شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
المواضع التي نهي عن البول فيها
صــ 1إلى صــ13
الحلقة (42)
[شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني حدثنا زياد بن يونس حدثني سعيد بن زياد المؤذن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء فقال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورها مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ).أورد أبو داود رحمه الله حديث عثمان رضي الله عنه من طريق ابن أبي مليكة، وفيه التنصيص على أعداد لم يأت ذكرها في الروايات السابقة، مثل المضمضة والاستنشاق جاء أنه تمضمض واستنشق ثلاثا، وفيه مسح الرأس، وفيه ذكر غسل بطون الأذنين وظهورهما مرة واحدة.
قوله: [قال ابن أبي مليكة: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأتي بميضأة).
يعني: سئل عن كيفية الوضوء فأراد أن يبينه بالفعل من أجل أن الناس يشاهدونه ويعاينونه، ويعرفون الهيئة والكيفية التي يكون عليه الوضوء، والميضأة: هي إناء فيه ماء يكفي للوضوء، أو ماء على قدر الوضوء،
ولهذا قال: ميضأة،
يعني: فيها ماء وضوء.قوله: [(فأصغاها على يده اليمنى)].
يعني: أنه لم يغمس يده في الإناء، بل أصغى الإناء حتى أفرغ على يده اليمنى ثم غسل يديه.
قوله: [(ثم أدخلها في الماء)].
يعني: بعدما غسل يديه خارج الإناء صار يدخل يديه بعد ذلك ويغرف.
قوله: [(فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا)].وهذا فيه بيان كون المضمضة ثلاثا والاستنشاق ثلاثا.
قوله: [(وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة)].
يعني: أنه أخذ ماء وجعله في يديه ومسح به على رأسه ومسح به أذنيه بطونهما وظهورهما؛ وذلك بأن تكون السبابة في داخل الأذنين والإبهام على ظهور الأذنين في وقت واحد فيمسح عليهما، وهذا فيه دليل على أن الأذنين حكمهما حكم الرأس، وليس حكمهما حكم الوجه، فحكمهما المسح تبعا للرأس، وليس حكمهما الغسل تبعا للوجه، فهما ممسوحتان لا مغسولتان،
كما في الحديث: (الأذنان من الرأس)،
يعني: أن حكمهما حكم الرأس في الوضوء يمسحان ولا يغسلان.
قوله: [(ثم غسل رجليه)].لم يذكر العدد، ولكنه جاء في الرواية الأخرى ذكر أنه غسلهما ثلاثا.
قوله: [(ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ)].وهذا فيه بيان الوضوء بالفعل ثم بالقول؛
لأنه توضأ ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ).
[تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة]
قوله: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني].
هو محمد بن داود الإسكندراني المصري وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا زياد بن يونس].
زياد بن يونس ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[حدثني سعيد بن زياد المؤذن].
سعيد بن زياد المؤذن مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي].
عثمان بن عبد الرحمن التيمي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي.
[قال سئل ابن أبي مليكة].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[رأيت عثمان بن عفان].
عثمان بن عفان رضي الله عنه قد مر ذكره.
[ترجيح أبي داود لروايات الاقتصار على مسح الرأس مرة واحدة]
[قال أبو داود رحمه الله: أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره].
وهذا الكلام من أبي داود رحمه الله فيه أن الذين ذكروا صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لم يذكروا العدد، ولكن يستثنى من ذلك عند أبي داود نفسه ما نص عليه، كما مر في رواية عبد الرحمن بن وردان عن أبي سلمة، وكما سيأتي أيضا في رواية أخرى فيها ذكر المسح ثلاثا، ولكن كلام أبي داود رحمه الله هنا يشير إلى ترجيح الروايات التي فيها الاقتصار على المرة الواحدة، وقوله: ما ذكروا العدد غير ما استثني، يقصد بذلك غير ما ذكره هو نفسه.
ورواية: (ثلاثا) إما أن تكون ضعيفة وإما شاذة.
[شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق رابعة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى أخبرنا عبيد الله -يعني ابن أبي زياد - عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبي علقمة: (أن عثمان دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين، قال: ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وذكر الوضوء ثلاثا، قال: ومسح برأسه ثم غسل رجليه، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل ما رأيتموني توضأت)، ثم ساق نحو حديث الزهري وأتم].أورد أبو داود حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وفيه ذكر بعض ألفاظه وإحالة إلى حديث متقدم، وهو حديث الزهري.
قوله: (أن عثمان رضي الله عنه دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين)].
يعني: أنه أفرغ من الإناء خارج الإناء وغسل يديه إلى الكوعين، والمقصود غسل الكف فقط، والذراع لا تدخل في ذلك، يعني: أن الكف قبل الوضوء لا تدخل في الغسل وإنما تغسل الكف فقط إلى الكوعين،
والكوع: هو العظم الذي في طرف الذراع مما يلي الإبهام،
والطرف الثاني الذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع، فهما عظمان في طرف الذراع،
فالذي يلي الإبهام يقال له: الكوع، والذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع،
ولهذا يقول العوام في المثل على الشخص الذي لا يعرف شيئا: لا يعرف كوعه من كرسوعه،
يعني: لا يميز بين الكوع والكرسوع.
قوله: [(ثم مضمض واستنشق ثلاثا)].وهذا فيه مثل ما تقدم في حديث ابن أبي مليكة، يعني: أنه استنشق واستنثر، وهنا عبر بالاستنشاق بدل الاستنثار وهما متلازمان،
فالاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف،
والاستنثار: هو إخراجه، وكل واحد منهما يستلزم الآخر، فالاستنشاق يعقبه استنثار والاستنثار يسبقه استنشاق.قوله: [(وذكر الوضوء ثلاثا)].
يعني: أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا.
قوله: [(ومسح برأسه ثم غسل رجليه)].ولم يذكر العدد، وهذا يحمل على أنه مرة واحدة، لأن تكرار المسح يصير بمثابة الغسل، والحكم هو المسح وليس الغسل.قوله: [(ثم غسل رجليه)].
يعني: غسل رجليه ثلاثا.
قوله: [(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل ما رأيتموني توضأت)، ثم ساق نحو حديث الزهري وأتم].
يعني: حديث الزهري الذي تقدم.
[تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق رابعة]
قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى].
هو إبراهيم بن موسى الرازي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى].
هو عيسى بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عبيد الله يعني ابن أبي زياد].
عبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن عبد الله بن عبيد بن عمير].
عبد الله بن عبيد بن عمير ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي علقمة].
هو أبي علقمة المصري مولى بني هاشم وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.[أن عثمان].عثمان مر ذكره.
[شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق خامسة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن عامر بن شقيق بن جمرة عن شقيق بن سلمة قال: (رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا).قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: (توضأ ثلاثا فقط)].أورد أبو داود حديث عثمان رضي الله عنه من طريق أخرى مختصرا وفيه أنه غسل ذراعيه ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا، وهذه هي الرواية الثانية عند أبي داود التي فيها ذكر المسح للرأس ثلاثا، والرواية الأولى هي التي فيها عبد الرحمن بن وردان، وهو مقبول، وهذه الرواية فيها شخص ضعيف.
قوله: (رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا،
وقال: رأيت رسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا)].هذا فيه اختصار فليس فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو هذا فقط، وإنما ذكر الوضوء كاملا ولكنه اختصره هنا.
[تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق خامسة]
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، والحمال لقب، وهو بغدادي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا يحيى بن آدم].
يحيى بن آدم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر بن شقيق بن جمرة].
عامر بن شقيق بن جمرة لين الحديث، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن شقيق بن سلمة].
شقيق بن سلمة هو أبو وائل، وهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه، فيأتي كثيرا أبو وائل ويأتي في بعض الأحيان شقيق بن سلمة كما هنا، وهذا من قبيل معرفة الكنى والأسماء، وفائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، بحيث لو جاء أبو وائل مرة في إسناد وجاء في إسناد آخر شقيق بن سلمة فإن الذي لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ومن يعرف أن شقيق بن سلمة كنيته أبو وائل لا يلتبس عليه الأمر، وهو ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: رأيت عثمان بن عفان].
عثمان رضي الله عنه قد مر ذكره.[قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: (توضأ ثلاثا فقط)].
يعني: ذكر أبو داود رحمه الله أن وكيعا رواه عن إسرائيل وقال: (توضأ ثلاثا فقط)،
يعني: أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا وهكذا.