عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 28-07-2021, 04:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,556
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القضايا الأساسية والصور البيانية في شعر محمود غنيم، من خلال ديوان "صرخة في واد"

مَا أَزْهَدَ الْمَرْءَ إِذَا لَمْ يَجِدْ
وَأَبْعَدَ الزُّهْدَ عَنِ الْوَاجِدِ"[48]


ثم يرى أنَّ الأرزاق تصل إلى أصحابِها، سواء زهد المرء في الدُّنيا أو لم يفعل، ويعرض بمن يظهر الخشية والورع مكرًا وخداعًا، وهو ما عبر عنه "بالورع الزائد" في قوله:
"سِيَّانِ مَنْ يَسْعَى إِلَى قُوتِهِ
بِالسَّلْبِ أَوْ بِالْوَرَعِ الزَّائِدِ"[49]



ويزداد المرء ثقة "بمحمود غنيم" عندما يعلم أنَّه لم يكن يدعو إلى نبذ ظاهرة هو غير مقتنع بها، أو ينهى عنها وهو يأتيها، فهو عندما يدعو إلى رفض "الرِّياء"، نجده أبعدَ ما يكون عنه، وقصة شهرته لم تكن وليدة دعاية صحفية، أو منشورات موزعة، مع أنه كان يملك وسيلة ذلك، وإنَّما هو: "من الذين لا يستطيعون تدبير وسائل الدعاية لأنفسهم؛ لأنَّه أكبر من أن يستسيغ الشعوذة والتهريج باسم الفن"[50].

وهذه خاصية أخرى من خاصيات الداعية المسلم الأديب.

الثاني: "أنصاف الرجال":
هذا عنوان لقصيدةٍ أفردها الشاعر للتنبيه على ظاهرة خطيرة، تفشَّت بين الشباب المصري آنذاك، مُمثلة في تشبه الفتيان بالفتيات، وتقليد الغرب تقليدًا مظلمًا؛ مِمَّا يدفع إلى التخنُّث، ويذهب بالرجولة التي كان من الواجب أن تكون صفةَ هؤلاء الشباب الذين كانوا يعيشون أزمةَ الاستعمار والتخلُّف، فيصور الشاعر ذلك أبدعَ تصوير باعثٍ على ذم هذا الصنف من "أنصاف الرجال" والمخنثين، في أسلوب بديع، شديد التأثير، يقول:


تَفَنَّنَ فِي مُحَاكَاةِ الْعَذَارَى
وَخَالَفَهُنَّ فِي وَضْعِ النِّقَابِ

وَأَرْسَلَ شَعْرَهُ الْمَضْغُوطَ يَحْكِي
وَمِيضَ الْبَرْقِ أَوْ لَمْعَ الشَّهَابِ

تُدَاعِبُهُ الصَّبَا فَيَمُوجُ مَوْجًا
كَمَا هَبَّ النَّسِيمُ عَلَى الْعُبَابِ

لَهُ حُلَلٌ تُحَاكِي الطَّيْفَ لَوْنًا
بِأَزْرَارٍ مِنَ الذَّهَبِ اللُّبَابِ

وَفِيهَا جِسْمُهُ انْصَبَّ انْصِبَابًا
فَمَا تَدْرِي الثِّيَابَ مِنَ الْإِهَابِ"[51]



لعمري، إنَّ هذا الوصف، وهذا التمثيل لَهو أشدُّ وَقْعًا على صاحبه من وقع السياط، كلام مثير نفاذ، وتعبير صائب أخَّاذ، وتتبع لدقائق الحركات، ويزاد الأمر تفاقمًا، والوصف استفحالاً، عندما لا تلقى هذه الصيحات صدًى عند هؤلاء، مع أن تفكرَهم في أحوالِهم أكبرُ رادعٍ لهم على ترك هذه العادات الرَّذيلة، وبخاصة إذا عُلِمَ أن معظمهم فاسِدٌ في حياته، ساقط من المجتمع، لا تجده إلا في لائحة المقعدين الذين يعملون على تكثير سواد البطالة، لا يعرف إتقانَ عمل، ولا إبرامَ حساب، ولا يروم النافع الصالح، ولا يريم إلاَّ في دائرة القبائح؛ يقول غنيم:


وَلاَ يَخْشَى عَلَى شَيْءٍ وَيَخْشَى
إِذَا ثَارَ الْغُبَارُ عَلَى الثِّيَابِ

إِذَا خَاطَبْتَهُ فِي غَيْرِ لِينٍ
تَأَوَّهَ أَوْ تَنَهَّدَ فِي الْخِطَابِ

وَإِنْ أَرْبَى عَلَى الْعِشْرِينَ مِنْهُمْ
فَتًى أَمْسَى يُغَالِطُ فِي الْحِسَابِ"[52]



ثم يفصح في آخر القصيدة عن الهدف الأسمى من دَعوته ونصيحته، وهو الخوف من أن ينقلب شبابُ مصر إناثًا، فيُفسح المجالَ أمام الذئاب الجائعة للسطو على خيرات البلد، فيظهر الضَّعف، ويتمكن الخور؛ قال:
"إِذَا الذِّئْبُ اسْتَحَالَ بِمِصْرَ ظَبْيًا
فَمَنْ يَحْمِي الْبِلاَدَ مِنَ الذِّئَابِ

بَرِئْتُ مِنَ الْفَتَى يَبْدُو فَتَبْدُو
عَلَيْهِ نُعُومَةُ الْبِيضِ الْكِعَابِ"[53]


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]