شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
المواضع التي نهي عن البول فيها
صــ 1إلى صــ31
الحلقة (48)
[شرح حديث الربيع في صفة وضوء النبي من طريق سادسة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا وكيع حدثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدخل أصبعيه في جحري أذنيه)].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الطريق من حديث الربيع، وفيه اختصار؛ لأنه ما ذكر منه إلا ما يتعلق بمسح الأذن، وأنه أدخل أصبعيه في جحري أذنيه، يعني: أنه أدخلهما -كما مر في بعض الروايات- في الصماخ،
يعني: في الثقب والشق، وقد مر في بعض الروايات أنه جعل فيها أصابعه،
والمقصود بذلك: أصبعيه السبابتين، وقد جاء في بعض الروايات تفصيل كيفية مسح الأذنين وذلك أن السبابتين يكونان في داخل الأذنين والإبهامين يمسحان ظاهرهما، فتكون السبابتان تمسحان داخلهما، والإبهامان تمسحان ظاهرهما، وسيأتي في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تفصيل ذلك في بيان أن السبابتين تكونان في الداخل، والإبهامين يكونان للخارج.
وقوله: [(في جحري أذنيه)] في بعض النسخ: (حجري أذنيه) فلا أدري أيهما أصوب، ولكن إن كان (حجري أذنيه) فالمقصود به: الخرق والثقب،
وإن كانت الرواية بلفظ: (حجري) فحجر الشيء هو: داخله مثل حجر الإنسان يعني: ما يكون بين رجليه، فإذا كانت ثابتة بهذا اللفظ فيمكن تفسيرها على وجه يكون له معنى،
والمقصود: أنه هذا الشيء الداخل في الأذن؛ لأن الأذن فيها شيء بارز وفيها شيء داخل، والأصبع إنما يدخل في ذلك الداخل الذي هو جحر أو صماخ أو ثقب أو حجر إذا كانت الرواية صحيحة، لكن إطلاق الحجر غالبا لا يكون إلا على حجر الإنسان.
[تراجم رجال إسناد حديث الربيع بنت معوذ في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من طريق سادسة]
قوله: [حدثنا إبراهيم بن سعيد].
هو إبراهيم بن سعيد الجوهري، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الحسن بن صالح].
الحسن بن صالح بن حي ثقة أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع].
عبد الله بن محمد بن عقيل والربيع قد مر ذكرهما.
[شرح حديث: (رأيت رسول الله يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال)]قال المصنف رحمه لله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى ومسدد قالا: حدثنا عبد الوارث عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال -وهو: أول القفا-) وقال مسدد (مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث جد طلحة بن مصرف وهو كعب بن عمرو أو عمرو بن كعب، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه -يعني: عندما توضأ- حتى بلغ القذال)،
والقذال هو: أول القفا، وهذا في رواية أحد الشيخين لـ أبي داود، ورواية الشيخ الثاني وهو مسدد: (أنه مسح من مقدم رأسه ومؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه)،
يعني: أنه استوعب الرأس كله، وقد سبق في الأحاديث العديدة الكثيرة التي فيها مسح الرأس كله أنه يمسح من أوله إلى آخره ثم يرجع من آخره إلى أوله، وهذا الذي جاء في بعض الروايات (أول القفا) إذا لم يكن المقصود به استيعاب الرأس إلى آخره فإنه يكون مخالفا للأحاديث المتقدمة.وهذا الحديث غير صحيح؛ لأن في إسناده رجلا مجهولا، وهو والد طلحة بن مصرف الذي هو مصرف بن عمرو بن كعب أو مصرف بن كعب بن عمرو، فالحديث غير صحيح، لكن ما يتعلق بكيفية المسح وأنه مسح الرأس مقدمه ومؤخره -كما جاء في رواية مسدد - مطابق لما جاء في الرواية الأخرى التي فيها استيعاب الرأس مسحا، وعدم الاكتفاء بمسح شيء منه أو جزء منه.
[تراجم رجال إسناد حديث: (رأيت رسول الله يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال)]
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى].
هو محمد بن عيسى الطباع البغدادي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقا وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[ومسدد].
مسدد قد مر ذكره.
[قالا: حدثنا عبد الوارث].
هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ليث].
هو ليث بن أبي سليم، وهو صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك؛ لأن المختلط إذا عرف ما كان من حديثه قبل الاختلاط وتميز ما كان قبل الاختلاط عما بعد الاختلاط فإن ما كان بعد الاختلاط يرد، وما كان قبل الاختلاط هو الذي يقبل، ولكنه إذا لم يتميز بأن اختلط وما عرف المتقدم من المتأخر فإنه يترك حديثه؛ لأنه ما عرف المتقدم على الاختلاط حتى يؤخذ به فصار مجهولا، وعلى هذا فيكون غير معتبر؛ لأنه غير متميز ما كان قبل الاختلاط عما كان بعد الاختلاط.فهذا الحديث فيه جهالة والد مصرف، وأيضا فيه ليث بن أبي سليم.فإذا كان ليث بن أبي سليم هو الذي في سند هذا الحديث فإنه يصير علة أخرى مع جهالة والد طلحة؛ لأنه اختلط ولم يتميز حديثه فترك، لكن أنا رأيت أن الكلام كله يدور حول رواية طلحة عن أبيه عن جده، وما ذكروا ليث بن أبي سليم فلا أدري هل هو اكتفاء بذكر المجهول وأن ذلك وحده يكفي في عدم قبول الحديث، أو أن الليث هو غير الليث بن أبي سليم، فهذا يحتاج إلى معرفة ليث بن سعد هل من شيوخه طلحة بن مصرف ومن تلاميذه عبد الوارث بن سعيد أم لا؟
[عن طلحة بن مصرف].
طلحة بن مصرف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه مصرف مجهول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[عن جده].
جده صحابي أخرج حديثه أبو داود وحده، وبعضهم يقول: إنه مجهول، يعني: أنه ليس بصحابي، لكن في الحديث هنا يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه) وهذا إن ثبت يدل على الصحبة.
[قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره].
قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى بن سعيد القطان فأنكره، يعني: اعتبر هذا الحديث منكرا.
[وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده؟!].
يعني: أنه أنكر هذا ولم يعتبره شيئا، والسبب كما هو معلوم ليس من جهة طلحة، ولكن من جهة أبيه الذي هو مصرف؛ إذ هو مجهول.
[شرح حديث: (أن النبي مسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)]قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ) فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا، قال: (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ وذكر الحديث وقال: ثلاثا ثلاثا)، يعني: الحد الأعلى في الوضوء الذي هو الإسباغ،
وقوله: (ثلاثا ثلاثا)، يعني: من غير الرأس؛ لأن الرأس جاءت الأحاديث الكثيرة بأنه يمسح مرة واحدة.فإذا: قوله: (ثلاثا ثلاثا) يحمل على ما عدا الرأس؛ لأنه يمسح ولا يغسل.
قوله: [قال: (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)].
يعني: أن الماء الذي مسح به جمع فيه بين مسح الرأس ومسح الأذنين، والأذنان من الرأس كما ذكرنا، ولذا يمسحان كما يمسح الرأس، ويكون الماء الذي تمسح به الأذنان هو ما تبقى بعد مسح الرأس في اليدين.
[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي مسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)]
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عباد بن منصور].
عباد بن منصور صدوق، أخرج له البخاري تعليقا وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عكرمة بن خالد].
عكرمة بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[شرح حديث أبي أمامة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد ح وحدثنا مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة رضي الله عنه وذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المأقين.قال: وقال: الأذنان من الرأس)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي أمامة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح المأقين، أو الماقين) والمأقان أو الماقان هما: طرفا العين أو جانبا العين مما يلي الأنف، ومن المعلوم أن الوجه كله يغسل ولا مسح فيه، وإنما المسح للرأس وللأذنين.
قوله: [وقال: (الأذنان من الرأس)] فيه أن الأذنين من الرأس في حكم المسح، وليستا من الوجه في الحكم بحيث تغسلان كما يغسل الوجه، وإنما هما من الرأس فتمسحان كما يمسح الرأس،
يعني: أن حكمهما المسح كالرأس وليس حكمهما الغسل كالوجه.
[تراجم رجال إسناد حديث أبي أمامة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
حماد هو ابن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا مسدد].
ح يؤتى بها للتحويل من إسناد إلى إسناد آخر، ومسدد قد مر ذكره.
[وقتيبة].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة].
سنان بن ربيعة صدوق فيه لين، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن شهر بن حوشب].
شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي أمامة].
هو أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[الخلاف في رفع: (الأذنان من الرأس) ووقفه]قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة.قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من أبي أمامة.يعني: قصة الأذنين].
يعني: أن هذا القول: (الأذنان من الرأس) هو من قول أبي أمامة، وقال قتيبة: قال حماد بن زيد: لا أدري هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي أمامة.يعني: (الأذنان من الرأس الأذنان).يعني: أن حماد بن زيد تردد وشك هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام أبي أمامة.
[أهمية معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه]
[قال قتيبة: عن سنان أبي ربيعة قال أبو داود: وهو ابن ربيعة كنيته أبو ربيعة].
يعني: أن قتيبة قال في حديثه: عن سنان أبي ربيعة وقال مسدد وسليمان بن حرب: سنان بن ربيعة.
قال أبو داود: ولا إشكال في ذلك؛ لأن سنان بن ربيعة هو أبو ربيعة فوافقت كنيته اسم أبيه، ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه نوع من أنواع علوم الحديث،
وفائدة ذلك: دفع احتمال التصحيف؛ لأنه إذا كان معروفا بأنه سنان بن ربيعة ولا يدري بعض الناس أن كنيته أبو ربيعة فلو جاء في الإسناد سنان أبي ربيعة فإن الذي لا يعرف سيقول: (أبي) مصحفة عن (ابن) والذي يعرفه سيقول: هذا كلام صحيح فهو سنان بن ربيعة وهو سنان أبو ربيعة؛ لأن كنيته وافقت اسم أبيه،
يعني: أن أبا سنان اسمه ربيعة وكنيته أبو ربيعة،
فإن قيل: عن سنان أبي ربيعة فهو كلام صحيح،
وإن قيل: سنان بن ربيعة فهو أيضا كلام صحيح ولا تصحيف؛ لأن الذي لا يفهم يظن أن (أبي) مصحفة عن (ابن) والرسم قريب بين (ابن) و (أبي).ففائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث دفع احتمال التصحيف أو توهم التصحيف بين كلمة (أبي) و (ابن)، ولهذا قال أبو داود بعد ذلك: سنان هو ابن ربيعة.
وهو أبو ربيعة فمن قال: سنان بن ربيعة ومن قال: سنان أبو ربيعة كله كلام صحيح.
وحديث: (الأذنان من الرأس) جاء عن جماعة من الصحابة، وصححه بعض أهل العلم،
وقالوا: مما يؤيده ويوضحه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة أنه كان يمسح الأذنين تبعا للرأس،
وفي ذلك توضيح وبيان لهذا المعنى الذي هو قوله: (الأذنان من الرأس) يعني: أنهما ممسوحتان لا مغسولتان.