سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*]
رامي حنفي محمود
تفسير الربع الرابع من سورة الأعراف بأسلوب بسيط
الآية 59: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾ ليدعوهم إلى التوحيد وترْك الشِرك، ﴿ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾، إذِ إلإلهُ الحق هو مَن يَخلقُ ويَرزق ويُدَبِّر، ويُحيي ويُميت، ويَضر ويَنفع، ويَسمع ويُبصِر، فأخلِصوا له العبادة، فإن لم تفعلوا وبقيتم على عبادة أصنامكم، فـ ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو عذاب يوم القيامة.
الآية 60: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: أي قال له أشرافُ القوم وسادتهم: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ عن طريق الصواب، بسبب عداوتك لآلهتنا، وبسبب إنكارك علينا لعبادتنا إيّاها.
الآية 61، والآية 62: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ ﴾: أي لستُ ضالاً بأيّ وجهٍ من الوجوه، ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ﴾: أي أُبلِّغكم ما أُُرْسِلْتُ به مِن ربي، ببيان توحيده وإبلاغ أوامره ونواهيه، ﴿ وَأَنْصَحُ لَكُمْ ﴾ مُحَذرًا من عذاب الله ومُبشرًا بثوابه، ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فاتبعوني وأطيعوا أمري فيما أُبلِغُكُم عنهُ سبحانه.
الآية 63، والآية 64: ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ ﴾: يعني وهل أثارَ عَجَبَكُم ﴿ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ ﴾ أي تذكيرٌ لكم ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ بما فيه الخير لكم، وذلك ﴿ عَلَى ﴾ لسان ﴿ رَجُلٍ مِنْكُمْ ﴾ تعرفون نَسَبَهُ وصِدقه ﴿ لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ العذاب المترتب على الكفر والمعاصي، ﴿ وَلِتَتَّقُوا ﴾ سخطَ اللهِ تعالى بالإيمان به وتوحيده، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾: أي وبذلك تنزل رحمة اللّه عليكم وتنالوا ثوابه العظيم إذا اتقيتموه، - فأيُّ عَجَبٍ لكم في ذلك؟! - (واعلم أنّ كلمة: لَعَلَّ، وكلمة: عَسَى، إذا جاءت من اللهِ تعالى، فإنها تفيد التأكيد ووجوب الوقوع).
فلم يؤثر فيهم ذلك الوعظ، ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ - فوقع عليهم عذابُ الله (وهو الطوفان) -، ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ﴾: يعني فأنجينا نوحاً ومَن آمَنَ معه في السفينة، ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ الواضحة، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾: أي عُمْيَ القلوب عن رؤية الحق.
الآية 65، والآية 66: ﴿ وَإِلَى عَادٍ ﴾: أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة عاد: ﴿ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ حينَ عبدوا الأصنام مِن دون الله، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ ﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ عذابَ الله وسخطه عليكم إن بقيتم على ما أنتم عليه،فـ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ ﴾: أي قال الكُبَراء والسادة ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ﴾: أي إنا لَنَعْلم أنك ناقص العقل، بسبب دَعْوَتِكَ إيَّانا إلى ترْك عبادة آلهتنا وعبادة الله وحده، ﴿ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ على اللهِ فيما تقول.
الآية 67، والآية 68: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ﴾ أي ليس بي نقصٌ في عقلي، ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ﴾: أي أُبلِّغكم ما أُُرْسِلْتُ به مِن ربي، ببيان توحيده وإبلاغ أوامره ونواهيه، ﴿ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾.
الآية 69، والآية 70: ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ ﴾: يعني وهل أثارَ عَجَبَكُم ﴿ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ ﴾ أي تذكيرٌ لكم ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ بما فيه الخير لكم، وذلك ﴿ عَلَى ﴾ لسان ﴿ رَجُلٍ مِنْكُمْ ﴾ تعرفون نَسَبَهُ وصِدقه ﴿ لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ العذاب المترتب على الكفر والمعاصي، ﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ نعمة اللهِ عليكم ﴿ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ ﴾ أي تَخْلُفون - في الأرض - مَن قبلكم، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ هلاك ﴿ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ﴾: يعني وَزادَ في أجسامكم قوةً وضخامة، ﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ ﴾: أي فاذكروا نِعَمَ الله عليكم، واشكروهُ تعالى بعبادتهِ وحده ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾: أي رجاءَ أن تفوزوا في الدنيا والآخرة (وفي هذا دليلٌ على أنّ ذِكرَ النِعَم طريقُ الفلاح، ولذلك كانَ أحد الدُعاة ينصحُ تلاميذه بأن يكتبوا نِعَمَ اللهِ عليهم في ورقة، ثم يَشكروا اللهَ عليها).
﴿ قَالُوا ﴾: أي قالت عادٌ لِهود عليه السلام: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ﴾ ﴿ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾: أي ونترك عبادة الأصنام التي وَرِثنا عبادتها عن آبائنا؟ ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾.
الآية 71، والآية 72: ﴿ قَالَ ﴾ هود لقومه: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾: أي قد حَلَّ بكم غضبٌ من ربكم مُستوْجِبٌ لعذابكم، (واعلم أنّ قوله تعالى: (قد وقع) معناهُ هنا: قد وجب، أي: لابُدّ مِن وقوعه، فإنه قد اكتملتْ أسبابه، وحان وقت الهلاك).
ثم قال لهم: ﴿ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ ﴾: يعني أتجادلونني في هذه الأصنام التي ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ آلهةً ﴿ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ و ﴿ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾: أي ما نزَّل اللهُ بها مِن حُجَّةٍ تدل على أنها تستحق العبادة، أو أنها تقربكم إلى ربكم كما تزعمون، فهي مصنوعة بأيديكم لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر،﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ نزولَ العذاب عليكم فـ ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ نزوله، فوقع عذابُ اللهِ بإرسال الريح الشديدة عليهم ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ﴾ خاصَّة، لا تكونُ إلا للمؤمنين، ﴿ وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾: يعني وأهلكنا الكفار من قومه جميعاً، ودمَّرناهم عن آخرهم، (واعلم أنّ دابر القوم: آخِرَهم، لأنه إذا هَلَكَ آخرُ القوم، فقد هَلَكَ أوَّلهم)، ﴿ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾.
الآية 73، والآية 74: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ ﴾: أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود: ﴿ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ لَمَّا عبدوا الأوثان مِن دون الله، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ فأخلِصوا له العبادة، ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً ﴾: أي قد جئتكم بالبرهان على صِدق ما أدعوكم إليه، إذ دعوتُ اللهَ أمامكم، فأخرج لكم من الصخرةِ ناقةً عظيمة كما سألتم، ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ﴾ من المراعي، ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ - (واعلم أنّ إضافة الناقة إلى اللهِ تعالى في قوله: ﴿ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾، إنما هو للتشريف والتخصيص، مثل: بيت الله).
ثم أخذ يُذكِّرهم بنعم الله عليهم، فقال: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ ﴾ أي تَخْلُفون - في الأرض - مَن قبلكم، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ هلاك قبيلة ﴿ عَادٍ ﴾ ﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني وأنزلكم في هذه الأرض الطيبة، ومَكَّن لكم فيها، فأصبحتم ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا ﴾: أي تبنون في سهولها - (وهي الأراضي السهلة المستوية التي ليست بجبال) - بيوتاً ضخمة تسكنونها في الصيف، ﴿ وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ﴾: يعني وتنحتون مِن جبالها بيوتًا أخرى تسكنونها في الشتاء، لأنها أحْصَن وأبقى وأدفأ، ﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ ﴾: أي فاذكروا نِعَمَ الله عليكم، واشكروهُ تعالى بعبادتهِ وحده، ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾: يعني ولا تَسْعَوا في الأرض بالإفساد.
الآية 77 الآية 78: ﴿ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ﴾: أي فذَبحوا الناقة - استخفافاً منهم بوعيد صالح، ﴿ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾: يعني واستكبروا عن الامتثال لأمر ربهم، ﴿ وَقَالُوا ﴾ على سبيل الاستهزاء واستبعاد العذاب: ﴿ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾: يعني إن كنتَ مِن رسل اللهِ كما تقول، ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾: أي فأخذَت الذين كفروا الزلزلةُ الشديدة التي خلعتْ قلوبهم، وذلك مِن شدة الصيحة التي صاحها المَلَك ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ﴾ أي في بلدهم ﴿ جَاثِمِينَ ﴾: يعني رُكَبهم ملتصقة بالأرض، هالكينَ لم يُفْلِت منهم أحد.
- الآية 79: ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾: أي فانصرف صالح عن قومه - حينَ حَلَّ بهم الهلاك - ثم نظر إليهم وهم هَلكَى، ﴿ وَقَالَ ﴾ مُتحسراً على حالهم: ﴿ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ﴾ ﴿ وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾: أي وبَذَلْت لكم كل جهدي في النُصح، ﴿ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ فرددتم قولهم، وأطعتم كل شيطانٍ رجيم.
ويُلاحَظ أن الله تعالى ذكر جُملة: (رسالات ربي) في جميع القصص الماضية، إلا في قصة صالح عليه السلام، فإنه قال: (رسالة ربي)، ولَعَلّ الحكمة من ذلك - واللهُ أعلم - أن المقصود بكلمة (الرسالات) هي الأوامر والنواهي التي أَمَروا قومهم أن يفعلوها بعد التوحيد، لأنّ كل أمر هو رسالة، إلا في قصة صالح، فإنه قد حذرهم - في هذه السورة - من قتل الناقة فقط، فصارت كأنها رسالة واحدة.
الآية 80، والآية 81: ﴿ وَلُوطًا ﴾: أي واذكر - أيها الرسول - لوطًا عليه السلام ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾: يعني أتفعلون هذه الفعلة المنكرة التي بَلغتْ نهاية القبح والتي ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾: أي ما فعلها أحدٌ قبلكم من المخلوقين؟ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ﴾ تاركينَ ما أحَلَّه اللهُ لكم مِن نسائكم، ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ في المعاصي، لِتجاوُزكم لحدود اللهِ تعالى، إذ الإسرافُ لا يَقف صاحبه عند حَدّ.
الآية 82: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾: أي وما كان جواب قوم لوط حين أنكَرَ عليهم فِعلهم القبيح ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ﴾: أي أخرِجوا لوطًا وأهله ومَن تَبعَهُ من بلادكم، ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾: يعني إنهم أناسٌ يتنزهون عَمَّا نفعل.
الآية 83: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ﴾: أي فأنجى اللهُ لوطًا وأهله من العذاب، حيثُ أمره بمغادرة ذلك البلد ﴿ إِلَّا امْرَأَتَهُ ﴾ فإنها ﴿ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴾: يعني من الباقين في العذاب.
الآية 84: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ﴾: أي وعذَّبنا الكفار من قوم لوط بأن أنزلنا عليهم من السماء مطرًا من الحجارة، وقلبنا بلادهم، فجعلنا عالِيَها سافِلَها، ﴿ فَانْظُرْ ﴾ أيها الرسول ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾: يعني انظر كيف كان آخرُ أمر الذين اجترؤوا على معاصي اللهِ وكَذَّبوا رسله.
ورغم أنه كان من المتوقع أن يقول تعالى: ﴿ كَيْفَ كَانَت عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾، يعني يذكر كلمة: (كانت) بصيغة المُؤنث، لأنّ كلمة (عاقبة) مؤنثة، إلا أنه قال: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾، فجاءت كلمة: (كان) بصيغة المُذكر، فما السبب؟
والجواب أن كلمة (عاقبة) ليست مؤنثاً حقيقياً، بمعنى أنه يجوز أن تأتي مع فِعلٍ مُذَكَّر، مِثل قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفسِدين ﴾، كما يجوز أن تأتي مع فِعلٍ مُؤنَّث، مثل قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾، وكذلك كل ما كان تأنيثه غير حقيقي، فإنه يجوز أن يأتي بصيغة المُذَكَّر، مثل قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾.
[*] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُها في القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.
واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.