عرض مشاركة واحدة
  #63  
قديم 14-08-2021, 02:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله

سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*]

رامي حنفي محمود





تفسير الربع الثالث من سورة الأعراف بأسلوب بسيط



الآية 44، والآية 45: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ - بعد دخولهم فيها - ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا من النعيم الذي أعَدَّهُ لأهل طاعته، ﴿ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ﴾ من العذاب الذي أعَدَّهُ لأهل معصيته؟ ﴿ قَالُوا نَعَمْ ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾: أي فنادَى مُنادٍ بأعلى صوته بين أهل الجنة وأهل النار: ﴿ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: أي الذين كانوا يَصُدُّون الناس - ويَصُدُّون أنفسهم - عن اتباع طريق الله المستقيم، وهو الإسلام، ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾: أي ويطلبون أن تكون سبيل الله - وهي الإسلام - معْوَجَّة حتى لا يسلكها أحد، وحتى يجعلوا الشريعة تميل مع شهواتهم وميُولهم فتخدم أغراضهم، ﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾.

الآية 46: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾: يعني: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز عظيم يُقال له "الأعراف"، ﴿ وَعَلَى هذا ﴿ الْأَعْرَافِ رِجَالٌ قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، ينتظرون قضاء الله فيهم، ويرجون رحمته تعالى بهم، وهؤلاء الرجال ﴿ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ﴾: أي يعرفون أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم، كَبَيَاض وجوه أهل الجنة، وسَواد وجوه أهل النار، ﴿ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾: أي ونادى رجال الأعراف على أصحاب الجنة بالتحية ﴿ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾: يعني وأهل الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يرجون دخولها.


الآية 47: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾: يعني وإذا حُوِّلَتْ أبصار رجال الأعراف جهة أهل النار: ﴿ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.

الآية 48، والآية 49: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾: أي ونادى أهل الأعراف على رجالٍ من قادة الكفار في النار، يعرفونهم بعلاماتٍ خاصة تميزهم، فـ ﴿ قَالُوا لهم: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾: أي ما نَفَعَكم ما كنتم تجمعون في الدنيا من الأموال والرجال (للحروب)، وما نَفَعَكم تكبُّركم عن الإيمان وقَبول الحق.


ثم أشاروا إلى أُناسٍ من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يَستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: ﴿ أَهَؤُلَاءِ ﴾ الذين أدخلهم اللّه الجنة هم ﴿ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾: أي أقسمتم في الدنيا بأنهم لن يُكرمهم اللهُ تعالى، ولن يَرفع لهم قدْراً لأنهم فقراء ضعفاء؟، فلمَّا قال أصحاب الأعراف ذلك، قيل لهم: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يا أصحاب الأعراف فقد غُفِرَ لكم، و ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من عذاب الله، ﴿ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.


• واعلم أنّ بعض المفسرين قد فَسَّروا قوله تعالى: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ بأنَّ أصحاب الأعراف لَمَّا وَبَّخوا أهل النار بقولهم: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾، أقسَمَ أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم، فقالت الملائكة لأهل النار: (أهؤلاء - وأشاروا إلى أصحاب الأعراف - هم الذين أقسمتم يا أهل النار أن الله لن يدخلهم الجنة، وأنهم سيدخلون النار معكم؟)، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾.


الآية 50، والآية 51: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ - مُستغيثين بهم - ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا ﴾: أي صُبّوا علينا وأعطونا ﴿ مِنَ الْمَاءِ - وذلك لشدة عطشهم (بسبب حَرّ جهنم) -، ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام، فـ ﴿ قَالُوا لهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا ﴾: أي حَرَّم الشراب والطعام ﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا ﴾: أي الذين أعرَضوا عن الدين الذي أمرهم الله باتباعه، واستهزءوا به، واستبدلوه باللهو واللعب، (واعلم أن اللعب: هو العمل الذي لا يَجلِبُ دِرهماً للمعاش، ولا حسنةً للمَعاد، وأما اللهو: فهو كل ما يُشغِلُ الإنسانَ عمَّا يُكسِبُهُ خيراً أو يَدفع عنه ضرراً)، ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾: أي وخدعتهم الحياة الدنيا، وشُغِلُوا بزينتها عن العمل للآخرة، ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ ﴾: يعني فيوم القيامة نتركهم في العذاب المُوجع، وذلك ﴿ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾: أي كما تركوا العمل، ولم يستعدوا للقاء هذا اليوم، ﴿ وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾: يعني وبسبب إنكارهم لأدِلَّة اللهِ وبراهينه الواضحة، معَ عِلمهم بأنها حق.


• وقد ثبت أنَّ عبد الله ابن عمر شَرِبَ ماءً بارداً، فبَكى، فسُئِل: (ما يُبكيك؟)، فقال: (ذَكَرْتُ آيةً في كتاب الله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾، فعرفتُ أنّ أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل: ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾.


• واعلم أننا قلنا بأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ ﴾ أي نتركهم في العذاب، لأن الله تعالى قد أخبر عن نفسه فقال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾، وقال تعالى: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾، وعلى هذا فمِن الأخطاء الشائعة: قوْل بعض الناس - إذا ماتَ لهم مَيِّت - : (ربنا افتكره) أو (افتكاره رحمة)، وذلك على حَدّ قوْلهم.


الآية 52، والآية 53: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ ﴾: أي ولقد جئنا الكفار بقرآنٍ أنزلناه عليك أيها الرسول، وهذا القرآن قد ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾: أي بَيَّنَّا فيه جميع الأشياء التي يحتاج إليها الخلق، وذلك ﴿ عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وبما يَصلح لهم وما لا يَصلح، (وليس تفصيلُهُ تفصيلَ غير عالمٍ بالأمور، فيَجهل بعض الأحوال فيَحكم حُكماً غير مناسب، بل هو تفصيلُ مَن أحاطَ عِلمُهُ بكل شيء، وَوَسِعَتْ رحمته كل شيء)، وقد جعلنا هذا القرآن ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.

• ثم أنكَرَ تعالى على أهل مكة عدم مُسارعتهم إلى الإيمان، بعد أن جاءهم هذا الكتاب المُفَصّل، فقال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾: يعني هل ينتظر الكفار إلا ما وُعِدوا به في القرآن من العقاب الذي يَؤول إليه أمرهم يوم القيامة، وساعتها سيؤمنون؟! ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾: يعني يوم يأتي هذا العقاب الذي يَؤول إليه أمرهم: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ﴾: أي يقول الكفار الذين تركوا القرآن، وكفروا به في الحياة الدنيا: ﴿ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾: أي قد تبيَّن لنا الآن أنَّ رُسُل ربنا قد جاؤوا بالحق ونصحوا لنا، ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا عند ربنا، ﴿ أَوْ نُرَدُّ إلى الدنيا مرة أخرى ﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: أي أهلكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حينَ كان في إمكانهم أن يجعلوها تفعل الخير الذي سيؤدي بهم إلى الجنة)، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً من شفاعة آلهتهم لهم يوم القيامة.


الآية 54: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ أيها الناس - الذي يجب أن تعبدوه وحده - هو ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾: أي عَلا وارتفع على العرش (استواءً يليق بجلاله وعظمته)، ودَبَّرَ الممالك، وأجْرَى عليها أحكامه الكونية، فـ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾: يعني يُدخِلُ سبحانهُ الليلَ على النهار، فيُلبِسَهُ إيَّاهُ حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل فيُذهِب ظلامه، ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾: يعني وكل واحد منهما يَطلب الآخر طلباً حَثيثاً - أي سريعا - (إذِ الحَثّ: هو الإعجال والسرعة)، فيَطلبه سريعاً حتى يُدركه، فكلما جاء الليل: ذهب النهار، وكلما جاء النهار: ذهب الليل، وهكذا أبداً على الدوام، حتى يَطوي اللّهُ هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار.


﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ خلقهنَّ سبحانه، وجعلهنَّ ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾: أي مُذلَّلاتٍ له، يُسَخِرهنَّ سبحانه كما يشاءُ ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾: أي بتدبيره الدالّ على ما له مِن أوصاف الكمال (إذ إنّ عظمة هذه المخلوقات: دالّةٌ على عظمة خالقها وكمال قدرته)، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام: دالٌّ على كمال حِكمته)، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه: دالٌّ على سِعَة رحمته بالخلق، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ ﴾: أي له سبحانهُ صفة الخَلق التي صدرتْ عنها جميع المخلوقات، فجميع المخلوقات ملكٌ له سبحانه، ﴿ وَالْأَمْرُ ﴾: أي وله الأمرُ وحده، يَحكم ما يشاء ويَفعل ما يريد، فلا خالقَ إلا هو، ولا آمرَ ولا ناهِيَ غيره (فالخَلق: يتضمن أحكامه الكونية والقدَريَّة، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية والشرعية)، ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أي عَظُمَتْ قدرته، وكَثُرَ خيره وفضله، (فتباركَ سبحانه في نفسه لِعظمة أوصافه وكمالها، وباركَ في غيره بإنزال الخير الكثير).


الآية 55: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ تَضَرُّعًا ﴾: أي تذلُّلاً وخشوعاً ﴿ وَخُفْيَةً ﴾: أي سرًّا، غير رافعين أصواتكم بالدعاء، ولْيَكُن دعاؤكم بحضورِ قلبٍ وإخلاص وبُعْدٍ عن الرياء، فـ ﴿ إِنَّهُ تعالى ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين حدودَ شَرْعِه، وأعظم التجاوُز: الشِرك بالله، كدعاء غير الله من الأموات والأوثان، ونحو ذلك.


الآية 56: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا أي بعد إصلاح اللهِ لها بِبَعث الرُسُل، وبعد عُمْرانها بطاعة الله تعالى، (﴿ وَادْعُوهُ سبحانه ﴿ خَوْفًا مِن عقابه ﴿ وَطَمَعًا في ثوابه، (وفي هذا رَدٌّ على مَن يَزعمون أنهم لا يعبدون اللهَ طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، فقد أمرَ اللهُ تعالى عباده بدعائه خوفاً وطمعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو خيرُ الخلق - يقولُ في دعائه: (اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل))، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما سألَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ الجنة ثلاثاً، إلا قالت الجنة: (اللهم أدْخِله الجنة)، ولا استجارَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ من النار ثلاثاً، إلا قالت النار: (اللهم أجِرْهُ مِنِّي)) (انظر صحيح الجامع حديث رقم: 5630).


﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الذين يُحسنون أعمالهم ونِيَّاتِهِم، وذلك بمراقبتهم للهِ تعالى في كل أحوالهم، ومِن ذلك إحسان الدعاء بإخلاصه وإتقانه، (واعلم أن الإحسانُ - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مُسلِم - : "أنْ تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ، فإنه يَراك"، وذلك بأن يتق العبدُ رَبَّهُ قدرَ ما يستطيع، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، فكلما كان العبدُ أكثرَ إحساناً، كلما كان أقرب إلى رحمة ربه).


• ورغم أنه كان من المُتوقَّع أنيَذكر الله تعالى كلمة (قريب) بصيغة المُؤنَّث، فيقول مثلاً: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌة مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، لأنها جاءت مع كلمة (رحمة) المؤنثة، إلا أنها جاءت بصيغة المُذكَّر، وأحسن ما قِيلَ في ذلك أنَّ كَلِمَتَي (قريب وبعيد) إذا جاءا مع النَسَب والقَرابة، فإنه يَجب تذكيرهما مع المُذكَّر وتأنيثهما مع المُؤنَّث، مِثل: (زيد قريب عمر، وعائشة قريبة بكر)، وأما إذا جاءا مع غير النسب والقرابة، فإنه يجوز أن يأتيا بصيغة المُذكَّر كما يجوز أن يأتيا بصيغة المُؤنَّث، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾، فذكَرَ لفظَي (قريب وبعيد) بصيغة المُذكَّر مع أنّ الوصف كان لِمُؤنَّث، وذلك لأنهما جاءا مع غير النسب والقرابة.


الآية 57: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾: يعني واللهُ تعالى هو الذي يُرسل الرياح الطيبة التي تبشر الخلق بقرب نزول رحمة الله (وهي المطر، الذي تثيره الرياح بإذن الله تعالى)، ﴿ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا ﴾: يعني حتى إذا حَمَلت الريحُ السحابَ المُحَمَّل بالمطر: ﴿ سُقْنَاهُ ﴾: أي سُقنا السحاب ﴿ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ قد جَفَّتْ أرضُهُ و أشجاره وزَرْعُه، ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني كما نُحيي هذا البلد الميت بالمطر: ﴿ نُخْرِجُ الْمَوْتَى من قبورهم أحياءً بعد موتهم، وقد أراكُمُ اللهُ تعالى هذا الفِعل (وهو إحياء الأرض بالماء) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾: أي لعلكم تتعظون، فتستدلوا على قدرة اللهِ تعالى على البَعث، فإنَّ القادر على إحياء مَوَات الأرض: قادرٌ على إحياء مَوَات الأجسام، فبذلك توقنون بلقاء ربكم، وتستعدون له بالاستغفار والعمل الصالح.


الآية 58: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾: يعني والأرض الطيبة النقية إذا نزل عليها المطر: تُخْرج نباتًا طيبًا عظيم النفع (وذلك بإذن اللهِ ومشيئته)، وكذلك المؤمن صاحب القلب الحي الطيب، إذا سمع ما يَنزل من الآيات: يَزداد إيمانه وتَكثر أعماله الصالحة، ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾: يعني وأمَّا الأرض الرديئة فإنها لا تُخرج النبات إلا رديئاً قليلاً، لا نفعَ فيه، وكذلك الكافرُ لا ينتفعُ بآيات الله تعالى، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني مِثل ذلك التنويع البديع في ضَرْب الأمثال: ﴿ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾: أي نُنوِّع الحُجَج والبراهين لأُناسٍ يشكرون نِعَمَ الله تعالى ويطيعونه، إذِ الشاكرون هُمُ المنتفعون بهذه الآيات التي فصَّلها اللّهُ في كتابه، لأنهم يَرونها مِن أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيَتلقونها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها، فيُبَيِّن اللهُ لهم مِن مَعانيها، فيَزدادون بها يَقيناً، وأما الكافرون الجاحدون فإنهم لا ينتفعون بها، لأنّ قلوبهم خبيثة غافلة مُعرِضة، ليستْ أهلاً لدخول آيات اللهِ فيها.



[*] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُها في القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.

واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.37 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]