فهذا يريد: في طاعة عمرو بن هند، والدين: العادة، يقال: ما زال هذا ديني ودأبي وعادتي وديدني وإجرياي، قال المثقب العبدي:
تقول إذا درأت لها وضيني.......أهذا دينه أبدًا وديني
أكل الدهر حل وارتحالٌ.......أما تبقي علي وما تقيني
).[الكامل: 1/ 425-427]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (قال: و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي: يوم الجزاء). [مجالس ثعلب: 276]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : ( والدّين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جعيلٍ:
إذا ما رمونا رميناهم.......ودنّاهم مثل ما يقرضونا
وكما قال الآخر:
واعلم وأيقن أنّ ملكك زائلٌ.......واعلم بأنّك ما تدين تدان
يعني ما تجزي تجازى.
ومن ذلك قول اللّه جلّ ثناؤه: {كلاّ بل تكذّبون بالدّين} يعني: بالجزاء، {وإنّ عليكم لحافظين} يحصون ما تعملون من الأعمال. وقوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} يعني: غير مجزيّين بأعمالكم ولا محاسبين.
وللدّين معانٍ في كلام العرب غير معنى الحساب والجزاء سنذكرها في أماكنها إن شاء اللّه.
وبما قلنا في تأويل قوله: {يوم الدّين} جاءت الآثار عن السّلف من المفسّرين، مع تصحيح الشّواهد لتأويلهم الّذي تأوّلوه في ذلك.
- حدّثنا أبو كريبٍ محمّد بن العلاء، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ: {يوم الدّين} قال: «يوم حساب الخلائق هو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ وإنّ شرًّا فشرٌّ، إلاّ من عفا عنه، فالأمر أمره». ثمّ قال: «{ألا له الخلق والأمر}».
- وحدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ القنّاد، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ الهمدانيّ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «{مالك يوم الدّين}: هو يوم الحساب».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {مالك يوم الدّين} قال: «يوم يدين اللّه العباد بأعمالهم».
- وحدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {مالك يوم الدّين} قال: «يوم يدان النّاس بالحساب»). [جامع البيان: 1/ 149-159]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يوم الدّين}: الدين في اللغة: الجزاء، يقال: "كما تدين تدان"، المعنى : كما تعمل تعطى وتجازى، قال الشاعر:
واعلم وأيقن أن ملكك زائل.......واعلم بأن كما تدين تدان
أي : تجازى بما تعمل، والدّين أيضاً في اللغة: العادة، تقول العرب: "ما زال ذلك ديني"، أي: عادتي.
قال الشاعر:
تقول إذا درأت لها وضيني.......أهذا دينه أبدا وديني
). [معاني القرآن: 1/ 46-48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {يوم الدّين}
- حدّثنا عليّ بن طاهرٍ به، عن ابن عبّاسٍ في قوله: { يوم الدّين} قال: «الدّين يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شر شرا إلا من عفا عنه».
- حدّثنا أبي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا سفيان بن عيينة، عن حميدٍ الأعرج في قول اللّه {مالك يوم الدّين} قال: «يوم الجزاء»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /29]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (-وحدثنا محمد بن جعفر بن محمد، عن أبي داود بن الأنباري، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عمرو بن أسباط عند السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي مالك، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن أبي مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {مالك يوم الدين}: «يوم الدين: هو يوم الحساب».
وقال مجاهد: "الدين: الجزاء" والمعنيان واحد؛ لأن يوم القيامة: يوم الحساب، ويوم الجزاء.
والدين في غير هذه: الطاعة، والدين أيضاً: العادة، كما قال:
أهذا دينه أبداً وديني
والمعاني متقاربة؛ لأنه إذا أطاع: فقد دان. والعادة تجري مجرى الدين، و"فلان في دين فلان" أي: في سلطانه وطاعته.).[معاني القرآن: 1/ 61-63]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (تفسير قوله تعالى: {غير مدينين} [الواقعة: 86] ومعنى الدين.
وحدّثنا أبو بكر بن الأنباري، رحمه الله، في قوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] معناه غير مجزّيين، قال: وأنشدنا:
ولم يبق سوى العدوا.......ن دناهم كما دانوا
أي: جازيناهم كما جازوا، ومن ذلك قوله جل وعز: {مالك يوم الدّين}، قال قتادة: «معناه: مالك يومٍ يدان فيه العباد أي: يجازون بأعمالهم»،
ويكون الدين أيضًا الحساب قال ابن عباس: «معنى قوله {مالك يوم الدّين} أي: يوم الحساب»،
ويكون الدّين أيضًا السّلطان، قال زهير:
لئن حللت بجوٍّ في بني أسدٍ.......في دين عمروٍ وحالت بيننا فدك
معناه في سلطان،
ويكون الدّين أيضًا الطاعة، من ذلك قوله جل وعز: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} [يوسف: 76] معناه في طاعة الملك.
ويكون الدّين أيضًا العبودية والذّل، وجاء في الحديث: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» فمعناه: استعبد نفسه وأذلّها لله عز وجل، قال الأعشى:
هو دان الرّباب إذ كرهوا.......الدين دراكًا بغزوةٍ وصيال
ثم دانت بعد الرّباب وكانت.......كعذابٍ عقوبة الأقوال
يعني أنه أذلهمّ فذلّوا، وقال القطامي:
رمت المقاتل من فؤادك بعدما.......كانت نوار تدينك الأديانا
معناه تستعبدك بحبها،
ويكون الدين أيضًا الملة، كقولك: نحن على دين إبراهيم، ويكون العادة، قال المثقب العبدي:
تقول إذا درأت لها وضينا.......أهذا دينه أبدًا وديني
أكلّ الدهر حلٌّ وارتحالٌ.......أما يبقى على وما يقيني
ويكون الدين أيضًا الحال، قال النضر بن شميل: سألت أعرابيًا عن شيء، فقال: لو لقيتني دينٍ غير هذه لأخبرتك، وروى أبو عبيدة قول امرئ القيس:
كدينك من أم الحويرث قبلها.......وجارتها أمّ الرباب بمأسل
أي: كعادتك.
والعرب تقول: ما زال هذا دينه ودأبه وديدنه وديدانه وديدبونه أي: عادته). [الأمالي: 2/ 295] (م)
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو أحمد محمّد بن إسحاق الصّفّار العدل، ثنا أحمد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، عن مرّة الهمدانيّ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي اللّه عنه، وعن أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: {مالك يوم الدّين} قال: «هو يوم الحساب» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2 /284]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يوم الدين}: يوم الجزاء). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 21]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يَوْمِ الدِّينِ}: يوم الجزاء). [العمدة في غريب القرآن: 67-68]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والدين لفظ يجيء في كلام العرب على أنحاء، منها الملة. قال الله تعالى: {إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} [آل عمران: 19] إلى كثير من الشواهد في هذا المعنى، وسمي حظ الرجل منها في أقواله وأعماله واعتقاداته دينا، فيقال فلان حسن الدين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه في قميص عمر الذي رآه يجره: قيل: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «الدين» وقال علي بن أبي طالب: «محبة العلماء دين يدان به». ومن أنحاء اللفظة الدين بمعنى العادة. فمنه قول العرب في الريح: «عادت هيف لأديانها».
ومنه قول امرئ القيس:
كدينك من أمّ الحويرث قبلها ....... ... ... ... ...
ومنه قول الشاعر: [المثقب العبدي]:
... ... ... .... ....... أهذا دينه أبدا وديني
إلى غير ذلك من الشواهد، يقال دين ودينة أي عادة، ومن أنحاء اللفظة: الدين سيرة الملك وملكته، ومنه قول زهير:
لئن حللت بجوّ في بني أسد ....... في دين عمرو وحالت بيننا فدك
أراد في موضع طاعة عمرو وسيرته، وهذه الأنحاء الثلاثة لا يفسر بها قوله ملك يوم الدين. ومن أنحاء اللفظة الدين الجزاء، فمن ذلك قول الفند الزماني: [شهل بن شيبان]
ولم يبق سوى العدوا ....... ن دنّاهم كما دانوا
أي جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل:
إذا ما رمونا رميناهم ....... ودناهم مثل ما يقرضونا
ومنه قول الآخر:
واعلم يقينا أنّ ملكك زائل ....... واعلم بأنّ كما تدين تدان
وهذا النحو من المعنى هو الذي يصلح لتفسير قوله تعالى: {ملك يوم الدين} أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وقتادة وغيرهم.
قال أبو علي: يدل على ذلك قوله تعالى: {اليوم تجزى كلّ نفسٍ بما كسبت} [غافر: 17]، و{اليوم تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28]. وحكى أهل اللغة: دنته بفعله دينا بفتح الدال ودينا بكسرها جزيته، وقيل الدين المصدر والدين بكسر الاسم.
وقال مجاهد: «ملك يوم الدين أي: يوم الحساب، مدينين: محاسبين» وهذا عندي يرجع إلى معنى الجزاء. ومن أنحاء اللفظة الدين الذل، والمدين العبد، والمدينة الأمة، ومنه قول الأخطل:
ربت وربا في حجرها ابن مدينة ....... تراه على مسحاته يتركّل
أي ابن أمة، وقيل بل أراد ابن مدينة من المدن، الميم أصيلة، ونسبه إليها كما يقال ابن ماء وغيره.
وهذا البيت في صفة كرمة فأراد أن أهل المدن أعلم بفلاحة الكرم من أهل بادية العرب. ومن أنحاء اللفظة الدين السياسة، والديان السائس، ومنه قول ذي الأصبع الحدثان بن الحارث:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ....... يوما ولا أنت دياني فتخزوني
ومن أنحاء اللفظة الدين الحال.
قال النضر بن شميل: «سألت أعرابيا عن شيء فقال لي لو لقيتني على دين غير هذه لأخبرتك».
ومن أنحاء اللفظة الدين الداء، عن اللحياني وأنشد:
ما دين قلبك من سلمى وقد دينا
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني). [المحرر الوجيز: 1/ 74-82]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ): (والدّين الجزاء والحساب؛ كما قال تعالى: {يومئذٍ يوفّيهم اللّه دينهم الحقّ}، وقال: {أئنّا لمدينون} أي: مجزيّون محاسبون، وفي الحديث: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» أي: حاسب نفسه لنفسه؛ كما قال عمر رضي اللّه عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهّبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم: {يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ}»). [تفسير ابن كثير: 1/ 133-134]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (-وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود وأناس من الصحابة في قوله {مالك يوم الدين} قال: «هو يوم الحساب».). [الدر المنثور: 1 /67-73]
يتبع