عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-08-2021, 09:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,106
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإعراض عن تعلم الإيمان

الإعراض عن تعلم الإيمان
أحمد بيومي




ومن أخطر مفاسد الإعراض؛ التلفيق: وهو الجمع بين مختلِفٍ من المذاهب والاتجاهات العقدية في إطار واحد على غير أساس علمي، بل عن هوى أو جهلٍ بأصولها والفروق بينها، ويكون التلفيق في كثير من صوره ثمرة من ثمار الجهل بأصول الإيمان أو التقليد على غير بينة، فلا يميز الملفِّق بين حقائق المقالات الاعتقادية والأسس التي تنطلق منها، فيجعلها سواءً، أو يلفق بينها ليخرج بمذهب جديد، لا يرضاه أصحاب المذاهب الملفَّق بينها أنفسهم في غالب الأمر.



وإذا كان الاختلاف وقع بين الفقهاء في جواز التلفيق في مسائل الفروع بين المذاهب الفقهية من عدمه، فإن التلفيق في مسائل الاعتقاد لا يرضاه أحد من العلماء المعتبرين، إذ إن الصواب بينها واحدٌ لا يتعدد والحق فيها واحدٌ لا يتجزأ، يقول الزركشي (ت 794هـ): " والمسائل قسمان: عقلية وغير عقلية، أما العقلية: فالمصيب فيها واحدٌ "[28]، ويقصد بالعقلية مسائل الإعتقاد، والأولى جعلها أصولًا كما قال السمعاني ت 489هـ: " واعلم أن الأحكام ضربان: عقلى وشرعى، والأولى أن يُقال: أصول وفروع، فأما أصول الدين فالحق في قول واحد منهما، والثانى باطل قطعًا "[29]، ونقل الإجماع على ذلك غير واحد، يقول ابن اللحام ت 803هـ: " مسألة: الإجماع على أن المصيب فى العقليات واحد، وأن النافى ملة الإسلام مخطىء آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد"[30]، إلا ما حُكي عن عبيد الله العنبري أن الاجتهاد في الذين تجمعهم الملة الواحدة كله حق وصواب، قال الجصاص (ت 370هـ): " وهذا مذهب فاسد ظاهر الانحلال "، ناقشه بأنه يستحيل أن يخاطب الله ورود النص بتكليف بعض الناس القول بالقدر، وآخرين القول بالجبر، وبتكليف بعضهم القول بالتنزيه، وآخرين القول بالتشبيه، وكذلك سائر ما اختلف فيه أهل الملة من صفات الله تعالى وأسمائه، لتناقض القول به، واستحالته، ومن جهة أخرى: إن القائلين بهذه المذاهب من أهل الملة على اختلافهم فيها، متفقون قبل عبيد الله بن حسن على إيجاب التأثيم والتضليل بالخلاف فيها، فمن صوب الجميع من المختلفين فهو خارج عما انعقد به إجماع الجميع[31].



وهذا يؤكده قول الله تعالى: ﴿ فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32]، وقد أشار القرطبي (ت 671هـ) لوجه المعنى المستفاد من الآية فقال: " قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد؛ لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]، وقوله عليه السلام: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات "، والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها، وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها "[32].



وهذا لا يعني أن مسائل الأصول كلها من القطعيات التي لا تحتمل الظن، بل فيها من المتشابهة الذي يمتنع معه القطع، لكن هذا المنع قدري لا شرعي، فالاختلاف في تلك المسائل لا ينفي أن الحق فيها واحد كما يؤكد الشاطبي ت 790ه بقوله: " أما مسألة المتشابهات؛ فلا يصح أن يُدّعى فيها أنها موضوعة في الشريعة قصد الاختلاف شرعًا؛ لأن هذا قد تقدم في الأدلة السابقة ما يدل على فساده، وكونها قد وضعت؛ ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42]، لا نظر فيه؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ [هود: 118-119]؛ ففرق بين الوضع القدري الذي لا حجة فيه للعبد - وهو الموضوع على وفق الإرادة التي لا مرد لها - وبين الوضع الشرعي الذي لا يستلزم وفق الإرادة، وقد قال تعالى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، وقال: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 26].



ومر بيانه في كتاب الأوامر؛ فمسألة المتشابهات من الثاني لا من الأول، وإذا كان كذلك؛ لم يدل على وضع الاختلاف شرعًا، بل وضعها للابتلاء؛ فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في اتباع أهوائهم، ومعلوم أن الراسخون هم المصيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات علموها أو لم يعلموها، وأن الزائغين هم المخطئون؛ فليس في المسألة إلا أمر واحد، لا أمران ولا ثلاثة، فإذا لم يكن إنزال المتشابه عَلَما للاختلاف ولا أصلا فيه، وأيضا لو كان كذلك لم ينقسم المختلفون فيه إلى مصيب ومخطئ، بل كان يكون الجميع مصيبين؛ لأنهم لم يخرجوا عن قصد الواضع للشريعة؛ لأنه قد تقدم أن الإصابة إنما هي بموافقة قصد الشارع، وأن الخطأ بمخالفته، فلما كانوا منقسمين إلى مصيب ومخطئ دل على أن الموضع ليس بموضع اختلاف شرعًا "[33].



فهذا أول وجوه فساد التلفيق، ثم إن القرآن قد أشار لذم المنهجية التلفيقية في التعامل مع المسائل، والتي تهون من الخلاف وتبحث في حلول وسط لا تُنصف الحق ولا تقتص من الباطل، فهؤلاء أشبه الناس بمن كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين الذين أرادوا رفع الخلاف بالجمع بين عبادة الله وعبادة الأصنام، فاخترعوا قسمة زمانية لعبادة الله عامًا وعبادة آلهة المشركين عامًا بعده، أو تلفيقية بالاجتماع على عبادة الله وسائر الآلهة معًا، وذلك حين لقي الوليدُ بن المُغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأميَّة بن خلف رسول الله فقالوا: يا محمد! هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنـزل الله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ حتى انقضت السورة[34].



أو أولئك اليهود والنصارى الذين قالوا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض، كما قال الله فيهم: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 150]، يقول ابن عطية ت 542هـ: " وقوله ﴿ بَيْنَ ذلِكَ ﴾ أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقًا، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد "[35].



أو أولئك المنافقين الذين أخبر الله عن إعراضهم عن التاحكم لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم بحلِفهم: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ [النساء: 62]، وذلك على تفسير من قال أن المنافقين " اعتذرواْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاكمتهم إلى غيره بأن قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم، وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق "[36].



وأمثال هؤلاء يكثر ظهروهم مع كل احتدام بين الحق والباطل والصواب والخطأ والسنة والبدعة، يدفعهم جمع الكلمة بحسن نية إن كانوا جهالًا أو بسوء طوية إن كانوا ضُلّالًا إلى اتخاذ موقف وسط بين المقالتين، كما وقع من محاولة التلفيق بين السنية والجهمية في مسألة خلق القرآن في زمان الإمام أحمد (ت 241هـ)، إما باختراع مسألة اللفظ بالقرآن كصورة توفيقية أو الوقف عند " القرآن كلام الله "، بلا خوضٍ في مخلوقيته من عدمها، فلم يتساهل معهم أئمة السنة في زمانهم، بل عدّهم البعض شرًا من الجهمية، لأن الوقف أصبح ردْءًا تستتر به البدعة لتعيد التسلل في ثوب جديد والتموضع بعد أن قمعها أهل السنة، لذا لما سئل الإمام أحمد: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله ويسكت؟ قال: " ولم يسكت؟ قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟ "[37]، فهم بين جهمي مستتر ببدعته أو جاهل مُرّرٌ للبدعة بوقفه، فلما لما سئل عن اللفظية، والواقفة، فقال: " من كان منهم جاهلًا ليس بعالم فليَسأل وليتعلم "، وقال أيضًا عنهما: " من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة أخرى هم شر من الجهمية "[38].



وهذا يشير إلى حساسية الكلام في مسائل الاعتقاد وخطورة التهاون فيها، وتشدد السلف مع المواقف المداهنة وعدم التماهي معها، وذلك عن علم بأصول الإيمان وإدراك لحقيقة الأقوال المخالفة، وبصيرة نافذة بمحاولات أصحابها لإيجاد موضع قدم ينفذون منه لتحريف العقيدة، ورداؤهم في ذلك الكثير من الجهال الذين يعرضون عن العلم فلا يميزون.



فأما اللفظية: فقد فسر أبو عثمان الصابوني (ت 449هـ) تسمية الإمام أحمد لهم بالجهمي، فقال: " وإنما قال ذلك لأن جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وأدرجوه في هذا القول بذي اللباس لئلا يُعد في زمرة الجهمية، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد رحمه الله جهمية، وحكى عنه أيضًا أنه قال: اللفظية شر من الجهمية "[39]، وربما كان السِتار الذي تسللوا من خلاله هو اختلاف أهل الحديث بينهم في المسألة على دقتها وصعوبة تصورها، لذا يقول ابن قتيبة (ت 276هـ): " وإنما اختلفوا - يقصد بعض أهل الحديث - في فرع لم يفهموه لغموضه ولطف معناه، فتعلق كل فريق منهم بشعبة منه، ولم يكن معهم آلة التمييز ولا فحص النظارين، ولا علم أهل اللغة.. "[40].



وأما الواقفة: فقد أبصر بخطرهم الدارمي (ت 280هـ) حيث أدرك أن ما وراء وقفهم تمرير البدعة، فقال في الرد عليهم: " ولكن تستترون من الافتضاح به مخافة التشنيع، وجعلتم أنفسكم جُنةً ودلسة للجهمية عند الناس، تصوّبون آراءهم وتحسنون أمرهم وتنسبون إلى البدعة من خالفهم "[41]، وأدرك أن فريق من جهلة أهل الحديث أصبحوا بابًا يتسلل منه هؤلاء الجهمية متشفعين بجهل بعض أهل الحديث ووقفهم في المسألة، فقال: " وكان من أكبر احتجاجهم علينا في ذلك أن قالوا: إن ناسًا من مشيخة رواة الحديث الذين عرفناهم عن قلة البصر بمذاهب الجهمية سئلوا عن القرآن، فقالوا: لا نقول فيه بأحد القولين، وأمسكوا عنه إذ لم يتوجهوا لمراد القوم؛ لأنها كانت أغلوطة وقعت في مسامعهم لم يعرفوا تأويلها، ولم يبتلوا بها قبل ذلك، فكفوا عن الجواب فيه وأمسكوا "[42].



فكذا الجهل بأصول الدين مضيّع للدين سيما إن كان من المتصدرين، ويتأكد إن كان فيهم غفلة عن سُبُل المجرمين، الذين لا يألون جهدًا في البحث عن ثغرات يتسللون منها، ولا أفضل من الجهل والغفلة بابان ينفُذ منهما هؤلاء، لذا جاء القرآن ممتنًا على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بتفصيل سبيل المجرمين كما فصل لهم قبل سبيل المؤمنين، فقال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55]، يقول ابن القيم (ت 751هـ): " فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفّرَ من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها "[43].



ثم إن الشريعة وإن كانت تؤكد دائمًا على التمسك بالأمر والنهي وتحذر من المخالفة، إلا أنها لم تتهاون لحظة في مسائل الإيمان مع أي إلتفاف خفيف، ولم تعط تتساهل مع أي إنحراف طفيف، بل جاءت بالوعيد الشديد لرأس الأمة المسلمة وسيد ولد آدم على " الشيء القليل " من الركون لدعوات المشركين، وهو المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، لكن تبيهًا لمن هو دونه صلى الله عليه وسلم، وتحذيرًا مما هو أعظم من الأشياء، قال عز وجل: ﴿ وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 73-75]، وكذا لم تتسامح الشريعة لحظة في أدق تغيير، أو أيسر تقصير في بلاغ الرسالة كاملة كما أنزلت على خير البشر، وهو المعصوم عن ذلك، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم؟!، يقول عز وجل: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ [الحاقة: 44-46].



وإنما تتغير معالم الدين وتتبدل حدوده بفعل هذا التلفيق الذي ينظر للمسائل بنظرة النسبية التي ترى في المقالات كلها وجهًا من الصواب والخير فيعمد إلى التلفيق بينها، يحدُو أصحابها في ذلك رغبتهم في جمع الكلمة ونُفرَتهم من الفرقة وتحسّرهم على واقع الأمة المؤسف، فيزيدون الطين بلة، إذ في تلفيقهم زيادة تشويه للدين وطمس لما تبقى من معالمه، وما ذلك إلا ثمرة إعراض الكثيرين عن الأصول علمًا وعملًا، ولو أنهم وقفوا مع الصواب بنقائه لاشتد عزمه وقوي ساعده لكنهم أكثر عونًا للباطل وأضمن لبقائه، فلا تنقطع سلسلة الانحرافات ولا يتوقف مسلسل التنازلات.



وكان من آثار هذا التلفيق أن وجدت المدارس الكلامية الفلسفية موطئ قدم لها في البيئة التعليمية الإسلامية، بعد أن كانت مقموعة بين الناس، حتى فرض بعض المنتسبين لها أنفسهم مكونًا رئيسًا ضمن مذهب أهل السنة بعد أن لفقوا بين مقالات السلف ومناهج المتكلمة، فتحول مصطلح أهل السنة الذي كان علامة على أهل الحديث، إلى مصطلح ثالوثي يضم أتباع المدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية الكلاميتين، وأهل الحديث على استحياء.



ومن آثاره ظهور دعوات التقريب بين الإسلام والفلسفة، والتقريب بين السنة والشيعة، ومع كل ما هو طارئ من الأفكار والمذاهب؛ كالإشتراكية والإسلام، أو الرأسمالية والإسلام أو الليبرالية والإسلام أو الديمقراطية والإسلام، والداروينية والإسلام، وأخيرًا ولعله ليس آخرًا دعوات التقريب وحوار الأديان، ثم التوحيد بينها، وتلفيق دين إبراهيمي يجمع أتباع الديانات السماوية.



وأخيرًا أصبح ما يُسمى بالقاعدة الذهبية التي أطلقها محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) وأشهَرها حسن البنا (ت 1368هـ): " نتعاون على ما نشترك فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه "[44]، شعارًا يردده الكثيرون، للترحيب بكل ما هو جديد من الأفكار والمذاهب، والدعوة لتنحية الدين جانبًا، والتعاون على قاعدة المصالح المشتركة أو المتبادلة وفيما هو مثمر وبناء.





[1] مفتاح دار السعادة ص1/ 156.




[2] شرح العقيدة الطحاوية ص17.




[3] رسالة في أصول الدين ص7.




[4] رسالة في أصول الدين ص15.




[5] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ص 1/ 152.




[6] سنن ابن ماجة: 61.




[7] التفسير من سنن سعيد بن منصور ص1/ 206.




[8] الإيمان لابن منده: 207، المستدرك للحاكم: 101، السنن الكبرى للبيهقي: 5290.




[9] مجموع الفتاوى ص467/12.




[10] الرازي في تفسير الآية [الأنبياء: 24].




[11] ابن كثير في تفسير الآيات [النمل: 84-85].




[12] كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ص4/ 330.




[13] سنن ابن ماجة: 42، مسند أحمد: 17144.




[14] صحيح مسلم: 17 - (1718)، سنن ابن ماجة: 14، مسند أحمد: 26033.




[15] جامع العلوم الحكم ص2/ 128.




[16] الطرق الحكمية ص1/ 147.




[17] طريق الهجرتين ص1/ 413.




[18] السعدي في تفسير الآية [لقمان: 13].




[19] صحيح البخاري: 4477، صحيح مسلم: 141 - (86)، مسند أحمد: 4102.




[20] ابن كثير في تفسير الآية [الأنعام: 88].




[21] إغاثة اللهفان ص1/ 60.




[22] مدارج السالكين ص1/ 379.




[23] بدائع الفوائد ص2/ 31.




[24] الأجوبة الفاخرة ص53.




[25] صحيح مسلم: 16 - (2674)، سنن أبي داود: 4609، مسند أحمد: 9160.




[26] قواطع الأدلة في الأصول ص2/ 385.




[27] مجموع الفتاوى ص22/ 17.




[28] تشنيف المسامع بجمع الجوامع ص4/ 584.




[29] قواطع الأدلة في الأصول ص2/ 307.




[30] المختصر في أصول الفقه ص164.




[31] انظر الفصول في الأصول ص4/ 375-383.




[32] القرطبي في تفسير الآية [يونس: 32].




[33] الموافقات ص 5/ 71.




[34] انظر: الطبري في تفسير الآية [الكافرون: 1].




[35] ابن عطية في تفسير الآية [النساء: 150].




[36] الماوردي في تفسير الآية [النساء: 62].




[37] السنة لأبي بكر بن الخلال ص2/ 132.




[38] السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ص1/ 179.




[39] عقيدة السلف أصحاب الحديث ص172.




[40] الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ص57.




[41] الرد على الجهمية ص 193.




[42] الرد على الجهمية ص 193.




[43] الفوائد ص109.




[44] يقول محمد رشيد رضا في مجلة المنار ص17/ 188: " إن القاعدة الصحيحة للاتفاق هي قاعدة المنار الذهبية التي دعا إليها المختلفين في المذاهب والأجناس من المسلمين، والمختلفين في الأديان والأجناس من العثمانيين، وهي: (نتعاون على ما نشترك فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه)، وقد شرحناها غير مرة ولكن كثيرًا من الناس لا يحبون الوفاق ".

ويقول أيضًا ص17/ 955: " إن لنا في هذه الأيام أفضل فرصة لإقناع أبناء جنسنا ووطننا، بما نتحدث به دائمًا فيما بيننا من حسن نيتنا، ورغبتنا في الاتفاق معهم على كل ما فيه مصلحتنا المشتركة بيننا وبينهم على قاعدة المنار الذهبية: (نتعاون فيما نشترك فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) ونحن متفقون في اللغة وفي مصالح البلاد الزراعية والصناعية والتجارية والاجتماعية، فنتعاون على ذلك بغاية الإخلاص، ويعذر بعضنا بعضًا في أمر الدين ".


ثم يقول ص22/ 617: " فهلموا ننشئ مدرسة وطنية جامعة ونجعل في جانب منها مسجدًا، وفي جانب آخر كنيسة، فإن التربية لا تكمل بغير فضيلة، والفضيلة لا تكمل بغير دين، وفي كل من الدينين الإسلامي والمسيحي فضائل كافية، وهي في الأكثر متفقة أو متقاربة، فليُربِّ كل فريق منَّا أولاده على عبادات دينه وفضائله، ومحبة وطنه والتعاون على ترقيته، على قاعدة المنار الذهبية: (نتعاون على ما نشترك فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) فنحن مشتركون في أرض هذا الوطن وفي جميع مصالحه الاقتصادية والسياسية ومشتركون في اللغة، فنتعاون على ترقية ذلك بجميع فروعه ولسنا مختلفين إلا في الدين ومذاهبه، فيعذر كل منا الآخر فيه. "















__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.17 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]