عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 13-07-2021, 01:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عندما أخبرنا كابتن الطائرة أن تلك الأنوار هي أنوار الحرم

كنتُ كدَنِفٍ عليلٍ يشكو لوعة الحرمان، أخاطب مكة بكل حرارة:


يا مكَّةَ الأشواقِ فاضت أعينِي *** والقلبُ يشكو لوعة الحرمانِ



أتلمَّس قلبي وأضع يدي عليه، فإذا هو يخفق بالحب ...

نبضاته تهز ضلوعي ...

ويحك هذا مقام المحبين ...

هنا وُلد الحبيب ...

هنا ديار حليمةَ التي رضع فيها ...

هذه الجبال التي رعى فيها الغنم ...

هنا مراتع الصبا ومغاني الطفولة ومسارح الجمال ...

هنا الشوق الذي لا يُحَدُّ مداه ...

من هنا أشرق نور الحضارة الوهَّاج الذي أضاء للعالمين ...

من أرضِ مكة شعَّ النورُ مؤتلقًا *** وجهًا يُجلِّي عَتامَ الليل والسُّدُمِ



وهنا رونقُ الحسن وأصله ومنبته ومَحْتِدُهُ الذي يتضاءل أمامه حُسْنُ البقاع، ووجهة المقصد التي تنجلي أمامها سحب الضياع.



فيا كعبة الحسن البديع الذي غدا

بها كل صبٍّ والهِ القلب حائرِ



ويا مركز الأسرارِ والنورِ والبها

ولطف جمالٍ راق في كل ناظرِ






حدَّثُونا عن ألم الفراق، ودموع الشوق، ولهفة الحنين، وموَّار الوجد، والتياع القلب، لكن ما رأيت كذلك الشعور، وأنا أشاهد أنوار الحرم.

ما كنت أعلمُ قبل بيت الله كم يهوى الجَنان ...

ما كنت أعلمُ كم يفيضُ النور يكتسح المكان ...



دومًا كنتُ كلما تذكرتُ البيت أُمنِّي نفسي بزيارته، وأعتبر تلك الأمنية إحدى أجمل أمنياتي، والآن يا لهذه اللحظة التي ما تخيلت أني سأصارع أحداثها، إني لأشاهده وأتجرَّع الغُصَصَ؛ إذ إني كمَن اشتدَّ به العطش، وقُرِّب منه الماء، ولكن جُعِل بينه وبين الوصول إلى حياضه حاجزًا وشِباكًا، فلا يخلُص إليه أبدًا، ولا هو بقادر أن يصرف نظره عنه.



اللهُ يَعلَمُ أَنَّ الرُّوحَ قَد تَلِفَت *** شَوقًا إِلَيكَ وَلَكِنِّي أُمَنِّيهَا



إنه مهما تَبارتِ القرائح، وتجارتِ الأقلام متحدِّثةً عن البيت الحرام، حاديةً أناشيدَ عظمتِهِ، فستظلُّ باهتةً كأنها لم تبرحْ مكانَها، وكأنها لم تُحرِّك بالقول لسانَها.



يا مكة ...

يا قِبْلَةَ النور ...

يا سرَّ الجمال ...

هذه مشاعري تتدفق حبًّا، والقلب يحنَّ شوقًا وتلهُّفًا ...





يا قبلةَ الأطهار هاكِ مشاعري

فالقلبُ حنَّ إلى ثَراكِ العاطِرِ



والشَّوقُ أرَّقني وصاحَ بحُرقةٍ

وا لهفتاهُ على المقام الطاهرِ






خالَجَتْني هيبةٌ شديدة ما عرفتُ هيبة في حياتي تجلَّلتْني مثلها: أحقًّا هذا بيت الله؟ أحقًّا هناك على جبل أبي قبيس نادى إبراهيم بالحج؟




ليت شعري كيف كانت حياة إسماعيل وهو يترعرع في هذا الوادي الذي كان قاحلًا، ثم أصبح جنة؟



كانت عيناي ترى هاجرَ من على بُعْدِ مسافات الزمان الغابرة وهي عند دوحة زمزم ...

يا لله ...

أي قلب كانت تحمل هاجر؟

تخيَّلتها أول ليلة وحيدة في تلك الشعاب ...

كيف أنها لم تفقد شيئًا وليس عندها شيء؟

تذكرتُ أنها كانت واثقة من الله كلَّ الثقة، وبسبب ثقتها بربها تفجَّرت زمزم ...

تخيَّلتها وهي تجري جري المرأة المتعَبَةِ الوالهة تبحث عن شربة ماء ...

قفز إلى ذهني مشهدُ جبريلَ وهو يبحَث بعقبه الأرض لتنبع زمزم ...

تواردت صورُ الإنس بقبيلة جرهم وترَعرُعِ إسماعيل فوق تلك الأَكَمَةِ، وزواجه منهم ...

آه ...

لقد تخيلت السكين على عنقه ...

تبادر إلى ذهني مشهد التسليم المطلق لأمر الله، وأمه التي ودَّعته خلف الجبل وقد سلَّمته لربه ...

استلهمتُ الدروس والعِبَرَ التي تتجلى عند ذكر هذا البيت المعظَّم.

هنا منبعُ الطهر، ومجتمع الرسل، وملتقى الملائك ...

هنا التقى آدم بحواء كأول لقاء جمع بين إنسان وصاحبه على ظهر هذا الكوكب؛ إذ عرفها في عرفة ...

هنا مشى نوح، وتردَّد إبراهيم ...



أتخيل الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو ((يمر بوادي الأزرق، فيسأل: أيُّ وادٍ هذا؟ فيقول الصحابة: هذا وادي الأزرق، فيقول: كأنِّي أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثَّنِيَّةِ، وله جُؤارٌ إلى الله بالتلبية، ثم يمر على ثنية هَرْشَى، فيقول: أيُّ ثَنِيَّةٍ هذه؟ فيقول الصحابة: ثَنِية هَرْشَى، فيقول الحبيب: كأنِّي أنظر إلى يونس بن متَّى عليه السلام على ناقةٍ حمراءَ جَعْدَةٍ عليه جُبَّةٌ من صوف، خِطامُ ناقتِهِ خُلْبَةٌ وهو يلبِّي ...)).



هنا ينزل عيسى ابنُ مريم عليه السلام بالرَّوْحاءِ، فيحُجُّ منها ويعتمر في آخر الزمان ...

سألت نفسي: كم مضى زمان على مكة؟ وكم أتى قوم وذهب آخرون؟



أين شاعر جرهم الذي قال:

كأنْ لم يكنْ بينَ الحَجُونِ إلى الصفا *** أنيسٌ ولم يسمُرْ بمكةَ سامرُ



أين مجتمع الصحابة، وجلسات الخلفاء، وحلقات التابعين؟

كم قصصٍ وحكايا حول هذا البيت تطرَبُ لها النفوس، وتشرئب لها الأعناق!

هذه مكة مهوى الأفئدة، ومرتع القلوب، ورياض الأرواح، وأنس النفوس ...



هذه الأرض التي يصدُقُ عليها قول الشاعر:

وإذا سرى البرقُ في أكنافِ أرضهم *** أقولُ من فَرْطِ شوقي ليتني المطرُ



هذه هي مكة التي سكنتها قريش والقبائل قبلها، واعتزت بما كان في يدها من مفاتيح الكعبة، ورِفادة زوَّارها ...



هذه هي مكة التي وُلد فيها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وتتابع الوحي فيها ثلاث عشرة سنة، وعمرت مواطنها بالوحي والتنزيل، وفاضت أرجاؤها وشِعابها بالتلاوة والترتيل، وتردَّد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وردَّدت جبالها التقديس والتهليل والتحميد والتسبيح، وعمَّ نورها كل هضبة وجبل، وأكَمَةٍ وسهل.



هذه هي مكة التي جرت فيها الأحداث الجِسام، والأخبار العظام.

هنا عُذِّب بلالٌ وتألم خبَّاب، وضُرب أبو بكر، وعانى الرسول ...

هنا كان يمارس حمزة هواية الصيد، ويتدرب خالد على الفروسية، ويتعلم أبو بكر الأنساب ...

هذه هي مكة التي تردد الرسول بين شعابها طفلًا، ثم راعيًا للغنم، ثم تاجرًا لخديجةَ، ثم أمينًا صدوقًا، ثم رسولًا من الله للعالمين ...

هذه مكة التي انتشر منها النور، وعمَّ من أجوائها السرور، وفاض من جنباتها الحُبُور ...

هناك حراء ... وما أدراكم ما حراء؟!

قصة نور شعشع من تلك القمة ...



ومنك أشرقَ نورٌ عمَّ مظهرُهُ *** وفاضَ منهُ السَّنا يعلو على القِـمَمِ



هذه هي مكة التي ظلَّت مقصدَ الناس في حجَّهم من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى اليوم.



كل هذه الذكريات وغيرها تملأ النفس، وتمور في الوجدان، وتأخذ بمجامع القلب، فترى عجبًا أي عجب، مئات الآلاف من الناس - بل الملايين - في ثوب الإحرام، مغمورين بالشعور الديني الرباني الرهيب، يَعِجُّون بالدعاء والتلبية، وترى معرضًا يفوق كل معرض من الأجناس البشرية، مختلفي الألوان، مختلفي الألسنة، مختلفي العادات.



يشيع في هذا الجمع الحب والإخاء والمساواة، والتكاتف والتآلف والتعاطف.



بَعُدَت عليهم الشُّقَّة، وتجشَّموا المشقَّة، فجاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، ووادٍ سحيق، يسوقهم الشوق، ويحملهم الحنين إلى هذه الرحاب الطاهرة والديار العامرة ...



وتلهفي للحج زاد فكلما

أبصرتُ فوجًا راح قلبي يخفقُ



يهوى الفؤاد إلى الطواف وسعيه

بين الشعائر والمشاعر تنطقُ






ويا لشعور الحاج وهو يصل إلى مُناه بعد مسافات شاسعة قطعها، وربما ركب البحر، وقطع الفيافي، وتعرض للأخطار، ولقيَ المهالك، وصعُبت عليه المسالك!



فكيف به وقد حقَّق الله مراده، ووصل إلى مبتغاه؟

وهذا البيتُ بيتُ اللهِ بُشرى *** لنفسٍ فيه قد بلغَتْ مُناها



هنا في مكة تتساوى الرؤوس، وهنا تقوم الإنسان قيمته الذاتية، فلا فضلَ لأحد على أحد بماله، أو جاهه، أو لونه، أو منصبه، أو مكانته.

لقد كنتُ أهيم ببصري في تلك البقاع، وأتخيل عظمةَ مشاهدَ كنتُ قد قرأت عنها ...

تراءى لي هَيَجَانُ مواجع الحنين، وتصدُّعُ أكباد المحبين الوالهين.



هناك على مقربة من مكة صعيد عرفة، فمِنَ العارفين مَن منعته صعوبةُ الموقف أن يبوح بالدمع؛ فلجأ إلى الزَّفَرات والحسرات:

ولله أنفاسٌ يكادُ بحرِّها *** يذوبُ المُحبُّ المُستهامُ المُتيَّمُ



ومنهم من انعقد لسانُهُ، وأصابه الوَلَهُ؛ فلا تراه إلا كما قال الشاعر:

فلم تَرَ إلا باهتًا مُتحيِّرًا *** وآخر يُبدي شَجْوَه يترنَّمُ



إنَّ المحب يظنُّ أنَّه سيقضي بلحظات الوصال شوقَهُ، وتهدأ فيها نفسه الملتاعة، ويطمئن فؤاده المعذَّب، كما ظنَّ ذلك الإمام الدهلوي عندما قال: "وربما يشتاق الإنسان إلى ربِّه أشدَّ شوق، فيحتاج إلى شيءٍ يقضي به شوقه، فلا يجد إلا الحج".



كيف لا تهوى القلوب تلك البقاع التي جعل الله لها مكانًا في الأرواح، وشوقًا في النفوس، فلا يحلُّها أحدٌ إلا أخذت بمجامع قلبه، ولا يزورها إنسان إلا حنَّ لها مرة بعد مرة، ولا يفارقها أحد إلا تأسَّى لوداعها وتألم لفراقها، ونوى تكرار الوفادة عليها؛ إنها دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام: ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم: 37].



ذاك هو هوى الأفئدة من كل بقاع الأرض، وكم يود المحب أن لو كان له جناحُ طائرٍ؛ حتى يطير شوقًا إلى البيت العتيق ...

وددتُ من الشوقِ الذي بي أنني *** أُعارُ جناحي طائرٍ فأطيرُ



كم يأخذك الاستغراب حين يأتي إليها فقراء لا يملكون شيئًا من متاع الدنيا!

وكم تأخذك الدهشة وأنت ترى ضعفاء من شدة ضعفهم وكبر سنهم يتساقطون، بل وبعضهم يموتون!



حال كل واحد منهم:

يـا ربُّ قرِّبني لبيتكَ زائـرًا *** إني لمكة دائمًا مشتـاقُ



سألتُ أستاذي الذي روى لي قصة حجِّهِ قائلًا: أخبرني عن جَمالِ مكة؟

أكاد أجزِم لكم أني ما رأيت عبقريًّا يحار في جواب، ويُدهَش ويتلعثم ويصمت، كما رأيت أستاذي يومئذٍ ...

لقد قال لي: جمالها يفوق الوصف ...



لقد ذكَّرتني الكعبة بالله وجماله وجلاله، ثم استعبر وبكى حاله:

لو أنَّ عَيْنِي إليْكِ الدَّهْرَ نَاظِرَةٌ *** جاءَتْ وَفَاتِي ولمْ أشْبَعْ مِن النَّظَرِ



لقد تخيَّلها ثم صوَّرها لي بحديثه الرَّقْراق، ولا تَسَلْ عن جمال حديث المحبين:

ذكرتُكِ فاستعبرتُ والصدرُ كاظمٌ *** على غُصَّةٍ منها الفؤادُ يذوبُ



كم مضى ركبٌ إلى بيت الله الحرام وكنتَ ضمن المودِّعين، وقلبك يضطرم بين جوانحك، ونار الأسى تشبُّ في ضلوعك، وسِرتَ تعاني حرارة الشوق كالملذوع، وتحدرت الدموع السواكب، وعندما أزِفَ الرحيل، سار قلبك معهم، وكان حالك:



فيا سائقين العِيسَ بالله ربِّكُم

قِفُوا لي على تِلك الرُّبوع وسلِّمُوا



وقُولوا: مُحبٌّ قاده الشَّوقُ نحوَكُم

قضى نَحْبَه فيكُم تعيشُوا وتَسلمُوا






أمام مكة تضعف الكلمات، وتتضاءل العبارات، وتخجل الجمل، ويقف التعبير، ويُبهت اللسان؛ هي سيدة المدن، وتاج البقاع، وأم القرى:



ماذا أقولُ وفي فؤادي لهفةٌ

للحِجْرِ والركنين والميزابِ



ولمائهِ ولصحنهِ يا ربِّ هلْ

يسْطيعُ شوقي أن يقودَ ركابي






مضى كابتنُ الطائرة في تلك الأجواء، وبقيت أتلفَّت خلفي لتلك الأنوار التي سلبت عقلي، وأخذت بلُبِّي، ودخلتُ في غمرة من التفكير العميق حول أسرار تلك الأنوار التي طاولت الثريا جمالًا وبهاء:



أحنُّ إليكِ إنَّ الشَّوقَ سَهمٌ

أصابَ القلبَ واخترقَ الحنايا



ولولا البعد يُقصيني لكنتُ

إلى لقياكِ حمَّلتُ المطايا






سمعتُ الكابتن مرة أخرى يأمرنا بربط الأحزمة؛ فقد اقتربنا من مطار مسقط، وهناك حيث الطائرة تستعد للهبوط شعرتُ أن قلبي قد خلَّفته هناك على بعد مئات الأميال ...




لقد خلَّفتُهُ يحوم حول تلك الأنوار، سائلًا ربي أن يمُنَّ عليَّ بزيارة للبيت العتيق، وأن يذلِّلَ أمامي الصِّعاب، وبقيتُ أردد:

ليسَ الفؤادُ محلَّ شوقكِ وحـدهُ *** كلُّ الجوارحِ في هــواكِ فـــؤادُ

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]