عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-07-2021, 06:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,474
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فهم القضية في ضوء السنن الكونية

وسوف نعرِّج هنا على بعض السنن الاجتماعية، وسنتناول بعضها بإيجاز وبعضها سنقف معها بمزيد من التفصيل لتتحقق الفائدة.

1- سنة الإملاء: الإملاء هو الإمهال وعدم الأخذ بالذنب فور ارتكابه، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده ولإقامة الحُجَّة عليهم. إن إملاء الله تعالى للعصاة وللظالمين يُعلم الدعاة إلى الله تعالى الصبر والاحتساب وحسن الظن بالله تعالى فالله تعالى يُملي للظالم فإذا أخذه لم يُفلته.

قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ (آل عمران 178).
قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ (الحج 48).
قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ (الطارق 15 - 17).
قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ﴾ (إبراهيم 42).
قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾ (فاطر 45).

عن أبي موسى الأشعري عبدالله بن قيس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُملي للظَّالمِ. فإذا أخذه لم يُفلِتْه. ثمَّ قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102] (رواه مسلم).

2- سنة التدرج: إن النفس البشرية السوية بطبيعتها تجنح من فرض الوصاية عليها وتأبى الانقياد والإزعان ولذا فلابد من التدرج معها لكي تسلس قيادتها وتحسن التعرف على ربها وتنفذ أوامره وتتجنب نواهيه ولقد اتضح ذلك جلياً في الفرق بين القرآن المكي الذي يركز على بناء العقيدة والقرآن المدني الذي يركز على بناء الدولة واتضح كذلك في تدرج تحريم شرب الخمر وغير ذلك من الأمثلة.

جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "..... إنما نَزَلَ أولَّ ما نزَلَ منه سورةٌ مِن المُفَصَّلِ، فيها ذكرُ الجنةِ والنارِ، حتى إذا ثابَ الناسُ إلى الإسلامِ نزَلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزَلَ أولُّ شيءٍ: لا تشربوا الخمرَ لَقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نزَل: لا تَزْنُوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبدًا، لقد نزَلَ بمكةَ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وإني لجاريةٌ ألعَبُ: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وما نزَلَتْ سورةُ البقرةِ والنساءِ إلا وأنا عندَه " (رواه البخاري).

ولقد جاء عن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان كل يوم يُحيى سُنة ويُميت بدعة، فتعجب ابنه قائلاً: لماذا لا تحمل الناس على الحق دفعة واحدة؟! فيقول له: " إني أخشى أن أحمل الناس على الحق دفعة واحدة فيتركوه دفعة واحدة فتكون فتنة ".

ومن التدرج أيضاً تدرجه سبحانه وتعالى في خلق السماوات والأرض وهو سبحانه القادر على أن يخلقهما بكلمة (كن) فيكون.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأعراف 54).
ومما تقدم نعلم أنه على الدعاة والمصلحين مراعاة التدرج في كل خطواتهم لأن عكس ذلك سيكون تعارضاً مع نواميس الكون الغلابة.


3- سنة التغيير: وهو سنة الله تعالى في الأمم والشعوب والأقوام قبل أن يكون سنة فردية ولهذا جاء الخطاب في كتاب الله تعالى جماعياً فسنة التغيير لن تتحقق إلا إذا تغيرت القاعدة العريضة من الناس وليس أفراد من الناس فقط، على أن يكون هذا التغيير وفق آلية مشروعة دون قسر ولا قهر ولا استعجال.
قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (الأنفال 53).

قال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ (الرعد 11).

يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله في " تفسير المنار ": "... إن أنْعُمَ الله تعالى على الأقوام والأمم منوطة ابتداءً ودوامًا بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد، وأعمال تقتضها، فما دامت هذه الشئون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها، كانت تلك النعم ثابتة بثباتها، ولم يكن الرب الكريم ينتزعها منهم انتزاعًا بغير ظلم ولا ذنب، فإذا هم غيَّروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال، غيَّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم ".

قال الشوكاني رحمه الله في " فتح القدير ": " والمعنى أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

4- سنة الابتلاء: إن الله تعالى لابد وأن يقيس إيمان أوليائه - وهو سبحانه أعلم بإيمانهم - بالابتلاء الذي هو من سنن الله تعالى في رجال العقيدة فكل يبتلى على قدر دينه.

قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ (العنكبوت 1 - 3).

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الناسُ على قدْرِ دينِهم، فمن ثَخُنَ دينُه اشْتدَّ بلاؤُه، ومن ضعُف دينُه ضَعُف بلاؤه، وإنَّ الرجلَ لَيُصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ " (صحيح الجامع).

جاء في كتاب الفوائد للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "سأل رجل الشافعيَّ فقال: يا أبا عبدالله، أيما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى؛ فإنَّ الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلمَّا صبَروا مكَّنهم، فلا يظن أحَد أن يخلص من الألَم ألبتة ".

5- سنة التمحيص: إن هذه السنة مُترتبة على سابقتها وهي النتيجة المنطقية للابتلاء، فمن يتعرض للابتلاء ويصبر ويحتسب ويثبته الله تعالى فهو من المصطفين الذين يصطفيهم الله تعالى ويصنعهم على عينه ويؤيدهم بما يستحقونه وبما هو أهله.
قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران 141).
قال تعالى: ﴿... وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (آل عمران: 154).
قال تعالى: ﴿ مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.... ﴾ (آل عمران: 179).

6- سُنة الصبر: عندما يذكر الصبر على أذى الدعوات فلابد وأن نذكر أولي العزم من الرسل والأنبياء والصالحين ثم الأمثل فالأمثل وذلك لأن هؤلاء أكثر من تحمل المشاق وأول من اجتاز العثرات وأول من بشروا بثمرة صبرهم على لأواء الطريق.
قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ ( السجدة 24).

يقول الإمام بن القيم رحمه الله: " يا مخنَّثَ العزم أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقداد بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم ثم تزهوا أنت باللهو واللعب؟ ".

إن الصبر هو عدة المتقين وسلاح الصالحين وزاد السائرين ومتى تعجل هؤلاء حُرِموا ثمرته فمن القواعد الشرعية الثابتة ( من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه).

7- سنّة الاصطفاء: إن دين الله تعالى عزيز والعمل له من أسمى المراتب ومن الشرف العظيم الذي لا يدانيه شرف ولذلك فإن هذه المرتبة وهذا الشرف لابد وأن يصطفي الله تعالى لهما من عباده من هم أهل لذلك. وإن سنَّة الله تعالى في الدَّعوات أن يبتلي أصحابها؛ ليُمحِّصهم، وليُنقيهم؛ ليكونوا أقوى إيمانًا، وأزكى نفسًا، وأصلب عودًا، ثم يمن الله تعالى عليهم ويصطفيهم للمهام الجِسام التي تنوء بها الجبال، فيقيموا العدلَ بعد الظلمِ والبطشِ والقهر.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (آل عمران 34).

قال تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ ( القصص 5 - 6 ).

8- سنة التدافع بين الحق والباطل: إن سنة التدافع بين الحق والباطل وجدت منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام وسنة التدافع المراد بها أن الله تعالى يدفع العباد بعضهم ببعض لمصلحة عظيمة، وهي عدم حدوث الخلل في التوازن بأنْ يطغى بعض العباد على الآخرين فيقع الفساد الذي به تتعطل الغاية التي خلق الله تعالى الكون بأكمله من أجلها وهي العبادة والاستخلاف في الأرض.
قال تعالى: ﴿ .. وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ (البقرة: 251).

قال تعالى: ﴿ ... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ (الحج : 40).

علامات على طريق سنة التدافع:
أ) إن سنة التدافع لا تعني هذه الحرب الضروس الهوجاء التي تأتي على الأخضر واليابس أو التي لا تُبقي ولا تزر ولكنها مضبوطة بضوابط شرعية إذا خلت منها فرِّغت من مضمونها وهدفها وهو الإخلاء بين الناس وبين دين الله تعالى بحيث لا يوجد ما يمنعهم من اعتناقه أو يصدهم عنه أو يقهرهم عليه ولا على سواه حتى يتحمل كل إنسان تبعة اختياره وحتى تمضي سنة الله تعالى في خلقه. قال تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة 256).

ب) إن التدافع له مراحل عديدة تبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنتهي بالمواجهة والقتال في سبيل الله. وهناك من يُجهد نفسه لكي يتجنب مرحلة المواجهة ظناً منه أن المواجهة تكبده من التضحيات ما لا قِبل له بها وأنه يمكن تجنب هذه التضحيات بالموالاة والمداهنة ولكن سنن السابقين أثبتت أن المواجهة أهون بكثير من الرضوخ للظلم والاستعباد.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيره " في ظلال القرآن ": " إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق! إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته؛ فهذه الإنسانية لا توجد والإنسان عبد للإنسان؛ وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه؟! وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته؟! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟! على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة؛ إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس - في حكم الطواغيت - أموالهم التي لا يحميها شرع، ولا يحوطها سياج، كما يكلفهم أولادهم؛ إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات، والأخلاق والتقاليد والعادات، فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها؛ فيذبحهم على مذبح هواه، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه! ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية؛ حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت، سواء في صورة الغصب المباشر - كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ - أو في صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهبًا مُباحًا للشهوات تحت أي شعار! وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار. والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله؛ إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع! ".

ج) إن متطلبات التدافع في المقام الأول تعتمد على القوة، والقوة هنا منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي ولا يجب إغفال أحدهما ولا الاعتماد على أحدهما على حساب الآخر.

قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ (الأنفال 60).

د) إن التدافع لابد وأن يكون على قدر الأهمية والاستطاعة وليس المواجهة على جميع الجبهات في وقت واحد. فمن المعروف أن الحق طريقه واحد أما الباطل فطرقه كثيرة وملتوية ومتشعبة. ولو خاض أصحاب الحق المواجهة على جميع الأصعدة في وقت واحد لضاعت الجهود وبددت الطاقات بلا طائل.
قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ (التوبة 123).

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : " سارت الفتوح الإسلامية، تواجه من يلون " دار الإسلام " ويجاورونها، مرحلة فمرحلة. فلما أسلمت الجزيرة العربية - أو كادت ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة - كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم. ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس، فلم يتركوا وراءهم جيوباً ; ووحدت الرقعة الإسلامية، ووصلت حدودها ".

هـ) كلما عمل أهل الحق على متابعة العلاقات والأوصر المشتركة بين أطراف الباطل وعملوا على قطعها أو إضعافها كلما كان أنكى وكلما ساعدهم ذلك على سرعة حسم الجولة لصالح الحق وأهله. ويكون ذلك بالتحالفات والمعاهدات في إطار ما أقره الشرع حتى نضمن عدم التنازل عن ثوابت وأصول، ويكون كذلك بالتخذيل والتعمية واتباع كل أساليب شرعية من شأنها إضعاف قوتهم والحد من شوكتهم. وهذا هو الدور الذي قام به الصحابي الجليل نعيم بن مسعود حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفي إسلامه وأن يعود لصفوف المشركين لكي يخذلهم عن المسلمين وقد كان. (القصة كاملة ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله في كتاب فقه السيرة بدون إسناد وقال: " هذه القصة بدون إسناد لكن قوله صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة صحيح متواتر عنه صلى الله عليه وسلم رواه الشيخان ".
و) إن التدافع يتطلب إقامة الحُجَّة أولاً على أهل الباطل والتأكد من زوال كل لبس أو غموض لديهم وذلك لأن الأصل هو الدعوة للإسلام أولاً والمجادلة بالتي هي أحسن.
قال تعالى: " وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {61}‏ "( الأنفال 61 ).
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن جيشاً من جيوشِ المسلمينَ كان أميرهُم سلْمان الفارسي حاصروا قصرا من قصورِ فارِسَ فقالوا يا أبا عبد اللهِ ألا ننهدُ إليهِم قال دعوني أدعهُم كما سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدعُوهُم فأتاهُم سلمانُ فقال لهم: إنّما أنا رجلٌ منكُم فارسيّ ترونَ العربَ يطيعونَني فإن أسلمتُم فلكُم مثلُ الذي لنا وعليكُم مثل الذي علينا وإن أبيتُم إلا دينكُم تركناكُم عليهِ وأعطونَا الجزيةَ عن يدٍ وأنتُم صاغرونَ قال ورطنَ إليهم بالفارِسيّةِ وأنتُم غيرُ محمودينَ وإن أبيتُم نابذناكُم على سواءٍ قالوا ما نحنُ بالذي نعطِي الجزيةَ ولكنا نقاتلُكم فقالوا يا أبا عبد الله ألا ننهدُ إليهم قال لا فدعاهُم ثلاثةَ أيامٍ إلى مثلِ هذا ثم قال انْهِدوا إليهم قال فنهدنا إليهِم ففتَحْنا ذلكَ القصرَ. (رواه الترمذي بإسناد حسن وقال: سمعت البخاري يقول أبو البختري لم يدرك سلمان).
إن التاريخ يشهد أن المسلمين لم ينعموا بالحرية والعزة والكرامة إلا بعد أن خاضوا سنة التدافع بالكيفية التي أرادها الله تعالى وما كُتبت عليهم التبعية لغيرهم والاستبداد بهم وظلمهم إلا بعد أن تخلوا عن هذه السنة الإلهية فلا عز لآخر هذه الأمة إلا بما عز به أولها فالتاريخ يعيد نفسه. يقول الإمام البيهقي رحمه الله: " لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل "، ويقول ابن الأثير رحمه الله: " إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره ".
9- سنة التداول: إن سنة الله تعالى في كونه التداول والتعاقب فالعسر بعده يُسر، والهزيمة بعدها نصر، والظلام بعده نور والظلم بعده عدل، والضلال بعده هداية وكل ذلك وفق إرادة الله تعالى ومشيئته. وسنة التداول تحتم أن تكون العاقبة لمن يأخذ بأسبابها المادية والمعنوية ولمن يُقدم ما تتطلبه من تضحيات.
قال تعالى: " إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140}‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ {141} " (آل عمران 140 - 141).
ذكر الإمام القرطبي رحمه الله: " ويعني بقوله: " نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ "، نجعلها دولاً بين الناس مُصرَّفة. ويعني بـ "الناس"، المسلمين والمشركين. وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم. أ هـ
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سِجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزى ولا عُزى لكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعل هُبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدر الصغرى قال عكرمة: وفيهم أنزلت: " وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " أ هـ....... والآية عامة كسُنة ثابتة إلى يوم القيامة.
10- سنة النصر والتمكين: إن العمل لدين الله تعالى شرف لا يدانيه شرف ووسام قلَّ من تقلده ويكفي من يعملون لدين الله أن الله تعالى قد ضمهم إلى اسمه فسماهم: " جند الله " وسماهم: " حزب الله ".
قال تعالى: " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ {171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ {172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ {173} " (الصافات 171 - 173).
قال تعالى: " لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {22}‏ " (المجادلة 22).
قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {54} إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ {55} وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {56}" (المائدة 54-56 ).
من الملاحظ في الآيات أنها تخاطب مجموعات ولم تخاطب أفراداً ويتضح ذلك في كلمة (جندنا) وكلمة (حزب) فالعمل لدين الله تعالى لابد وأن يكون عملاً جماعياً لكي يكون مؤثراً ولكي يُؤتي ثماره وما الجماعة المؤمنة العاملة إلا أفراداً صالحين كذلك وصلاح اللبنات يؤدي إلى صلاح البنيان كاملاً.
إنه متى توفرت أسباب النصر المادية والمعنوية يَمُن الله تعالى به على من يستحقه ووفر أسبابه فنصر الله تعالى عزيز ولابد وأن يمنحه للفئة التي تعرف قيمته وتقدره وتبذل الغالي والنفيس من أجل صيانته والمحافظة عليه. فالله تعالى بقدرته يستطيع أن يكتب نصراً أبدياً وتمكيناً لأوليائه ولكن لو حدث ذلك لأصاب الأمة الوهن والتواكل والتراخي والترهل والخمول والسلبية والانهزامية وما كان هناك سعي ولا بذل ولا تضحية ولضاع هذا النصر مع أول اختبار توضع فيه الفئة المؤمنة.
قال تعالى: " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {55} " (النور 55).
قال تعالى: ".... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41} " (الحج 40 - 41).
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : " لقد كتب الله على نفسه النصر لأوليائه، حملة رايته، وأصحاب عقيدته.. ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم، وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم، وباستكمال العدة التي في طاقتهم، وببذل الجهد الذي في وسعهم.. فهذه سنة الله، وسنة الله لاتحابي أحداً.. فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور، فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير، فإن كونهم مسلمين لايقتضي خرق السنن لهم وإبطال الناموس، فإنَّمَا هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن، ويصطلحون بفطرتهم كلها مع الناموس.. ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدراً كذلك، ولا يضيع هباء، فإن استسلامهم لله، وحملهم لرايته، وعزمهم على طاعته، والتزام منهجه.. من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيراً وبركة في النهاية - بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح - وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروساً وتجارب، تزيد في نقاء العقيدة، وتمحيص القلوب، وتطهير الصفوف، وتؤهل للنصر الموعود، وتنتهي بالخير والبركة.. ولا تطرد المسلمين من كنف الله ورعايته وعنايته، بل تمدهم بزاد الطريق، مهما يمسهم من البرح والألم والضيق في أثناء الطريق ".
تلك عشرة كاملة من السنن تم ذكرها على سبيل المثال لا الحصر فالسنن كثيرة بل أكثر من أن تحصى وأكثر من أن نحط بها علماً. ومن أراد أن يتعرف على المزيد من هذه السنن فليرجع إلى كتاب الله تعالى بكل كيانه موقناً أن به كل ما يتناول مظاهر الحياة جميعاً كبيرها وصغيرها وموقناً كذلك بأن الله تعالى لا يُعطي أسرار كتابه إلا لمن أحبه الله تعالى واطلع على قلبه فوجده قلباً سليماً بكل ما تعنيه الكلمة من معان.
توصية: أوصى الشيخ رشيد رضا رحمه الله في " تفسير المنار " وصية هامة للأمة قال فيها: " إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سُننا يُوجب علينا أن نجعل هذه السُنن علماً من العلوم المُدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يُبينون لها سُنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وقد بينها العلماء بالتفصيل عملاً بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه...... إلى أن قال:... ولما اختلفت حالة العصر اختلافاً احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضاً إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السُّنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية. سم بما شئت فلا حرج في التسمية.

نداء:
كما نبهت في المقدمة أن المعني بالخطاب هنا هما طرفا الصراع (أهل الحق - أهل الباطل) فبعد هذا الطرح المتواضع للموضوع..
أوجه النداء الأول إلى أهل الحق فأقول: " حققوا شرط الله تعالى في أنفسكم بأن تكونوا له سبحانه حِزباً وله سبحانه ولدينه جُند يكتب لكم النصر والتأييد والتمكين وتكون لكم الدولة على الباطل وأهله. وقبل ذلك فإن نواميس الكون غلابة ولا تحابي أحداً.
وأوجه النداء الثاني إلى أهل الباطل فأقول: " لا تعارضوا نواميس الكون فإنها غلابة، هوِّنوا على أنفسكم وادخلوا تحت لواء الله تعالى تفلحوا وإلا فقد اخترتم لأنفسكم العنت والجهد والشقاء من عند الله تعالى أو بأيدي المؤمنين ".
- وختاماً: لابد وأن نؤكد على أن سنة الله تعالى تظل قائمة طالما توفرت أسبابها وأنه متى ضعفت هذه الأسباب أو تلاشت تضعف معها السنن أو تتلاشى. ولابد أن نؤكد كذلك على أن ديننا لم يعرف يوماً التخبط ولا العشوائية ولكنه قائم على التخطيط المُستمد من سير السابقين واللاحقين وأصحاب الهمم المتقين من كل حقبة ومن كل جيل كما أنه قائم على الأخذ بكل الأسباب مع حسن التوكل على الله تعالى وحسن الظن به سبحانه.
وكما أكدنا أنه مطلوب من المسلم أن يُنقب عن هذه السنن بين ثنايا القرآن الكريم وثنايا السنة النبوية المطهرة وكذلك بين صفحات تاريخ الأمم بصفة عامة ويربط بينها ويعرف كيف يُحسن الاستفادة منها لخدمة دينه ولخدمة أمته ولا يستسلم المسلم للكسالى المُحبطين الذين يتواكلون ويظنون أن ما يحدث هو قدر الله وهو واقع لا محالة.
إن هذا الكلام وإن كان ظاهره صحيحاً ولكنه يطعن في سُنة الأخذ بالأسباب ويطعن كذلك في مغالبة قدر الله بقدر أحب إلى الله تعالى منه. قال الفاروق عمر رضي الله عنه لأمين الأمة رضي الله عنه: " نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ".
لقد وضح الإمام ابن القيم رحمه الله هذا المفهوم في كتاب " مدارج السالكين " حين قال: " ودفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت بأسبابه - ولما يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله، فيمتنع وقوعه، كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
ثانيهما: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.

وأضاف: فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها، وترك الحركة والحيلة، فإنه عجز، والله تعالى يلوم على العجز، فإذا غلب العبد، وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجال، فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وهنا ينفع الفناء في القدر، علما وحالاً وشهوداً، وأما في حال القدرة، وحصول الأسباب، فالفناء النافع: أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته، وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته، فهذا الذي قام بحقيقة " إياك نعبد وإياك نستعين " علماً وحالاً، وبالله المستعان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]