شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
المواضع التي نهي عن البول فيها
صــ 1إلى صــ24
الحلقة (44)
[شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني محمد بن جعفر حدثني شعبة قال: سمعت مالك بن عرفطة سمعت عبد خير قال: (رأيت عليا رضي الله عنه أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد) وذكر الحديث].
أورد أبو داود حديث علي من طريق أخرى واختصره بحيث أشار إلى أوله وأنه غسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، فهو مثل ما تقدم أنه يتمضمض ويستنشق من كف واحدة، وذكر الحديث على نحو ما تقدم في رواية أبي عوانة المتقدمة.
قوله: (ثم أتي بكوز من ماء) الكوز قيل: هو الإناء الذي له عروة،
قالوا: وإذا كان ليس له عروة يقال له: كوب،
يعني: فتوضأ من ذلك الإناء، وهذا يبين أن ما تقدم في الرواية من ذكره الإناء والطست أنهما شيء واحد،
لأنه هنا قال: كوز،
يعني: إناء.
[تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة]
قوله: [حدثنا محمد بن المثنى].
محمد بن المثنى هو الملقب بـ الزمن وكنيته أبو موسى وهو: العنزي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فإنهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله محمد بن بشار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، حيث توفوا جميعا سنة (252هـ) وكانت وفاة البخاري سنة (256هـ) وهم من صغار شيوخ البخاري، وهم من رجال الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن جعفر].
محمد بن جعفر وهو الملقب غندر وهو كثير الرواية عن شعبة ويروي عنه محمد بن المثنى ومحمد بن بشار كثيرا، هو محمد بن جعفر ولقبه غندر البصري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي البصري وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال: سمعت مالك بن عرفطة].
هذا وهم من شعبة؛ فإنه وهم في خالد بن علقمة فقال عنه: مالك بن عرفطة، وليس هناك شخص يقال له: مالك بن عرفطة وإنما هو خالد بن علقمة، وقد جاء أيضا عن أبي عوانة أنه كان يقول ذلك، وجاء عنه خلاف ذلك، فكان أولا يهم فيه ويقول: مالك بن عرفطة وأخيرا كان يقول: خالد بن علقمة كما سبق أن مر بنا، وقد ذكر ذلك الحافظ في التقريب، وقال: إن شعبة يخطئ في اسمه واسم أبيه، وإن أبا عوانة حصل له ذلك ورجع عنه، وعلى هذا فالمقصود به خالد بن علقمة الذي سبق أن مر في الإسناد المتقدم.وفي بعض الزيادات في بعض النسخ أن أبا داود نبه إلى هذا الوهم، لكنها ليست من روايته، وهكذا النسائي ذكر في السنن وكذلك الترمذي ذكر أيضا: أن شعبة وهم في اسمه واسم أبيه فكان يقول: مالك بن عرفطة وهو خالد بن علقمة.
[سمعت عبد خير قال: رأيت عليا].
عبد خير وعلي قد مر ذكرهما.
[شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق رابعة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو نعيم حدثنا ربيعة الكناني عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش أنه سمع عليا رضي الله عنه وسئل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقال: (ومسح على رأسه حتى الماء يقطر، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد أبو داود رحمه الله حديث علي رضي الله من طريق أخرى وفيه الإحالة على ما تقدم.
قوله: [(ومسح على رأسه حتى الماء يقطر)].
يعني: مسح على رأسه مرة واحدة، وليس معنى ذلك أنه غسله حتى تقاطر الماء من رأسه لأنه مغسول، ولكنه وجد البلل في الرأس من هذه المسحة، لكون اليد كان فيها ماء فيمكن أنه تقاطر منها،
وفي بعض النسخ: (حتى لما يقطر) يعني: أنه لم يحصل التقاطر، وهذا هو الذي يتوافق مع المسح،
والرواية التي فيها: (حتى الماء يقطر) قد تكون مصحفة عن (لما) فإن الرسم متقارب.قوله: [(وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم)].يعني: أنه غسل كل رجل ثلاث مرات، وقال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق رابعة]
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا أبو نعيم].
هو أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ربيعة الكناني].
هو ربيعة بن عتبة الكناني وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي.
[عن المنهال بن عمرو].
المنهال بن عمرو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.والبخاري إنما روى عنه في تفسير سورة فصلت أثرا عن ابن عباس، وهو أثر طويل فيه أن شخصا سأله عن أسئلة، وقد أتى به البخاري على طريقة تخالف طريقته،
وهي أنه أورد المتن ثم أتى بالإسناد فقال: حدثناه فلان عن فلان، وفيه المنهال بن عمرو، وذكر الحافظ في الشرح أنه ما روى له إلا هذا الحديث.
[عن زر بن حبيش].
زر بن حبيش ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنه سمع عليا].
علي رضي الله عنه قد مر ذكره.
[شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق خامسة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زياد بن أيوب الطوسي حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا فطر عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (رأيت عليا رضي الله عنه توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث علي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى وفيه: أنه (غسل وجهه ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا) يعني: أنه غسل يديه ثلاثا، ومما ينبغي أن يعلم أن غسل اليدين يكون من أطراف الأنامل مع المرفقين،
يعني: لا يكتفي فيهما بالغسل الأول الذي كان قبل غسل الوجه، بمعنى أن غسلهما في الأول أمر مستحب، ولو لم يوجد لم يكن هناك محذور ويكون الأفضل أن يوجد، أما في الوضوء فعلى على الإنسان أن يغسل اليدين من أطراف الأصابع ولا يكتفي بالغسل الأول الذي حصل؛ لأن ذلك خارج عن فروض الوضوء ولا يدخل فيه، وإنما الذي يدخل في فروض الوضوء هو ما يكون بدءا من المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، ثم يأتي غسل اليدين بكاملهما؛ لأن غسل اليدين يأتي عقب غسل الوجه، والغسل لليدين يكون من أطراف الأصابع إلى نهاية المرفق بحيث تدخل المرافق مع الذراعين في الغسل.
[تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق خامسة]
قوله: [حدثنا زياد بن أيوب الطوسي].
زياد بن أيوب الطوسي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبيد الله بن موسى].
هو عبيد الله بن موسى الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا فطر].
هو فطر بن خليفة وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[عن أبي فروة].
هو مسلم بن سالم النهدي أبو فروة الأصغر الكوفي ويقال له: الجهني مشهور بكنيته، وهو صدوق من السادسة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: رأيت عليا].
علي رضي الله عنه قد مر ذكره.
[شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق سادسة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وأبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص ح وحدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت عليا رضي الله عنه توضأ، فذكر وضوءه كله ثلاثا ثلاثا، قال: ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث علي من طريق أخرى، وفيه: (أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه) يعني: مرة واحدة.قوله: (وغسل رجليه) وليس فيه ذكر العدد، ولكنه جاء مبينا في الروايات الكثيرة التي فيها: (أنه غسل رجليه ثلاثا)، أي: يغسل اليمنى ثلاثا ثم يغسل اليسرى ثلاثا.
وقوله: (إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم).
[تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق سادسة]
قوله: [حدثنا مسدد وأبو توبة].
مسدد مر ذكره وأبو توبة هو الربيع بن نافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[قالا: حدثنا أبو الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا عمرو بن عون].
ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، وعمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا أبو الأحوص عن إبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حية].
هو أبو حية بن قيس الوادعي الهمداني وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.
[قال: رأيت عليا].
علي رضي الله عنه وقد مر ذكره.وهنا قال: (فغسل رجليه إلى الكعبين) وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أنه قال: (غسل رجليه حتى أشرع في الساق) ولا تنافي بينهما؛ لأنه غسل الكعبين وأشرع في الساق، يعني: أنه دخل في الساق، مثلما أشرع في العضد، يعني: أن نهاية ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإشراع في العضد أو الساق، وهذا هو التحجيل، والسنة أن الإنسان يستوعب الكعبين بحيث يدخلان، وإذا شرع في الساق فهذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه التحقق من استيعاب الكعبين.
[شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق سابعة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد -يعني ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (دخل علي علي -يعني ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوضوء، فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس! ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى.قال: فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعا، فأخذ بها حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو يختلف عن الطرق المتقدمة في بعض الألفاظ وفي بعض الصفات لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختلف عنها من جهة أنه جعل مسح الأذن بعضه يكون مع الوجه وبعضه يكون مع الرأس، ويحتمل أن يكون المقصود بما أقبل من أذنه ما دون الأذن، وأنه اعتبر ذلك تابعا للوجه، وحكمه الغسل، وأما الأذن فإن حكمها المسح سواء كان داخلها أو ظاهرها، وكذلك كونه أخذ حفنة من ماء وضرب بها وجهه وفعل ذلك ثلاث مرات، ثم أخذ ماء ووضعه على ناصيته حتى سال على وجهه بعد الثلاث الأولى، وهذا فيه إشكال من ناحية أن فيه زيادة على الغسلات الثلاث، ثم بعد ذلك غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، مع أن الذي تقدم معناه أن داخل الأذنين يكون مع الوجه، والذي جاء في الروايات أنه مسح داخلهما وظاهرهما مع مسح الرأس،
وقد جاء في الحديث: (الأذنان من الرأس)،
يعني: أنهما يمسحان تبعا للرأس ولا يغسلان تبعا للوجه، فهذا من الألفاظ التي فيها مخالفة هذه الرواية لغيرها من الروايات عن علي رضي الله عنه.
ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها وفي بعض النسخ: فغسلها،
يعني: فغسلها بهذه الحفنة.ثم الأخرى مثل ذلك أخذ حفنة من ماء وضرب بها عليها، وهذا أيضا مشكل إلا إذا كان المقصود بأن هذه الحفنة استوعبت الرجل غسلا داخلها وظاهرها، وكذلك ما يكون في النعل منها بحيث يأتي عليها الماء، أما إذا كان المقصود بذلك المسح، فإن هذا يخالف الروايات الكثيرة التي جاءت عن علي وعن غيره،
والتي فيها: (أنه كان يغسل رجليه ثلاثا)، يعني: غسل وليس مسحا، وكذلك أيضا ما جاء في الحديث الذي سبق أن مر حيث قال عليه الصلاة والسلام: (ويل للأعقاب من النار) وذلك لما رأى أعقابهم تلوح فيها مواضع لم يصبها الماء، فلو كان المسح مجزئا كيف يكون الوعيد الشديد على من يترك شيئا من عقبيه وهو مؤخر القدم لا يصيبها الماء؟! إذا: فإن كان المقصود من ذلك أنه غسل رجله وهي في النعل وقد استوعب الغسل الرجل كلها فلا إشكال، وإن كان المقصود به المسح فإن هذا يخالف ما ثبت عن علي رضي الله عنه وعن غيره من الصحابة الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يغسل رجليه ثلاثا ويستوعبهما بالغسل ولا يمسحهما مسحا.وقد أجاب العلماء عما في هذا الحديث من الإشكال، فذكروا أن هذا مما تفرد به بعض الرواة وأنه مخالف للروايات الأخرى، فهو إما أن يكون ضعيفا وإما أن يكون شاذا.وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في حاشيته على السنن وتعليقه على تلخيص المنذري وجوها عدة ومسالك عديدة للإجابة عن الإشكال الذي ورد في هذا الحديث، وكلها تدور على أن الفرض هو الغسل وليس المسح، وأن الحديث إن صح فإنه يحمل على أنه غسل كل رجل بالحفنة التي ضرب بها رجله وفيها النعل،
أي: أنه قد استوعبها غسلا، وليس فيه دليل للرافضة الذين يقولون: إن الرجل فرضها المسح وليس الغسل؛ لأن عليا رضي الله عنه وغيره من الصحابة كلهم رووا صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نصوا على غسل الرجلين ثلاثا، فهذه الرواية المشكلة إما أن تكون محمولة على الغسل مرة واحدة كافية، أو تكون شاذة ضعيفة لا يحتج بها لمخالفتها الروايات الكثيرة التي جاءت عن علي وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما جاء عن بعض العلماء من أن الرجلين يمسحان وأن ذلك نسب إلى ابن جرير الطبري أنكره بعض أهل العلم ومنهم ابن القيم حيث قال: إن كتبه وتفسيره واضح في خلاف ما قيل عنه، ولكن الذي جاء عنه القول بالمسح هو رافضي يوافق ابن جرير في اسمه واسم أبيه، وكل منهما يقال له: محمد بن جرير، قال ابن القيم: وقد اطلعت على بعض كتبه -يعني: ذلك الرافضي- وهو محمد بن جرير بن رستم.وقد ذكر الحافظ ابن حجر ترجمته في لسان الميزان بعدما ذكر ترجمة ابن جرير الطبري، وقال: إن ما نسب إلى ابن جرير الطبري من مسح الرجلين لا يصح، وإن الذي حصل منه ذلك هو هذا الرافضي الذي هو محمد بن جرير بن رستم.
ومن المعلوم أن الرافضة خالفوا المسلمين في هذا العمل حيث يمسحون ظهور أقدامهم ويقولون: إن في الرجل الواحدة كعب واحد وهو العظم الناتئ في ظهر القدم، مع أن كل رجل فيها كعبان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم غسل رجله إلى الكعبين، كما جاء في بعض الروايات: (غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، وغسل الرجل الأخرى إلى الكعبين) فلكل رجل كعبان؛ وهما العظمان الناتئان في مفصل الساق من القدم، وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من الوعيد في حق الذين لم يغسلوا أعقابهم حيث قال: (ويل للأعقاب من النار) يوضح ذلك، بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة في بيان صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم، وما جاء في القرآن من القراءة: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) فإنه لا يكون حكم الرجلين المسح الذي للرأس، بل قيل: إن المقصود بذلك على هذه القراءة هو الغسل الخفيف، والغسل الخفيف يقال له: مسح، ويقال له: رش،
وقالوا: إن كون الرجلين يمسحان أو يغسلان غسلا خفيفا إنما هو لأن الرجلين هي آخر الأعضاء، فقد يكون في ذلك مظنة الإسراف في غسلهما، فجاء على إحدى القراءتين ذكر المسح معطوفا على الرأس فيكون المقصود به الغسل الخفيف وليس المسح الذي هو مثل مسح الرأس، أو أنه مجرور بالمجاورة، فيكون الحكم الغسل ولكنه عطف على الرأس وجر عطفا عليه؛ لأنه مجاور له،
وإلا فإن حكمه الغسل كما بينته القراءة الأخرى التي هي بفتح اللام: {وأرجلكم} [المائدة:6] وكما بينته الأحاديث الكثيرة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تبين القرآن وتوضحه وتدل عليه.
والحاصل: أن الرافضة بعدوا عن الحق والهدى ولم يوفقوا لاتباع ما جاء في الكتاب والسنة من غسل الرجلين، فصاروا بذلك لا حظ لهم فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه يعرف أمته غرا محجلين من أثر الوضوء؛ لأنهم لا يغسلون أرجلهم، فليست فيهم هذه العلامة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي يعرف بها أمته، وهذا يدل على خذلانهم وبعدهم عن الحق والهدى.
يتبع