيت المرتد ببعض ثغورنا يلحق بمسلحة لأهل الحرب يراها فيكون قائما بقتالنا أو مترهبا أو معتزلا لا تعرف حياته فكيف حكمت عليه حكم الموتى وهو حي؟ بخبر قلته أم قياسا
(قال) :
ما قلته خبرا
(قلت) :
وكيف عبت أن حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في امرأة المفقود تربص أربع سنين ثم تعتد،
ولم يحكما في ماله فقلت:
سبحان الله يجوز أن يحكم عليه بشيء من حكم الموتى، وإن كان الأغلب أنه ميت لأنه قد يكون غير ميت، ولا يحكم عليه إلا بيقين، وحكمت أنت عليه في ساعة من نهار حكم الموتى في كل شيء برأيك ثم قلت فيه قولا متناقضا
(قال) :
فقال ألا تراني لو أخذته فقتلته
(قلت) :
وقد تأخذه فلا تقتله بأخذه مبرسما أو أخرس فلا تقتله حتى يفيق فتستتيبه قال نعم
(قال) :
وقلت له أرأيت لو كنت إذا أخذته قتلته أكان ذلك يوجب عليه حكم الموتى، وأنت لم تأخذه ولم تقتله، وقد تأخذه، ولا تقتله بأن يتوب بعدما تأخذه، وقبل تغير حاله بالخرس؟
(قال) :
فإني أقول إذا ارتد، ولحق بدار الحرب فحكمه حكم ميت
(قال) :
فقلت له أفيجوز أن يقال ميت يحيا بغير خبر؟ فإن جاز هذا لك جاز لغيرك مثله ثم كان لأهل الجهل أن يتكلموا في الحلال والحرام
(قال) :
وما ذلك لهم
(قلت) :
ولم؟
(قال) :
لأن على أهل العلم أن يقولوا من كتاب أو سنة أو أمر مجمع عليه أو أثر أو قياس أو معقول، ولا يقولون بما يعرف الناس غيره إلا أن يفرق بين ذلك كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر، ولا يجوز في القياس أن يخالف
(قلت) :
هذا سنة؟
قال: نعم
(قلت) :
فقد قلت بخلاف الكتاب، والقياس، والمعقول
(قال) :
فأين خالفت القياس؟
(قلت) :
أرأيت حين زعمت أن عليك إذا ارتد، ولحق بدار الحرب أن تحكم عليه حكم الموتى، وأنك لا ترد الحكم إذا جاء لأنك إذا حكمت به لزمك إن جاءت سنة فتركته لم تحكم عليه في ماله عشر سنين حتى جاء تائبا ثم طلب منك من كنت تحكم في ماله حكم الموتى أن تسلم ذلك إليه، وقال قد لزمك أن تعطينا هذا بعد عشر سنين؟
قال:
ولا أعطيهم ذلك، وهو أحق بماله (قلت) : له فإن قالوا إن كان هذا لزمك فلا يحل لك إلا أن تعطيناه، وإن كان لم يلزمك إلا بموته فقد أعطيتناه في حال لا يحل لك، ولا لنا ما أعطيتنا منه
(قال الشافعي) :
وقلت له أرأيت إذ زعمت أنك إذا حكمت عليه بحكم الموتى فهل يعدو الحكم فيه أن يكون نافذا لا يرد أو موقوفا عليه يرد إذا جاء
(قال) :
ما أقول بهذا التحديد
(قلت) :
أفتفرق بينه بخبر يلزم فنتبعه؟
(قال) :
لا فقلت إذا كان خلاف القياس، والمعقول، وتقول بغير خبر أيجوز؟
قال: إنما فرق أصحابكم بغير خبر
(قلت)
أفرأيت ذلك ممن فعله منهم صوابا؟ قال: ل
ا (قلت) :
أو رأيت أيضا قولك إذا كان عليه دين إلى ثلاثين سنة فلحق بدار الحرب فقضيت صاحب الدين دينه، وهو مائة ألف دينار، وأعتقت أمهات أولاده، ومدبريه، وقسمت ميراثه بين بنيه فأصاب كل واحد منهما ألف دينار فأتلف أحدهما نصيبه،
والآخر بعينه ثم جاء مسلما من يومه أو غده فقال: اردد علي ما لي فهو هذا، وهؤلاء أمهات أولادي، ومدبري بأعيانهم، وهذا صاحب ديني يقول لك: هذا ماله في يدي لم أغيره، وهذان ابناي مالي في يد أحدهما أو قد صادني الآخر فأتلف مالي
(قال) :
أقول له: قد مضى الحكم، ولا يرد غير أني أعطيك المال الذي في يد ابنك الذي لم يتلفه فقلت له فقال لك ولم تعطينيه دون مالي
(قال) :
لأنه مالك بعينه فقلت له: فمدبروه وأمهات أولاده، ودينه المؤجل ماله بعينه فأعطه إياه (قال) : لا أعطيه إياه لأن الحكم قد مضى به
(قلت) :
ومضى ما أعطيت ابنه قال نعم
(قلت) :
فحكمت حكما، واحدا فإن كان الحق إمضاءه فأمضه كله، وإن كان الحق رده فرده كله (قال) : أرد ما وجدته بعينه
(قلت) :
له فاردد إليه دينه المؤجل بعينه ومدبريه،
وأمهات أولاده قال:
أرد عين ما وجدت في يد وارثه (قلت) : له أفترى هذا جوابا؟ فما زاد على أن قال فأين السنة؟
(قال الشافعي) :
فقلت له أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يرث المسلم الكافر»
(قال الشافعي) :
أخبرنا سفيان عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله
(قلت)
أفيعدو المرتد أن يكون كافرا أو مسلما؟ قال بل كافر، وبذلك أقتله
(قلت) :
أفما تبين لك السنة أن المسلم لا يرث الكافر قال فإنا قد روينا عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه ورث مرتدا قتله وورثته من المسلمين.
(قال)
: فقلت أنا أسمعك وغيرك تزعمون أن ما روي عن علي من توريثه المرتد خطأ وأن الحفاظ لا يروونه في الحديث
(قال) :
فقد رواه ثقة، وإنما قلنا خطأ بالاستدلال، وذلك ظن
(قال) :
فقلت له: روى الثقفي، وهو ثقة عن جعفر بن محمد عن أبيه رحمهما الله تعالى عن جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد» فقلت فلم يذكر جابرا الحفاظ فهذا يدل على أنه غلط أفرأيت لو احتججنا عليك بمثل حجتك فقلنا: هذا ظن والثقفي ثقة، وأن صنع غيره أوشك قال فإذا لا تنصف
(قلت) :
وكذلك لم تنصف أنت حين أخبرتني أن الحفاظ رووا هذا الحديث عن علي - رضي الله تعالى عنه - ليس فيه توريث ماله،
وقلت: هذا غلط ثم احتججت به، فقال لو كان ثابتا، قلت فأصل ما نذهب إليه نحن وأنت وأهل العلم أن ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبت عن غيره خلافه ولو كثروا لم يكن فيه حجة؟
قال: أجل ولكني أقول: قد يحتمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يرث المسلم الكافر» الذي لم يسلم قط
(قال الشافعي) :
فقلت له: أفتقول هذا بدلالة في الحديث؟
قال: لا، ولكن عليا - رضي الله تعالى عنه - أعلم به فقلت أيروي علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث فنقول لا يدع شيئا رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد عرف معناه فيوجه على ما قلت؟
(قال) :
ما علمته رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم
- (قلت) :
أفيمكن فيه أن لا يكون سمعه؟ قال: نعم
(قال الشافعي) :
فقلت له: أفترى لك في هذا حجة؟
قال:
لا يشبه أن يكون يخفى مثل هذا عن علي - رضي الله تعالى عنه -
فقلت:
وقد وجدتك تخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى في بروع بنت واشق بمثل صداق نسائها، وكانت نكحت على غير صداق فقضى بخلافه، وقد سمعته وقال مثل قول علي ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس فقلت: لا حجة لأحد ولا في قوله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلت له: فإن قال لك قائل قد يمكن أن يكون إنما قال هذا زيد وابن عمر وابن عباس لأنهم علموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن زوج بروع فرض لها بعد عقدة النكاح فحفظ معقل أن عقدة النكاح بعد فريضة،
وعلم هؤلاء أن الفريضة قد كانت بعد الدخول:
قال. ليس في حديث معقل، وهؤلاء لم يرووه فيكونون قالوه برواية. وإنما قالوا عندنا بالرأي حتى يدعوا فيه رواية.
(قال الشافعي) :
فقلت لم لا يكون ما رويت عن علي في المرتد هكذا؟
(قال) :
وقلت له معاذ بن جبل يورث المسلم من الكافر ومعاوية وابن المسيب ومحمد بن علي وغيرهم، ويقول بعضهم: نرثهم ولا يرثونا كما تحل لنا نساؤهم، ولا تحل لهم نساؤنا، أفرأيت إن قال لك قائل: فمعاذ بن جبل من أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد يحتمل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يرث المسلم الكافر» من أهل الأوثان، لأن أكثر حكمه كان عليهم، وليس يحل نساؤهم، ولكن المسلم يرث الكافر من أهل الكتاب كما يحل له نكاح المرأة منهم، قال: ليس ذلك له والحديث يحتمل كثيرا مما حمل، وليس معاذ حجة، وإن قال قولا واحتمله الحديث لأنه لم يرو الحديث
(قلت) :
فنقول لك ومعاذ يجهل هذا، ويرويه أسامة بن زيد؟
قال: نعم. قد يجهل السنة المتقدم الصحبة ويعرفها قليل الصحبة (قال الشافعي) : فقلت له كيف لم تقل هذا في المرتد؟
(قال الشافعي) :
فقطع الكلام: وقال، ولم قلت يكون مال المرتد فيئا؟
(قلت) :
بأن الله تبارك وتعالى حرم دم المؤمن وماله إلا بواحدة ألزمه إياها، وأباح دم الكافر وماله إلا بأن يؤدي الجزية أو يستأمن إلى مدة، فكان الذي يباح به دم البالغ من المشركين هو الذي يباح به ماله، وكان المال تبعا للذي هو أعظم من المال، فلما خرج المرتد من الإسلام صار في معنى من أبيح دمه بالكفر لا بغيره وكان ماله تبعا لدمه، ويباح بالذي أبيح به من دمه، ولا يكون أن تنحل عنه عقدة الإسلام فيباح دمه ويمنع ماله
(قال الشافعي) :
فقال: فإن كنت شبهته بأهل دار الحرب فقد جمعت بينهم في شيء، وفرقته في آخر
(قلت) :
وما ذاك؟ قال: أنت لا تغنم ماله حتى يموت أو تقتله، وقد يغنم مال الحربي قبل أن يموت وتقتله
(قال الشافعي) :
فقلت له: الحكم في أهل دار الحرب حكمان: فأما من بلغته الدعوة فأغير عليه بغير دعوة آخذ ماله وإن لم أقتله، وأما من لم تبلغه الدعوة فلا أغير عليه حتى أدعوه، ولا أغنم من ماله شيئا حتى أدعوه فيمتنع فيحل دمه وماله، فلما كان القول في المرتد أن يدعى لم يغنم ماله حتى يدعى، فإذا امتنع قتل، وغنم ماله.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|