عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-08-2021, 03:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: إطلالة تعريفية على لامية ابن تيمية

والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَة ٍ
وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ

ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ في قَبرِهِ
عَمَلٌ يُقارِنُهُ هناك وَيُسْأَلُ

هذا اعتقادُ الشافِعيِّ ومالك ٍ
وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ

فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوَفَّقٌ
وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَوَّلُ

خامسًا: شرحها:
تضمنت اللامية بعض مسائل العقيدة وليس جميعها وسبب ذلك أنها فتوى لسائل، والفتوى تكون جوابًا لما سأل عنه السائل.
يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ

المذهب يكون في الفروع والعقيدة تكون في الأصول ولكن المراد هنا بالمذهب هو ما يصار إليه في الاعتقاد، والعقيدة هي ما يعقد عليه القلب ويجزم به، وأما الشطر الثاني فدعاء للسائل وهو متضمن للإخبار بأن من طلب الهداية راغب فيها فإنه يوفق لها، وفيه التنبيه لمن جاء يسأل أهل العلم أن يكون غرضه طلب الحق والهدى.
اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَـولـِه *** لا يَنْـثَني عَنـهُ ولا يَتَبَـدَّلُ

أستمع سماع قبول وانتفاع إلى كلام متثبت في قوله معتمد على الكتاب والسنة ثابت القدم راسخ في العلم، قد عرف الحق بدليله فلا يستبدله بغيره، وهذا حال أهل الاعتقاد الصحيح.
حُبُّ الصَّحابَةِ كُلّهِمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّــلُ

بدأ بذكر الصحابة لأنهم حملة الدين، والسلف الصالح هم الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، فالصحابة علمهم ومنهجهم أساس لفهم الكتاب والسنة وأساس لفهم الإسلام، وأما التابعين فهم كوصفهم أنهم متبعين للصحابة وتابعي التابعين كذلك أتباع للتابعين الذين هم متبعين لنهج الصحابة مقتفين لأثرهم. قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533) واللفظ للبخاري.

وحب الصحابة من الإيمان وبغضهم من النفاق ومتى ثبتت الصحبة فقد وجبت المحبة دون استثناء، لذا قال (كُلّهِمْ) والمراد محبة زائدة على محبة من عداهم من الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري (13) ومسلم (45). فهذا في سائر المسلمين فأما الصحابة فيجب لهم من المحبة فوق ذلك. ومودة القربى أي محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل بيته، بها أتوسل أي أتقرب لله تعالى بحب الصحابة وحب آل النبي، فهذه المحبة عمل صالح يتقرب به ويتوسل به أي يتوصل به لمرضاة الله، وأما التوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم فليس بمشروع بل هو بدعة إذ لا دليل عليه، فالتوسل عبادة والعبادة توقيفية تبنى على الدليل. وفي هذا البيت رد على الروافض الذين يبغضون الصحابة ويكفرونهم ويغالون في علي وأولاده، وعلى النواصب الذي ينصبون العداء لأهل البيت، وعلى الخوارج الذي كفروا علي ومعاوية ومن معهم من الصحابة فأهل السنة وسط في عقيدتهم في الصحابة، فينزلونهم منزلتهم ويعرفون لهم سبقهم ويتقربون لله بحبهم.

وَلِكُلِّهِمْ قَـدْرٌ عَلا وفَضائلٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَـلُ

وأفضل الصحابة الصديق وهو وخير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليم وسلم ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم ولكلهم مكانة وقدر رفيع وكلهم عدول ولهم مناقب وفضائل.

وأُقِـول في القُرآنِ ما جاءَتْ بِـه *** آياتُـهُ فَهُوَ الكريمُ المُنْـزَلُ

أي أعتقد في القرآن ما دلت عليه آيته من أنه كلام الله لفظه ومعناه، تكلم به حقيقة، منزَّل غير مخلوق، سمعه محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل وسمعه جبريل من الله جل جلاله، وفي هذا رد على المعتزلة والأشاعرة والماتريدية على اختلاف أقوالهم.

والكريم صفة للقرآن كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ ﴾ [الواقعة: 77] والكريم لغة: الذي فاق غيره في الحسن والفضل، والقرآن الكريم أي: واسع الخيرات رفيع القدر عظيم النفع، وقد جاء في بعض النسخ (فَهُوَ القديم المُنْـزَلُ) والقديم من ألفاظ المتكلمين، وقد أنكر لفظة "القديم" شيخ الإسلام، وقال في كتابه التسعينية (ص612): (أن أحدًا من السلف والأئمة لم يقل: إن القرآن قديم، وإنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته).

وأقولُ قالَ الُله جل جلاله *** والمصطفى الهادي ولا أتأوَّلُ

أي أستدل بالقرآن والسنة، وأعتقد ما جاء عن الله تعالى في القرآن وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة ولا أتأول ما ورد في أسماء الله وصفاته وأفعاله بل أمرها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف. والتأويل أنواع والمراد هنا التأويل الباطل كتأويل اليد بالنعمة والاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الملك والرحمة والأمر.

وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّهـا *** حَقـًا كما نَقَـلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ

حيث قال السلف الصالح -وهم أئمة التابعين وأئمة أتباع التابعين -: (أمروها كما جاءت بلا كيف) و (أمروها كما جاءت) (يعني بما دل عليها ظاهرها، وظاهرها يدل على إثبات الصفة ولهذا قال -أي شيخ الإسلام - (أمروها كما جاءت ردًا على المعطلة)، والمعطلة هم نفاة الصفات)[3] فالمعطلة ينفون صفات الله الواردة في النص فيقولون مثلا ليس لله يد و يؤولونها بالنعمة، فيعطلون الصفة عن معناها ويثبتون معنى لم يرد في النص، وهم لم يحرفوها إلا بعد أن اعتقدوا التشبيه ففروا منه إلى التعطيل.

(بلا كيف) نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة[4] وقولهم (بلا كيف) رد على الممثلة[5] فصفات الله لها كيفية ولكن لا نعلمها بل نفوض العلم بها لله وحده فلا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه ﴿ لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ ﴾ [الشورى: 11].

ومعنى الطِّراز: الجيّد من كل شيء[6].

ثم إنه فَرْقٌ بين قول السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف وبين تفويض المفوضة.

فالسلف يؤمنون بنصوص الصفات، ولها عندهم معانٍ، كل نص له معنى، فما جاء في صفة الرحمة ليس هو ما جاء في صفة الاستواء إلخ، فيؤمنون بلفظها ومعناها، أما الكيفية فيفوضون علمها إلى الله، فكان من نتيجة ذلك زيادة إيمانهم ومعرفتهم بربهم وتوسلهم لله بأسمائه وصفاته وتفكرهم في آثار الصفات في المخلوقات، فيرون في خلق الله آثار رحمته وقدرته وعلمه وتدبيره لمخلوقاته ورزقه لهم وبطشه وانتقامه من أعدائه و نصره أنبياءه..إلخ من الأثار المترتبة على الصفات، فيزدادون بذلك إيمانًا وعلمًا.

وأما المفوضة فينكرون الصفات ونتيجة لذلك يفوضون فيقولون إن (الرحمن الرحيم) (ينزل ربنا) (ويد الله) و (الاستواء) وغيرها من الصفات أنها لا معنى لها فهي مثل (ديز) عكس (زيد) حروف وألفاظ بلا معانٍ، وقولهم إنما هو نتيجة عدم إثبات الصفات لذلك خيارهم الآخر هو التعطيل على قاعدتهم (وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها) وقول المفوضة كما يقول ابن تيمية[7]: من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. وقد تعلق بعض المتأخرين منهم بألفاظ متشابهة لبعض السلف دون فهمها في سياقها التي وردت فيه، ودون ردها لمحكم عقيدتهم الواضح، فاتهموهم بالتفويض وهناك كتب في رد تلك الدعاوى[8].

وأَرُدُّ عُهدتهـا إلى نُقَّالِهـا *** وأصونُها عـن كُلِّ ما يُتَخَيَّلُ

أي أخرج من تبعتها، برد سندها وألفاظها وطريقة فهمها إلى السف الصالح والأئمة الحفاظ والثقات العدول الذين نقلوها، فإذا رد عهدتها إليهم فقد برئ من الوهم والافتراء والخطأ، وكذلك أصونها عن كل ما يتخيل، فكل ما يخطر بالبال من التصورات فالله بخلافه، وينزه عن تلك التصورات فلا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه، والعقل قاصر عن ذلك كما قال تعالى ﴿ وَلَا یُحِیطُونَ بِهِۦ عِلۡمࣰا ﴾ [طه: 20] (فعقل البشر إنما يدور فيه أحد ثلاثة أشياء.. أن يدور فيه رؤية الشيء، أو رؤية مثيل له، أو رؤية ما يقاس عليه.. أما مالم يره ولم ير مثيلا له ولا ما يقاس عليه فلا يدور في الذهن..فنصوص الصفات.. لنا العلم بأصل المعنى دون كماله وأما الكيفية فلا يمكن أن تحوم لأحد من البشر على بال.. فإذًا الكيفية مقطوع الطمع عن إدراكها)[9]، أما المبتدعة فلم يصونوها عن التخيل فوقعوا في التشبيه ثم التعطيل لمخالفتهم أمر الله ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٦] فتأمل قوله والفؤاد.

قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القرآن وراءَهُ *** وإِذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ

الله سبحانه وتعالى متصف بالكلام كما قال تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِیمࣰا ﴾ [النساء: ٦٤]، ﴿ وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ یَسۡمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ﴾ [التوبة: 6]، ﴿ وَیَوۡمَ یُنَادِیهِمۡ فَیَقُولُ أَیۡنَ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ﴾ [القصص: ٧٤] فالمبتدعة من المعتزلة والأشاعرة أنكروا أن الله يتكلم ونبذوا ما دل عليه القرآن واستدلوا ببيت ينسب للشاعر النصراني الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فقالوا إن كلام الله معنى قائم بالنفس وأنه سبحانه لا يتكلم، وقد أبطل شيخ الإسلام القول بالكلام النفساني بنحو تسعين وجهًا في رسالته (التسعينية).

وهذا البيت لم يثبت عن الأخطل، ولو ثبت فليس بحجة، وليس هو من أهل الاحتجاج اللغوي، إضافة إلى عقيدته المنحرفة ثم (الكلام) في اللغة العربية هو الكلام بحرف وصوت المسموع، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت، وأما حديث النفس فليس بكلام ولا فرق بين الأخرس والمتكلم في حديث النفس. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)؛ البخاري (8269) ومسلم (127) واللفظ له. ففرَّقَ بين حديث النفس وبين الكلام.

والمؤمنون يَـرَوْنَ حقـًا ربَّهُمْ *** وإلى السَّمـاءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ

من عقيدة أهل السنة أن المؤمنون يرون ربهم حقًا وجزمًا في الموقف وفي الجنة قال الله تعالى: ﴿ وُجُوهࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، وقال تعالى: ﴿ كَلَّاۤ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ لَّمَحۡجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15]، قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: (هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته) اهـ.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.41%)]