سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*]
رامي حنفي محمود
تفسير الربع التاسع من سورة الأنعام بأسلوب بسيط
الآية 141: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ ﴾: يعني واللهُ سبحانه وتعالى هو الذي أوجَدَ لكم بساتين، منها ما هو مرفوع عن الأرضكالأعناب، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾: يعني ومنها ما هو غير مرفوع، ولكنه قائمٌ على ساقِهِ كالنخل والزرع، ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾: أي متنوعًا في طعمه، ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا ﴾ في ورقه وشجره، ﴿ وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ في لونه وطعمه، ﴿ كُلُوا ﴾ أيها الناس ﴿ مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ ﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾: يعني وأعطوا زكاته - المفروضة عليكم - يوم حصاده، ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾: أي ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في إخراج المال وأكل الطعام وغير ذلك ﴿ إِنَّهُ ﴾ تعالى ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ المتجاوزين حدوده، بإنفاق المال في غير موضعه.
الآية 142: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً ﴾: يعني واللهُ سبحانه هو الذي أوجَدَ لكم من الأنعام ما هو مُهيَّأ للحمل عليه، لارتفاعه عن الأرض كالإبل، ﴿ وَفَرْشًا ﴾: يعني ومنها ما هو غير مُهيَّأ للحمل عليه، لِصِغَره وقُرْبِه من الأرض كالبقر والغنم، ﴿ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾: أي كلوا مما أباحه الله لكم وأعطاكُمُوه من هذه الأنعام، ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ في تحريم ما أحَلَّه الله من هذه الأنعام كما فعل المشركون، ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾: أي إن الشيطان لكم عدوٌ ظاهر العداوة.
الآية 143، والآية 144: ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾: يعني وهذه الأنعام التي رزقكم الله بهاهي ثمانية أصناف، فأما الأربعة أصناف الأولى فهي: ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾: أي صِنفين من الضأن (وهم الذكور والإناث)، ﴿ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾: أي وصنفين من المعز (وهم الذكور والإناثً)، ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لأولئك المشركين: ﴿ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾؟: يعني هل حَرَّم الله أكْل الذَكَرَين من الغنم (ذَكَر الضأن وذكر الماعز)؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا في ذلك، لأنهم لا يُحرمون كُلَّ ذكر من الضأن والماعز، وقل لهم: هلحَرَّم الله أكل الأنثَيَيْن من الغنم (أنثى الضأن وأنثى الماعز)؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا، لأنهم لايُحرمون كُلَّ أنثى مِن الضأن والماعز، ﴿ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾؟: يعني وقل لهم: هل حَرَّم الله ما بداخل أرحام الأنثَيَيْن (من الضأن والماعز) مِن الحَمْل؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا،لأنهم لا يُحرمون كُلَّ حَمْل مِن ذلك، ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾: يعني أخبروني بعلم يدل على صحة ما ذهبتم إليه ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيما تنسبونه إلى ربكم.
• وأما الأربعة أصناف الأخرى فهي: ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ﴾: أي صنفين من الإبل (وهم الذكور والإناثً)، ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ﴾: أي وصنفين من البقر) وهم الذكور والإناثً) ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾؟: يعني هل حَرَّم الله الذكرين من الإبل والبقر أمالأنثَيَيْن منهما؟ أم حَرَّم ما بداخل أرحام الأنثَيَيْن من الحَمْل؟ ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا ﴾؟: يعني أم كنتمأيها المشركون حاضرين حين وَصَّاكم الله بهذا التحريم للأنعام؟ ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾: أي فلا أحد أشد ظلمًاممن اختلق على الله الكذب ﴿ لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾: أي لِيَصرف الناس بجهله عن طريق الهدى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾: يعني إن الله لا يوفق للرشد مَن تجاوز حدَّه، فكذب على ربه وأضلَّ الناس.
الآية 145: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول: ﴿ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾: يعني إني لا أجد فيما أوْحَى اللهُ إليَّ شيئًا مُحرَّمًا على مَنيأكل من هذه الأنعام التي حَرّمتموها ﴿ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾: يعني إلا أن يكون قد مات بغير ذبح شرعي، (باستثناء مَيْتة السمك ومَيْتة الجَرَاد، فإنه يَحِلّ أكْلُهما، كما ثبت ذلك في السُنَّة)، وقد ثبت في السُنَّة أيضاً- بعد نزول هذه الآية - تحريم الكلاب والحِمار الأهلي (وهو الحمار المُستأنَس الذي يعيش بين الناس ويَحمل أثقالهم)، وكل ما له أنياب من السِباع (كالأسد والذئب)، وكل ذي مخْلَب من الطير (كالصقر والنسر).
﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾: يعني أوأن يكون دمًا سائلاً مُراقًا فإنه يَحْرُمُ شُرْبه، (أما الدم غير المُراق، كالذي يختلط باللحم، أو الذي يكون في المخ والعروق وما شابَه: فإنه لا شيء فيه)، ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾: يعني أو أن يكون لحم خنزير فإنه نجس، يَحْرُمُ أكله، ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾: يعني أو الذي ذُبِحَ - خروجًا عنطاعة الله تعالى - كالمذبوح الذي قد ذُكِرَ عليه - عند ذبْحه - اسمُ غير الله تعالى، فإنه يَحْرُمُ أكله أيضاً، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾: أي فمَن ألجأتْه الضرورة إلى الأكل من هذه المُحرمات بسبب الجوع الشديد، بشرط أن يكون غيرَ طالبٍ للمُحَرّم لِلتلذذ به، ولا مُتجاوز - في أكلِهِ - ما يَسُدّ حاجته ويرفع اضطراره: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ ﴾ له، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ به، حيث رَخَّصَ له في أكل تلك المُحرمات عند الضرورة حتى لا يموت.
الآية 146: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾: يعني وقد حَرَّمنا على اليهود: كل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير (كالإبل والنَّعام)، ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾: يعني وكذلك حَرَّمنا عليهم شحوم البقروالغنم ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾: يعني إلا الشحم الذي عَلِق بظهورها فإنه حلالٌ لهم، ﴿ أَوِ الْحَوَايَا ﴾: يعني وكذلك الشحم الذي عَلِق بأمعائها، ﴿ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾: يعني وكذلك الشحم الذي اختلط بعظم الجنب ونحو ذلك، ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ﴾: يعني ذلك التحريم - المذكور على اليهود - كان عقوبة مِنَّا لهم بسببأعمالهم السيئة، ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ فيما أخبرنا به عنهم.
الآية 147: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾: يعني فإن كَذَّبك أيها الرسول مُخالِفوك من المشركين واليهود وغيرهم: ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم: ﴿ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ بعباده المتقين التائبين، ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾: يعني ولا يُدْفع عقابه عن القوم الذين أجْرَموا بالشرك والمعاصي ولم يتوبوا من ذلك، (وفي هذا تهديدٌ لهم لمخالفتهم للرسول صلى الله عليهوسلم).
الآية 148: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ - جهلاً منهم بحكمة ربهم وبسُنَّتِهِ في كَوْنِه، مِن هدايةمَن اتَّبع أسبابالهدى، وإضلال مَن اتَّبع أسباب الضلال -: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ ألاَّ نُشرك به، وألاَّ نُحرم شيئاً من عند أنفسنا: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ نحن ﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾، فرَدَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ﴾: أي بمِثل هذه الشُبهة، قدأثارها الكفار مِن قبلهم، وكذَّبوا بها دعوة رسلهم، واستمَرُّوا على ذلك، حتىنزل بهم عذاب الله، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾؟: يعني هل عندكم - فيما حَرَّمتم من الأنعاموالحرث، وفيما زعمتم مِن أنّ الله قد شاء لكم الكفر، ورَضِيَهُ منكم وأحَبَّهُ لكم - مِنعِلمٍ صحيح فتُظهِروهُ لنا؟ ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ في أمور هذا الدين ﴿ إِلَّا ﴾ مُجَرَّد ﴿ الظَّنَّ ﴾ وما عندكم مِن علمٍ أو دليل على قولكم، ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾: أي وإن أنتمإلا تَكذبون.
• وعلى هذا نقول لِكُلّ مَن يُصِرّ على معصية الله تعالى - ويَحتجّ بأن الله هو الذي قدَّرَ عليه ذلك -: (أخي الحبيب، أنت لا تعلم ما الذي كتبه الله لك، فأنت مأمورٌ فقط باتباع طريق الصالحين، واجتناب طريق المفسدين، كما قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾، فاللهُ تعالى قد أعطى كُلَّ مخلوقٍ قدرة وإرادة، يتمكن بها مِن فِعل ما كُلِّفَ به، فاتقِ اللهَ - أخي الحبيب - قدرَ استطاعتك، وإن وقعتَ في معصيةٍ ما، فأسرِع بالتوبة الصادقة الجازمة، ولا تحتجّ بالقدر.
الآية 149: ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد - بعد أن أبطلتَ شُبهتهم -: إن لم تكن لكم حُجَّة إلا مجرد إتباع الظن والهوى، ولا عِلم لكم ولا دليل: ﴿ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾: أي فلِلَّهِ تعالى الحُجَّة التامة على خلقه، بإرسال الرسل وتأييدهم بالمعجزات، وتبيينِهِ للتوحيد بالنظر في المخلوقات، وإنزال الكتب السماوية، التي خَتَمَها بالقرآن الكريم (المعجزة الخالدة إلى قيام الساعة).
• واعلموا أنّ الهداية للإيمان وقَبول الحق هي بيد الله وحده ﴿ فَلَوْ شَاءَ ﴾ سبحانه هدايتكم: ﴿ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ إلى طريق الاستقامة، وهو على ذلك قدير، وإنما سُنَّتَه في خلقه أن يُكلفهم - اختباراً لهم -، وأن يوضح الطريقَ لهم، وأن يقيم الحجة عليهم، فمَن اهتدى فلنفسه، ومَن ضل فعليها.
الآية 150: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ﴾: أي هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله تعالىهو الذي حرَّم ما حرَّمتم من الزرع والأنعام، ﴿ فَإِنْ شَهِدُوا ﴾ - كذبًا وزورًا -: ﴿ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾: يعني فلاتصدقهم أيها الرسول، ولا تُقِرّهُم على باطلهم، بل بَيِّنْ لهم بُطلانه، فإنهم شهداء زُور لا غير، ولا يَتَّبِعون في دَعاويهم إلا الأهواء، ولهذا قال تعالى له: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾: أي ولا توافق الذين حَكَّموا أهواءهم، فكذَّبوا بآيات الله، وذلك بتحريم ما أحَلَّهُ الله، وتحليل ما حَرَّمَهُ الله، ﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾: أي ولا تتبع الذين لا يُصدقون بالحياةالآخرة ولا يعملون لها، والذين هم بربهم يشركون، ويُساوونه بغيره في العبادة والتعظيم والمحبة والخوف.
[*] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُهافي القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.