بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (30)
سورة النساء (4)
وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد ، حدثنا وكيع ، وسفيان ، [ ص: 250 ] وعبد الرحمن عن زبيد اليامي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر - رضي الله عنه - قال : " صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم " .
وهكذا رواه النسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان في " صحيحه " من طرق عن زبيد اليامي به ، وهذا إسناد على شرط مسلم ، وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر ، وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى ، وإن كان يحيى بن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي قد قالوا : إنه لم يسمع منه .
وعلى هذا أيضا فقال : فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي ، من طريق الثوري عن زبيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الثقة عن عمر فذكره ، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد ، عن عبد الرحمن ، عن كعب بن عجرة ، عن عمر فالله أعلم .
وقد روى مسلم في " صحيحه " ، وأبو داود والنسائي ، وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم ، والنسائي ، وأيوب بن عائذ ، كلاهما عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال : " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر " .
ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه فهذا ثابت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها ; لأنها أخبرت " أن أصل الصلاة ركعتان ، ولكن زيد في صلاة الحضر فلما استقر ذلك صح أن يقال : إن فرض صلاة الحضر أربع " ، كما قاله ابن عباس ، والله أعلم .
ولكن اتفق حديث ابن عباس ، وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان ، وأنها تامة غير مقصورة كما هو مصرح به في حديث عمر - رضي الله عنه - واعلم أن حديث عائشة المذكور تكلم فيه من ثمان جهات :
الأولى : أنه معارض بالإجماع . قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه المسمى " بالقبس " . قال علماؤنا هذا الحديث مردود بالإجماع .
الثانية : أنها هي خالفته ، والراوي من أعلم الناس بما روى فهي رضي الله عنها [ ص: 251 ] كانت تتم في السفر ، قالوا : ومخالفتها لروايتها توهن الحديث .
الثالثة : إجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم .
الرابعة : أن غيرها من الصحابة خالفها ، كعمر ، وابن عباس ، وجبير بن مطعم ، فقالوا : " إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة " ، وقد قدمنا رواية مسلم وغيره له عن ابن عباس .
الخامسة : دعوى أنه مضطرب ; لأنه رواه ابن عجلان ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : " فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ركعتين " ، وقال فيه الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : " فرض الله الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ركعتين " الحديث . قالوا : فهذا اضطراب .
السادسة : أنه ليس على ظاهره ; لأن المغرب ، والصبح لم يزد فيهما ، ولم ينقص .
السابعة : أنه من قول عائشة لا مرفوع .
الثامنة : قول إمام الحرمين : لو صح لنقل متواترا .
قال مقيده - عفا الله عنه - : وهذه الاعتراضات الموردة على حديث عائشة المذكور كلها ساقطة ، أما معارضته بالإجماع فلا يخفى سقوطها ; لأنه لا يصح فيه إجماع وذكر ابن العربي نفسه الخلاف فيه .
وقال القرطبي بعد ذكر دعوى ابن العربي الإجماع المذكور قلت : وهذا لا يصح ، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه من الإجماع .
وأما معارضته بمخالفة عائشة له فهي أيضا ظاهرة السقوط ; لأن العبرة بروايتها لا برأيها كما هو التحقيق عند الجمهور ، وقد بيناه في سورة " البقرة " في الكلام على حديث طاوس المتقدم في الطلاق .
وأما معارضته بإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم ، فجوابه أن فقهاء الأمصار لم يجمعوا على ذلك ، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن المسافر لا يصح اقتداؤه بالمقيم لمخالفتهما في العدد ، والنية ، واحتجوا [ ص: 252 ] بحديث : " لا تختلفوا على إمامكم " وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس وداود الظاهري وغيرهم .
وأما معارضته بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس ، فجوابه ما قدمناه آنفا عن ابن كثير من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن يقال : إن فرض صلاة الحضر أربع كما قال ابن عباس .
وأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط ; لأنه ليس فيه اضطراب أصلا ، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد ; لأن الله هو الشارع والرسول هو المبين ، فإذا قيل فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ذلك عن الله فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله [ 4 \ 80 ] ، ونظيره حديث : " إن إبراهيم حرم مكة " مع حديث : " إن مكة حرمها الله " الحديث .
وأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط أيضا ; لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر ، مع أن بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة ، وابن حبان ، والبيهقي . قالت : " فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان ، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب ; لأنها وتر النهار " وعند أحمد من طريق ابن كيسان في حديث عائشة المذكور " إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا " .
وهذه الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر ، وأما رده بأنه غير مرفوع فهو ظاهر السقوط ; لأنه مما لا مجال فيه للرأي فله حكم المرفوع ، ولو سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنها معه ، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه فهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل .
وأما قول إمام الحرمين إنه لو ثبت لنقل متواترا فهو ظاهر السقوط ; لأن مثل هذا لا يرد بعدم التواتر ، فإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث عن عائشة وابن عباس وعمر - رضي الله عنهم - فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق الحديث عن عمر ، وابن عباس ، وعائشة قال ما نصه :
وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله : فليس عليكم جناح [ 4 \ 101 ] ، أن [ ص: 253 ] تقصروا من الصلاة قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ; ولهذا قال : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا الآية . ولهذا قال بعدها : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة الأية [ 4 \ 102 ] . فبين المقصود من القصر هاهنا ، وذكر صفته وكيفيته . اه محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا وهو اختيار ابن جرير .
وعلى هذا القول ، فالآية في صلاة الخوف وقصر الصلاة في السفر عليه مأخوذ من السنة لا من القرآن ، وفي معنى الآية الكريمة أقوال أخر :
أحدها : أن معنى أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا [ 4 \ 101 ] ، الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف كما قدمنا آنفا من حديث ابن عباس عند مسلم ، والنسائي ، وأبي داود ، وابن ماجه ، وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس .
وقد روى نحوه أبو داود ، والنسائي من حديث حذيفة قال : " فصلى بهؤلاء ركعة ، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا " ورواه النسائي أيضا من حديث زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة ، الثوري وإسحاق ومن تبعهما . وروي عن أحمد بن حنبل وعطاء ، وجابر ، والحسن ، ومجاهد ، والحكم ، وقتادة ، وحماد ، والضحاك .
وقال بعضهم : يصلى الصبح في الخوف ركعة ، وإليه ذهب ابن حزم ، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف .
قال أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من قيده بشدة الخوف .
وعلى هذا القول ، فالقصر في قوله تعالى : أن تقصروا من الصلاة [ 4 \ 101 ] ، قصر كمية .
وقال جماعة : إن المراد بالقصر في قوله : أن تقصروا من الصلاة ، هو قصر الصلاة في السفر . قالوا : ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ; لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية ، فإن في مبدأ [ ص: 254 ] الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة .
وقد تقرر في الأصول ، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب ، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله : اللاتي في حجوركم [ 4 \ 23 ] ; لجريانه على الغالب .
قال في " مراقي السعود " : في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة : [ الرجز ]
أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب
واستدل من قال : إن المراد بالآية قصر الرباعية في السفر بما أخرجه مسلم في " صحيحه " ، والإمام أحمد ، وأصحاب السنن الأربعة ، عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، فقد أمن الناس ، قال : عجبت ما عجبت منه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " .
فهذا الحديث الثابت في " صحيح مسلم " ، وغيره يدل على أن يعلى بن أمية ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على فهمه لذلك ، وهو دليل قوي ، ولكنه معارض بما تقدم عن عمر من أنه قال : " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - " ويؤيده حديث عائشة ، وحديث ابن عباس المتقدمان .
وظاهر الآيات المتقدمة الدالة على أن المراد بقوله أن تقصروا من الصلاة قصر الكيفية في صلاة الخوف ، كما قدمنا ، والله تعالى أعلم ، وهيئات صلاة الخوف كثيرة ، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة ، وتارة إلى غيرها ، والصلاة قد تكون رباعية ، وقد تكون ثلاثية ، وقد تكون ثنائية ، ثم تارة يصلون جماعة ، وتارة يلتحم القتال ، فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى رجالا ، وركبانا مستقبلي القبلة ، وغير مستقبليها ، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة ، وهيئاتها ، وكيفياتها مفصلة في كتب الحديث والفروع ، وسنذكر ما ذهب إليه الأئمة الأربعة منها إن شاء الله .
أما مالك بن أنس ، فالصورة التي أخذ بها منها هي أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة في الثنائية ، وركعتين في الرباعية والثلاثية ، ثم تتم باقي الصلاة ، وهو اثنتان في الرباعية ، وواحدة في الثنائية والثلاثية ، ثم يسلمون ويقفون وجاه العدو ، وتأتي [ ص: 255 ] الطائفة الأخرى فيجدون الإمام قائما ينتظرهم ، وهو مخير في قيامه بين القراءة ، والدعاء ، والسكوت إن كانت ثنائية ، وبين الدعاء والسكوت إن كانت رباعية أو ثلاثية ، وقيل : ينتظرهم في الرباعية والثلاثية جالسا فيصلي بهم باقي الصلاة ، وهو ركعة في الثنائية ، والثلاثية ، وركعتان في الرباعية ، ثم يسلم ويقضون ما فاتهم بعد سلامه ، وهو ركعة في الثنائية ، وركعتان في الرباعية والثلاثية . فتحصل أن هذه الصورة ، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة أو اثنتين ، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون ، ويقفون في وجه العدو ، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الباقي ، ويسلم ويتمون لأنفسهم .
قال ابن يونس في هذه الصورة التي ذكرنا : وحديث القاسم أشبه بالقرآن ، وإلى الأخذ به رجع مالك . اهـ .
قال مقيده - عفا الله عنه - : مراد ابن يونس ، أن الحديث الذي رواه مالك في " الموطأ " ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، بالكيفية التي ذكرنا ، هو الذي رجع إليه مالك ، ورجحه أخيرا على ما رواه ، أعني مالكا ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف . الحديث ، والفرق بين رواية القاسم بن محمد ، وبين رواية يزيد بن رومان ، أن رواية يزيد بن رومان فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالطائفة الأخرى الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم ، وقد عرفت أن رواية القاسم عند مالك في " الموطأ " ، أنه يصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية ثم يسلم فيتمون بعد سلامه لأنفسهم .
قال ابن عبد البر مشيرا إلى الكيفية التي ذكرنا ، وهي رواية القاسم بن محمد ، عند مالك ، وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان ، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات : إن الإمام لا ينتظر المأموم ، وإن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام ، وحديث القاسم هذا الذي أخرجه مالك في ( الموطأ ) موقوف على سهل ، إلا أن له حكم الرفع ; لأنه لا مجال للرأي فيه والتحقيق أنه مرسل صحابي ; لأن سهلا كان صغيرا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجزم الطبري ، وابن حبان ، وابن السكن ، وغيرهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي وسهل المذكور ابن ثمان سنين ، وزعم ابن حزم أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بالكيفية التي ذكرنا أنها رجع إليها مالك ، ورواها في " موطئه " عن القاسم بن محمد ، هذا هو حاصل مذهب مالك في كيفية صلاة الخوف . [ ص: 256 ] قال أولا : بأن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ، ثم تتم لأنفسها ، ثم تسلم ، ثم يصلي بقية الصلاة بالطائفة الأخرى وينتظرها حتى تتم ، ثم يسلم بها ورجع إلى أن الإمام يسلم إذا صلى بقية صلاته مع الطائفة الأخرى ، ولا ينتظرهم حتى يسلم بهم بل يتمون لأنفسهم بعد سلامه ، كما بينا .
والظاهر أن المبهم في رواية يزيد بن رومان في قول صالح بن خوات ، عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث ، أنه أبوه خوات بن جبير الصحابي ، رضي الله عنه ، لا سهل بن أبي حثمة ، كما قاله بعضهم .
قال الحافظ في " الفتح " : ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير ; لأن أبا أويس ، روى هذا الحديث ، عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال : عن صالح بن خوات ، عن أبيه ، أخرجه ابن منده في " معرفة الصحابة " من طريقه ، وكذلك أخرجه البيهقي ، من طريق عبيد الله بن عمر ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن أبيه ، وجزم النووي في " تهذيبه " بأنه أبوه خوات ، وقال : إنه محقق من رواية مسلم وغيره ، قلت : وسبقه إلى ذلك الغزالي ، فقال إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير . اه محل الغرض منه بلفظه .
ولم يفرق المالكية بين كون العدو إلى جهة القبلة وبين كونه إلى غيرها ، وأما إذا اشتد الخوف والتحم القتال ، ولم يمكن لأحد منهم ترك القتال فإنهم يصلونها رجالا وركبانا إيماء مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، كما نص عليه تعالى بقوله : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا الآية [ 2 \ 239 ] .
وأما الشافعي رحمه الله فإنه اختار من هيئات صلاة الخوف أربعا :
إحداها : هي التي ذكرنا آنفا عند اشتداد الخوف والتحام القتال ، حتى لا يمكن لأحد منهم ترك القتال ، فإنهم يصلون كما ذكرنا رجالا وركبانا إلخ الهيئة .
الثانية : هي التي صلاها - صلى الله عليه وسلم - ببطن نخل ، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى صلاتهم كاملة ثم يسلمون جميعهم : الإمام والمأمومون ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت في وجه العدو فيصلي بهم مرة أخرى هي لهم فريضة وله نافلة ، وصلاة بطن نخل هذه رواها جابر وأبو بكرة ، فأما حديث جابر فرواه مسلم أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، فصلى [ ص: 257 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وصلى بكل طائفة ركعتين .
وذكره البخاري مختصرا ورواه الشافعي والنسائي وابن خزيمة من طريق الحسن عن جابر وفيه أنه سلم من الركعتين أولا ثم صلى ركعتين بالطائفة الأخرى .
وأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والدارقطني ، وفي رواية بعضهم أنها الظهر ، وفي رواية بعضهم أنها المغرب ، وإعلال ابن القطان لحديث أبي بكرة هذا بأنه أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة ، مردود بأنا لو سلمنا أنه لم يحضر صلاة الخوف فحديثه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لهم حكم الوصل كما هو معلوم ، واعلم أن حديث أبي بكرة ليس فيه أن ذلك كان ببطن نخل .
وقد استدل الشافعية بصلاة بطن نخل هذه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل .
واعلم أن هذه الكيفية التي ذكرنا أنها هي كيفية صلاة بطن نخل كما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما ، قد دل بعض الروايات عند مسلم والبخاري وغيرهما ، على أنها هي صلاة ذات الرقاع ، وجزم ابن حجر بأنهما صلاتان ، والله تعالى أعلم .
وقد دل بعض الروايات على أن صلاة نخل هي صلاة عسفان ، والله تعالى أعلم .
الهيئة الثالثة : من الهيئات التي اختارها الشافعي : صلاة عسفان ، وكيفيتها كما قال جابر رضي الله عنه قال : " شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فصفنا صفين ، صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه ، وقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم ، ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه ، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا " ، هذا لفظ مسلم في " صحيحه " ، وأخرج النسائي والبيهقي من رواية ابن عباس ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت وهو صحابي . [ ص: 258 ] وقول ابن حجر في " التقريب " في الكنى : إنه تابعي ، الظاهر أنه سهو منه رحمه الله ، وإنما قلنا : إن هذه الكيفية من الكيفيات التي اختارها الشافعي مع أنها مخالفة للصورة التي صحت عنه في صلاة عسفان ; لأنه أوصى على العمل بالحديث إذا صح ، وأنه مذهبه ، والصورة التي صحت عن الشافعي رحمه الله في " مختصر المزني " " والأم " أنه قال : صلى بهم الإمام وركع وسجد بهم جميعا إلا صفا يليه أو بعض صف ينتظرون العدو ، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف الذي حرسهم ، فإذا ركع ركع بهم جميعا وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولا إلا صفا أو بعض صف يحرسه منهم ، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين حرسوا ثم يتشهدون ثم سلم بهم جميعا معا ، وهذا نحو صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان ، قال : ولو تأخر الصف الذي حرس إلى الصف الثاني وتقدم الثاني فحرس فلا بأس . انتهى بواسطة نقل النووي .
والظاهر أن الشافعي رحمه الله يرى أن الصورتين أعني : التي ذكرنا في حديث جابر وابن عباس وأبي عياش الزرقي والتي نقلناها عن الشافعي كلتاهما جائزة واتباع ما ثبت في الصحيح أحق من غيره ، وصلاة عسفان المذكورة صلاة العصر .
وقد جاء في بعض الروايات عند أبي داود وغيره أن مثل صلاة عسفان التي ذكرنا صلاها أيضا - صلى الله عليه وسلم - يوم بني سليم .
الرابعة : من الهيئات التي اختارها الشافعي - رحمه الله - هي : صلاة ذات الرقاع ، والكيفية التي اختارها الشافعي منها هي التي قدمنا رواية مالك لها عن يزيد بن رومان ، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ويسلمون ، ويذهبون إلى وجوه العدو وهو قائم في الثانية يطيل القراءة حتى يأتي الآخرون فيصلي بهم الركعة الباقية ويجلس ينتظرهم حتى يصلوا ركعتهم الباقية ، ثم يسلم بهم ، وهذه الكيفية قد قدمنا أن مالكا رواها عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ، وأخرجها الشيخان من طريقه ، فقد رواه البخاري عن قتيبة عن مالك ومسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك نحو ما ذكرنا ، وقد قدمنا أن مالكا قال بهذه الكيفية أولا ثم رجع عنها إلى أن الإمام يسلم ولا ينتظر إتمام الطائفة الثانية صلاتهم حتى يسلم بهم . وصلاة ذات الرقاع لها كيفية أخرى غير هذه التي اختار الشافعي وهي ثابتة في " الصحيحين " من حديث ابن عمر قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مواجهة العدو ، [ ص: 259 ] ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم ، مقبلين على العدو ، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة .