شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
المواضع التي نهي عن البول فيها
صــ 1إلى صــ31
الحلقة (46)
شرح سنن أبي داود [022]
من الأمور المهمة والواجبة على كل مسلم معرفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنهم المقدام بن معد يكرب ومعاوية بن أبي سفيان والربيع بنت معوذ وأبو أمامة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
تابع صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
[شرح حديث المقدام بن معد يكرب في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ: فغسل كفيه ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)].أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث من طريق المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه، وذلك أنه بعدما فرغ من الأحاديث التي جاءت عن طريق عبد الله بن زيد بن عاصم أتى بالأحاديث التي جاءت من رواية المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه.
وفي هذا الحديث قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ: فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا -أي: كل يد ثلاثا ثلاثا- ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)، يعني: مرة واحدة وانتهى عند هذا الحد، ولم يذكر غسل الرجلين،
أي: أنه ذكر الحديث مختصرا.وذكر في المسح أنه مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما،
يعني: مرة واحدة، ومسح الأذنين يكون مع الرأس؛ لأن الأذنين من الرأس، فيمسحان ولا يغسلان، وقد جاء بيان كيفية مسحهما، وأنه يضع السبابة في داخل الأذنين والإبهام على ظهر الأذنين فيمسح بهما باطن الأذنين وظاهرهما، باطنهما بالسبابة وظاهرهما بالإبهام، كما جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين أنه توضع السبابة في داخل الأذنين والإبهام في خارج الأذنين، ومسحهما يكون مع مسح الرأس.
[تراجم رجال إسناد حديث المقدام بن معد يكرب في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو المغيرة].
أبو المغيرة هو عبد القدوس بن حجاج وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حريز].
هو حريز بن عثمان الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي].
عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي مقبول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي].
المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه صحابي، وحديثه أخرجه البخاري وأصحاب السنن.
[شرح حديث المقدام في صفة وضوء النبي من طريقة ثانية]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي لفظه قالا: حدثنا الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه،
وفيه: (أنه توضأ حتى وصل إلى رأسه فوضع كفيه على مقدم رأسه وأمرهما إلى آخره، ثم رجع إلى المكان الذي منه بدأ) وهذا يتفق مع ما تقدم في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم في قوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى انتهى إلى قفاه ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ففيه بيان كيفية مسح الرأس، وأنه يكون له كله بحيث يستوعب في المسح، فلا يسمح بعضه ويترك بعضه، وأن طريقة المسح أن يبدأ بالمقدم حتى ينتهي إلى الآخر ويرجع إلى المكان الذي بدأ منه مرة واحدة.
[تراجم رجال إسناد حديث المقدام من طريقة ثانية]
قوله: [حدثنا محمود بن خالد].
هو محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[ويعقوب بن كعب الأنطاكي].
يعقوب بن كعب الأنطاكي ثقة، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[لفظه].
يعني: أن اللفظ الموجود هو للشيخ الثاني الذي هو يعقوب بن كعب الأنطاكي، فالضمير يرجع إلى يعقوب بن كعب الأنطاكي، يعني: أن اللفظ لفظه، وليس لفظ الشيخ الأول الذي هو محمود.
[قالا: حدثنا الوليد بن مسلم].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي ثقة يدلس ويسوي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معد يكرب].
قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال محمود: قال: أخبرني حريز].
لما قال أبو داود رحمه الله تعالى: إن اللفظ لفظ يعقوب أشار إلى شيء عند محمود الذي لم يسق لفظه وهو تصريح الوليد بن مسلم بالإخبار عن حريز بن عثمان، وعلى هذا فيكون التدليس الذي يخشى من الوليد بن مسلم -لأنه مدلس- قد زال بتصريحه بالإخبار الذي جاء من طريق محمود بن خالد الذي هو شيخ المصنف الأول؛ لأنه ساقه على لفظ الشيخ الثاني وفيه الرواية بالعنعنة؛ لأن طريق يعقوب بن كعب الأنطاكي فيها: الوليد عن حريز،
لكن لفظ محمود: أخبرني حريز،
فقوله: أخبرني حريز هذه تصريح بالسماع، فينتفي احتمال التدليس، ولهذا أشار أبو داود رحمه الله إلى لفظ محمود بن خالد وأن فيه تصريح الوليد بن مسلم بالسماع من حريز بن عثمان، فاحتمال كونه دلس في هذا الحديث قد زال بالتصريح بالسماع.فـ الوليد صرح بينه وبين شيخه بالتحديث، لكن بقي بعد ذلك تدليس التسوية؛ لأنه يدلس ويسوي، يعني: أن عنده تدليس إسناد وتدليس تسوية.
[شرح حديث المقدام في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد المعنى قالا: حدثنا الوليد بهذا الإسناد قال: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما) زاد هشام: (وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه)].
أورد أبو داود حديث المقدام بن معد يكرب من طريق أخرى وفيه: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما) وزاد هشام الذي هو الشيخ الثاني: (وأدخل أصابعه -يعني: السبابتين- في صماخ أذنيه) يعني: في الثقب أو في شق الأذن،
وقد جاء في بعض الروايات: (أنه يجعل السبابة في داخلهما والإبهام في خارجهما)، وهنا فيه الإشارة إلى أنه أدخل الأصابع -أي: السبابتين- في صماخهما، يعني: في شق الأذنين.
[تراجم رجال إسناد حديث المقدام من طريق ثالثة]
قوله: [حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد].
محمود بن خالد مر ذكره، وهشام بن خالد صدوق، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[المعنى].
يعني: أن هذين الشيخين لم يتفقا في الألفاظ في حديثهما، ولكنهما اتفقا في المعنى، وهذه طريقة أبي داود رحمه الله، وقد سبق في موضع أنه ذكر ثلاثة من شيوخه،
ثم قال: المعنى، يعني: أنهم متفقون في المعنى مع اختلافهم في الألفاظ، وهنا ذكر شيخين وقال: المعنى.أي: أنهما متفقان في المعنى مع اختلافهما في بعض الألفاظ.
[قالا: حدثنا الوليد بهذا الإسناد].
أي: بالإسناد الذي تقدم.
[شرح حديث معاوية في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء حدثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة، ويزيد بن أبي مالك: (أن معاوية رضي الله عنه توضأ للناس كما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه)].
بعدما ذكر أبو داود رحمه الله حديث المقدام بن معد يكرب أتى بحديث معاوية رضي الله عنه، وأنه توضأ للناس، يعني: أنه أراد أن يريهم الوضوء وكيفية الوضوء، وهذا كما ذكرت من كمال نصح الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وحرصهم على بيان السنن للناس، بالقول والفعل، فإن عثمان رضي الله عنه توضأ للناس، وعلي رضي الله توضأ وكان قد صلى،
فقالوا: إنما يريد أن يعلمنا.ومعاوية رضي الله عنه توضأ للناس يريد أن يريهم كيفية وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما جاء إلى رأسه أخذ بيده اليمنى غرفة من ماء وجعلها في يده اليسرى، ثم وضعها على وسط رأسه، ثم مسح بمقدم رأسه إلى قفاه.وهذا فيه بيان أن الرأس يمسح بماء جديد،
يعني: غير فضل اليدين الذي يبقى بعد غسل اليدين إلى المرفقين، وإنما مسحه بماء جديد فوضع ذلك على رأسه ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه.يعني: أنه بدأ بالمقدم حتى انتهى بالمؤخر ورجع إلى المكان الذي بدأ منه.
[تراجم رجال إسناد حديث معاوية في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]
قوله: [حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني].
هو مؤمل بن الفضل الحراني الجزري صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء].
الوليد بن مسلم قد مر ذكره، وعبد الله بن العلاء ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة].
أبو الأزهر المغيرة بن فروة مقبول، أخرج له أبو داود.
[ويزيد بن أبي مالك].
هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[أن معاوية].
هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه أمير المؤمنين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع