بناء شخصية البطل حمدان في رواية الثائر الأحمر لعلي أحمد باكثير
د. عبدالقوي الحصيني
النقلة الثالثة:
نص (1): يحكي السارد فيه عودة حمدان من قصر ابن حطيم، وهو يشعر بالخِزي وخيبة الأمل: "ورأى ظلَّ السور ممدودًا، فما مشى فيه إلا قليلاً، حتى ازورَّ عنه إلى الشمس، مؤثرًا حرَّها على برده؛ كيلا يكون لهذا الغني اللئيم من فضْلٍ عليه[26].
نص (2): يلتقي حمدان في طريق عودته بأحد أصدقاء ابن عمِّه عبدان تاجر يواجه حانوته حانوت عبدان، فيدعوه الرجل ليستريح قليلاً عنده، ثم يتحدَّثان حول موضوع اختطاف عالية، وإذ بالرجل عبدالرؤوف يبكي، ويكتشف حمدان أنَّ الرجل مصابٌ مثله بخطف ابنته منذ ثلاث سنوات[27].
نص (3)[28]: يدور حوار بين حمدان وعبدالرؤوف:
حمدان: أما بلَّغت أمرها إلى الشرطة؟
عبدالرؤوف: بلى، ولكنَّهم ما أغنوا عني شيئًا.
نص (4)[29]: استمرَّ الحوار بين الرجلين وحمدان يسخط على الشرطة أن لَم تتمكَّن من العثور على "ريا" ابنة عبدالرؤوف، والقبض على العيَّارين الذين اختطفوها، فينفي له عبدالرؤوف مسؤولية العيَّارين عن خطْف ابنته، ويُبرِّئ ساحتهم ويَصفهم بالترفُّع عن مثل هذه الأعمال، ويتمسَّك حمدان بموقفه من العيَّارين، ويؤيد ذلك بما قاموا به - وعلى رأسهم ثمامة - من خطْفٍ لأُخته.
نص (5): عبدالرؤوف يؤكِّد لحمدان موقف العيَّارين وتعاونهم معه في الكشْف عن خاطف ابنته، ويَضع حمدان أمام مفاجأة أن مَن خطَف ابنته إنما هو مالك الأرض التي يعمل فيها حمدان؛ أي: سيِّده ابن الحطيم، ومع هوْل المفاجأة لا ينسى حمدان أن يقول:
• هلاَّ شكوته إلى السلطان!
فيرد عليه عبدالرؤوف بأنَّ الوالي ورئيس الشرطة يتستَّرون عليه كونهم: "من نُدمائه، وله عليهم أيادٍ وأفضالُ"[30].
فيُجيب حمدان:
• لماذا لَم تُشَهِّر به وتفضَح أمره في الناس؟
• ويردُّ عليه الرجل بأنه قد فعَل ذلك، فجاءَه غِلمان ابن الحطيم وهدَّدوه بالقتْل، فسَكت.
نص (6): عبدالرؤوف ينفجر باكيًا، ولَمَّا مسَح دمعه، نظَر إلى حمدان، فبَصُر بدمعتين تترقْرَقان في عينيه الحمراوين، فقال مشفقًا مرتاعًا: "وَيْحَك يا حمدان، إنك تبكي دَمًا"[31].
النص (7): قال حمدان وهو يتنهَّد: "يجب أن يثورَ الناس على هذه الحال"[32].
فالنص رقْم (1): يرمز إلى اتِّخاذ قرار داخلي من قِبَل البطل بالمفارقة للنظام القائم، وإن كان في ظلِّه الطمأنينة والراحة، واختيار الطريق الأشقِّ مع قَبول تَبعاته، إنه دَلالة على بداية التمرُّد والبحث عن الحريَّة، وإن كان طريقُها شاقًّا.
النص رقم (2): يُعطي المزيد من التجارب المأْساوية، وإضافة جديدة للمكوِّن المعرفي لحمدان، والتعرُّف على مآسٍ أخرى توسِّع دائرة الظلم والقَهر.
النص رقم (3): يعيد عرْض السذاجة المعرفيَّة لحمدان، وحُسن النيَّة تجاه الوضع القائم، والاعتماد عليه في الانتصاف للمظلوم، أو هو استثارة لمزيد من تأجيج المشاعر ضد الحاكم، والوصول إلى اليأْس من تحقيق نفْع منه، والتحوُّل إلى الحقد عليه.
النص رقم (4): عودة إلى عرض السذاجة المعرفيَّة بسلوك العيَّارين، واعتقاد أنهم هم الذين خطَفوا ابنة عبدالرؤوف، وهي دَلالة على أنَّ وعي البطل ما زال وليدًا في المهد.
النص رقم (5): يعطي البطل فكرةً بيضاءَ حول مسلك العيَّارين ومبادئهم، ويكشف سَوْءَة النظام القائم، أنه هو الذي يُمارس الخطف والانتهاك لحُرمات مواطنيه، ويظهر رَد الفعل الساذج للبطل باعتماده المستمر والمتكرِّر على السلطة، وكأن السارد يريد كشْفَ صورة المواطنة الصالحة لبطله الملتزم بالنظام واللجوء إليه كأسلوب حضاري في التعامُل.
كما يرمي النص إلى كشْف سوْءَة النظام وتقوية الدافع لاتِّخاذ موقف منه، وتأجيج الحقد عليه، إنه اتجاه لاستكمال العُقدة والبلوغ بالحَبكة مداها، ومن ثَمَّ تشكيل الوعي بضرورة مواجهة هذه السلطة، وهو ما تولَّد ابتداءً باعتماد "المواجهة الإعلامية" المتمثِّلة في التشهير بالنظام؛ وذلك لكشْف مساوئ النظام وممارساته.
النص (6): "عبدالرؤوف يبكي وحمدان"، هناك فرق واضحٌ بين بكاء عبدالرؤوف وصورة الدمع يترقْرَق دمًا في عيني حمدان الحمراوين، فعبدالرؤوف يبكي كمدًا، أما حمدان، فتتَرقرق عيناه بدمع أحمر يرمز للحَنق والحِقد والغيط الذي تكوَّن بالمعايشة لتجربة عبدالرؤوف المُرَّة، والتي هي تجربته هو أيضًا.
هذا الحقد المتولَّد من المكاشفات التي باح بها - كنتاج معرفي - عبدالرؤوف لحمدان، والتي ولَّدت بالقدر ذاته شعورًا بالعجز لدى حمدان عن مواجهتها أو إيجاد حلٍّ لها؛ مما استدعى انفجار ذلك الغيظ المكبوت المخنوق بدموع الحَنق، وبالتصريح النهائي المؤكِّد تخلق الوعي الثوري بشكلٍ صريح والمعبَّر عنه بالنص رقم (7): "يجب أن يثورَ الناس على هذه الحال".
النقلة الرابعة:
الخُطوات الثلاث السابقة كانتْ معايشة للواقع القائم برُكنيه "المال - السلطة"، خرَج منها البطل بمكوِّن معرفي زاخر، مكوِّن عملي تجريبي أكثر منه نظري، أمَّا الخُطوة الرابعة في اتجاه خلْق الوعي للبطل، وبناء التحوُّل، فقد ابتدأَتْ بشكلٍ مُكثَّف مع لقائه بالشيخ بهلول، ودخوله بيت عبدالرؤوف، وسيتكثَّف المكوِّن المعرفي ابتداءً من الآن.
النص (1): حمدان يطلب من عبدالرؤوف توصيلَه بأحد العيَّارين؛ ليتمكَّن من الوصول إلى معرفة مكان أُخته، كما صنَع عبدالرؤوف من قبل، عبدالرؤوف يأخذه إلى المسجد لصلاة الظهر، فيلتقيان بالشيخ بهلول السمرقندي، ثم يَعزمهما عبدالرؤوف لتناول طعام الغداء في منزله، وتدور مونولوجات داخليَّة وردود أفعال لحمدان، تكشف المراوحة بين الوعي واللاوعي، كما تكشف مستوى قُدراته العقليَّة بين الإدراك وعدمه، بين الذكاء الحاد وبُطء الفَهم، وهذه نماذج منها:
"أ"
"سالب" - ابتداءً من عدم القدرة على الربط بين طلبه من عبدالرؤوف بإيصاله بأحد العيَّارين، وبين توصيل عبدالرؤوف له إلى الشيخ البهلول[33].
"ب"
موجب - مرورهم على قصرٍ كبير "فعرَف حمدان أنه قصر الهيصم"[34].
"ج"
سالب - عدم تمكُّنه من فَهم ملامح الشيخ بهلول وهو ينظر قصر الهيصم.
"فإذا عيناه ترنوان جهة القصر...، وإذا شعاع غريب يتطاير منها تطايُر الشَّرر من الجمْر"[35].
وقبلها لَم يتمكَّن من تفسير خشونة أصابع الشيخ عند مصافحته له.
"د"
موجب - في منزل عبدالرؤوف: "وكان حمدان إذ ذاك يقلِّب عينيه فما يرى، فيأخذه العجب ألاَّ يَنِم منظر الدار من الخارج عمَّا في داخلها من النظافة والأناقة والمتاع"[36].
"هـ"
سالب - بعد كل تلك المشاهد ما يزال يحدِّث نفسه بعدم وفاء عبدالرؤوف له بجمْعه بأحد العيَّارين[37].
"و"
موجب - وهو ينظر إلى قصر الهيصم، إذ خطَر له أن ينطلقَ إلى القصر فيقتحمه؛ "عسى أن يجد أُخته عالية محبوسة في إحدى غُرَفه"[38].
"ز"
سالب - يتذكَّر أُخته، فيتنهَّد ويتحسَّر، ثم يقول: "لقد خطَفها اللص قبل زفافها"[39].
هل يمكن القول: إنَّ السارد يتهيَّب اللحظة الحاسمة؛ لنقل بطله إلى مصاف حَمَلة الفكر، الواعين بالتغيير، المقارعين للظلم ودولة الباطل عن علْمٍ، فهو متردِّد بين الإقدام والإحجام في تكوين بطله التكوين النهائي، رُبَّما لشعوره بألاَّ نكون قد اقتنعنا بمنطقيَّة بناء التحوُّل الذي مارَسه معنا سرديًّا في الخُطوات الثلاث السابقة، وألاَّ نكون جاهزين - مستعدين لتلقي الخُطوة قبل النهائية في هذا التكوين.
كما نقلَنا إلى مشهدٍ آخرَ تمهيدي كصاحبه، ذاك حين اتَّفق مع عبدان ابن عمِّه على أن يُمارس التثوير الإعلامي للناس بنشْر فضائح ابن الحطيم؛ مما دفَع ابن الحطيم لإرسال الشرطة للقبْض عليه، فانبَرى "الفلاح - الفارس" للدفاع عن ابن عمِّه، فقتَل التابع الذي جاء بالشرطة، ثم ثنَّى بالشُّرطيَّيْن[40]، وهكذا وقبل أن يسدلَ السارد الستار على المرحلة العيَّارية، تمكَّن من التوجُّه بصاحبه إلى المرحلة الثوريَّة عن طريق "المواجهة الإعلامية - المواجهة المسلحة".
وساعَد في هذا التحوُّل أنَّ حركة العيَّارين تشَرْذَمت وتلاشَت بعد مهاجمتها من قِبَل جنود الخليفة إثر اختطاف عاتكة أُخت ابن الحطيم، وكان حمدان قد حاوَل إحياء رُفاتها فما استطاع، خاصة بعد موت زوجته كمدًا وحسرة وهي في حالة ولادة؛ إذ كانتْ رافضة لحياة العيَّارين وسلوك زوجها؛ مما دفَعه إلى التوبة عن سلوك العيَّارين إثر صدمته هذه بوفاة زوجته.
تحوَّل حمدان إلى الزهد بعد وفاة زوجته، وكان هذا الزهد هو المدخل للتكوين النهائي لشخصيَّته؛ إذ تعرَّف على بقَّال في القرية كان شديدَ التعلُّق بالصالحين والاعتقاد بهم، وكان يصف لحمدان أحوالَهم وزُهدهم، ويطلب منه حمدان أن يعرِّفه بأحدهم، فيعرفه على الشيخ الأهوازي ذلك الذي "يصلي في اليوم خمسين صلاة، وأنه متقشِّف يسف الخوص، ويأكل من كسْبه، ويتصدَّق بكلِّ ما في يده"[41].
واستمرَّ حمدان يتردَّد على الشيخ الأهوازي والشيخ يحدِّثه، وينقل له الوعي والمعرفة، "حتى أحسَّ - لا يدري كيف أحسَّ - كأنه أصبَح اليوم بعد اتِّصاله بالشيخ أقربَ إلى نفسه الأولى قبل التوبة منه إلى نفسه بعدها، فقد أخَذ حمدان التائب المنكسِر يتضاءَل ويعود إلى مكانه حمدان "الثائر" "العنيف"[42].
بدأ حمدان "الثائر" إذًا يتخلَّق هنا، كما بدأ حسين الأهوازي - شيخه الجديد - بتلقينه مبادئ مذهبه الثوري الجديد: "مذهب القداحيين"، فعرَّفه بأنه يدعو لأحمد بن عبدالله بن ميمون القداح نائب الأمام المعصوم الذي سيُجري الله على يديه رفْع الظلم وتحقيق "العدل الشامل" في ظلِّ إمام غائب من آل البيت، وعلَّمه أنَّ من مبادئ الحركة كتمانَ السرِّ تقية من السلطان، وأن أتْباع الدعوة ينقسمون إلى قسمين: خاصة وعامة، والخاصة يُفضي إليها بسرِّ الدعوة للإمام المعصوم، والعامة يدعوهم للدخول في مذهب الشيخ، ويفرض عليهم أن يُصَلوا خمسين صلاة، وعلى الخاصة أن يدفعَ كلٌّ منهم دينارًا للإمام[43].
واتَّخذ الشيخ الأهوازي له اثني عشر نقيبًا، وجعل حمدان نقيبَ النُّقباء.
هيَّأ السارد فرصة كافية لبطله؛ كي يتلقى مبادئ المذهب الجديد؛ إذ جعَل الشيخ الأهوازي يَمرض، فيأخذه حمدان إلى داره؛ لتمرِّضه أُخته راجية، وهناك مكَث يدير لقاءاته مع الدُّعاة والأتباع؛ مما مكَّن لحمدان فرصة التعرُّف على أساليب الدعوة الجديدة وطُرق كسْب الأنصار لها، والتعرُّف على مبادئ الحوار والإقناع والتأثير على الأتْباع؛ إذ كان الشيخ الأهوازي فلْتة عصْره: "فقد رأى حمدان من بُعد نظره وَسَعة حيلته، وحُسن تدبيره للأمور...، ما زاده إعجابًا به وإيمانًا بنجاح دعوته، وكلفًا بتأييده ومُناصرته"[44].
لقد آمَن حمدان بالهدف الذي ترمي إليه هذه الدعوة الجديدة؛ إذ كان هو هدفه من قبل، "هؤلاء قوم يدعون إلى هدْم سلطان المال على هدى وبصيرة، ويسيرون في ذلك على خُطة عامة واسعة، لا تقتصر على بلد دون بلدٍ"[45].
كما أُعجِب بطريقتهم في التعامل في إصدار المال وتوريده بين فروع الدعوة ومركز الدعوة في "سلمية"، وذلك عن طريق كبار تجار اليهود؛ إذ يدفع الدُّعاة في البلدان لتُجَّار اليهود، فيستلمه مركز الدعوة، أو يرسل لهم مركز الدعوة عبر اليهود أيضًا: "وازداد إدراكًا لخطر هذه الحركة وإيمانًا بنجاحها"[46].
ذلك هو عرْض السرديَّة لمقدِّمات النقلة الأخيرة للبطل في مرحلته "الثورية"؛ إذ أتاحَت له التعرُّف على الشيخ حسين الأهوازي الذي لقَّنه مبدأ التغيير الشامل للنظام عبر الثورة عليه في إطار مذهب "العدل الشامل" الذي سيقوده إمام من آل البيت هو الإمام المعصوم... إلخ، ويتَّضح في السردية تذبذب من نوع آخرَ في هذه النقلة، تذبذُب في إيمان البطل بهذه المبادئ: "لَم يؤمن حمدان بالإمام المعصوم الذي يدعو إليه الأهوازي، ولَم يُكَلِّف نفسه عناءَ التثبُّت في أمره؛ ليتحقَّق من وجوده أو عدم وجوده، وإنما آمَن بالهدف الذي ترمي إليه هذه الدعوة الجديدة[47].
إنَّ السارد ما زال متماهيًا في بطله، فكلما رأى من البطل انطلاقًا في خَطه "التاريخي"، جرَّه إلى خطه "التخيُّلي"؛ ليكوِّنه وَفْق مبادئه هو وليس العكس؛ إذ إنَّ التشكيك في مبادئ القرامطة هي قناعة "السارد" وليس "البطل"، كما أنه ما زال متشكِّكًا من نجاحه في إقناعنا بتأهُّل بطله الفلاح عيَّارًا للمرحلة الثورية وَفْق مبادئ معقَّدة، وأفكار ثوريَّة، ونظام دقيق؛ ولذا فإنه قد قسَّم هذه المرحلة إلى جزْأَين:
1- مرحلة التهيئة للمذهب.
2- مرحلة الكشف لحقيقة المذهب.
وإذا كان الجزء الأوَّل من هذه النقلة قد هيَّأ السارد به بطله للدخول في مذهب القداحين عن طريق الشيخ الأهوازي، فإنه في الجزء الثاني أوْصَله للاطلاع على حقيقة المذهب عبر ابن عمِّه "عبدان"؛ إذ نرى الشيخ الأهوازي يخلي مكانه خوفًا من ملاحقة السلطان له، ثم يولِّي حمدان قيادة الدعوة بدلاً عنه، ويصل "عبدان" ليتولَّى منصب "فقيه الدعوة" الذي سيُسند "الراوي" له مهمَّة كشْف حقيقة الدعوة لحمدان، وهو مكوِّن معرفي شاق وخطير؛ إذ كيف سيتمكَّن ذلك الفلاح البسيط من فَهم واعتناق فكرٍ كهذا، وكيف سيقتنع بالإيمان بأفكار مثل تلك؟ بَلْه ممارستها في واقعه...، ومن ثَمَّ في دولته، هذا هو التحدي الذي عاشه السارد في التحول الأخير، والذي لَم يكتفِ بالتوسُّل بشخص واحدٍ للبطل، بل أسندَ المهمة لشخصين: الأول الأهوازي بدور أوَّلِي في التحويل، ثم يُخلي مكانه؛ ليستكمل آخر "عبدان" بقيَّة المهمة، وتبرز مهمة "عبدان" في تحويل حمدان من الإيمان النظري بمذهب العدل الشامل، إلى الإيمان العملي والممارسة والتطبيق.
ومذهب "العدل الشامل" الذي يُراد لحمدان أن يتمسَّك به: هو ألا يكون لأحدٍ الحقُّ في تملُّك شيء من المتاع أو المال، أو النساء أو الأرض...، وأن يكون الناس شركاءَ في كلِّ ذلك، ومعنى ذلك أن يتمكَّن عبدان فقيه الدعوة من إقناع حمدان قائد الدعوة بالتخلي عن الكثير من معتقداته الدينيَّة وسلوكيَّاته الإسلاميَّة التي لَم يكن - حسب السرديَّة - صاحب باعٍ فيها أو تعمُّق، إلاَّ أنها قضايا مسلَّمة حتى للمسلم العادي البسيط كحمدان الفلاح.
شقَّ "عبدان - السارد" طريقه في اتجاه التحوُّل، مستندًا إلى علاقة متينة تربطه بحمدان، فهو ابن عمه وكان خطيب أُخته المخطوفة، ورفيق مأْساته في فَقْدها، كما استند أيضًا للدور الذي ستلعبه "زوجة - خليلته" "شهر" في هذا المضمار في الإيقاع بالبطل، ولا يَخفى دور "راجية" أيضًا في الإجهاز على بقيَّة ما تبقَّى من مقومات شخصيَّة البطل "الفلاح" "المحافظ"، وتترابط المرحلتان: النظرية والعملية "الأهوازي - عبدان"؛ إذ تُعَدُّ المرحلة الثانية "عبدان" حصادًا للمرحلة الأولى "حسين الأهوازي"، والعرض السردي التالي سيوضِّح الصورة: تظهر "شهر" وهي تتفقد "راجية" المريضة، غير أنها تشكَّكت في أمرها، فما زالت بها حتى أقرَّت لها بأنها حامل من حسين الأهوازي، حين مكَث في منزلهم فترة مرْضه وفترة نشْره الدعوةَ، وتُطَمئنها "شهر" أنها ستعالج الموضوع مع حمدان، ويصل حمدان فتقابله "شهر" مُغرية له بملابسها وكلماتها، ويأتي عبدان فيقدمها له "هديةً" حين عرَض عليه أن يتركَها تُدلك جسمه وقَدَميه، فهو مُتعب من جهد الدعوة!!
ولَم يبقَ بعد ذلك - أمام عبدان - إلاَّ القليل من الجهد الحواري يديره مع حمدان؛ ليواجهه بحقيقة وقوعه مع "شهر"، وحقيقة وقوع أُخته مع حسين الأهوازي...، ومَهْمَا أظهَر السارد تخبُّط حمدان في ردَّات فعْله تجاه هذا الإسقاط، فلم يعدُ ذلك أن يكون مجرَّد تخبُّط مَن وقَع في الشرك أو الشبكة، فلا ينتهي به الأمر حتى يستسلم، وهكذا وقَع "حمدان"، خاصة بعد مصارحة عبدان بسقوطه هو قبله مع "شهر"، التي كان يعتقدها "أُخت" الداعية الكرماني الذي ضمَّ عبدان للمذهب، فطلب منه تزويجَها له، فمنَحه إياها دون زواج، وهذا هو سلوك المذهب، وتبيَّن له فيما بعد أنها ليستْ أُخت الكرماني، بل هي خليلته وهي إحدى الداعيات للمذهب.
وهكذا رصَد وساقَ السارد بطله للتحوُّل الأخير بانتمائه لمذهب القداحين، ثم بتكوينه لمذهبه مذهبِ القرامطة بعد ذلك، ومهما يكن، ومهما قلنا، فقد انتقَل السارد ببطله إلى المرحلة التكوينيَّة الأخيرة؛ حيث تحوَّل إلى قائد للدعوة: يكوِّن الجيوش، ويجمع المال، ويشتري السلاح ويُخزنه، ويُدرب الرجال، ويتهيَّأ لساعة الحسم التي واتتْه بعد أن بلَغ عددُ جيشه مائة ألف مقاتل، نهَض بهم إلى السواد، فهزموا جنود السلطان، واتَّخذ عاصمة ملكه "مهيماباذ"، وبدأ في تكوين دولته "دولة القرامطة".
يتبع