ثقافة الالتزام الأخلاقي في الشعر الجاهلي سعدية حسين البرغثي ود. يونس ابراهيم 3 – عادة حسنة: من يتّق الذّمّ بالقرى يتعوّد عليه، ولا مجال للتّخلّي عن هذه العادة الحسنة، عبّر عن ذلك (أحد بني حرب)، وكان بعض النّساء قد لامته على إنفاقه أمواله: باتَتْ تَلُومُ وَتَلْحَاني على خُلُقٍ عُوِّدُتُه عادةً والجُودُ تَعوِيدُ إنّا إذا ما أَتَيْنَا أمْرَ مَكْرُمَةٍ قالتْ لنا أنْفُسٌ حَرْبِيَّةٌ عُودُوا[40] 4 – صون العرض: أملي الخُلق القويم على العربيّ أنْ يكون جواداً؛ ليصون عرضه وخير من فعل ذلك (حاتم الطّائي) إذ يقول: ذَرِيني يَكُنْ مَالِي لِعِرْضِي جُنَّةً يَقِي المالُ عِرْضِي قَبْلَ أَنْ تَتَبَدَّدَا[41] 5 – وسيلة من وسائل السّيادة: قد يكون الكرم وسيلة من وسائل السّيادة، ولا عجب في ذلك، لأنّ صاحبه يجود بماله من أجل أهداف إنسانية نبيلة، وخير مثال على ذلك (حاتم الطّائي)، فقد بيّن ذلك في قوله: يقولون لي أهلكتَ مالك، فاقتصدْ وما كنتُ، لولا ما تقولون سيدا[42] يتبيّن من خلال استعراض هذه الحوافز، أنّها تصبّ في معين ثقافة الالتزام الخُلقي، فالأريحي الذي يسعى لتحقيق الثّناء والحمد في حياته وبعد مماته، ويخاف من الذّم، يمدّ يد العون، لرفع المعاناة عن البائسين، وإدخال الأمن في نفوس الطّارقين، يرتقي بنفسه إلى أعلى درجات المروءة والشّهامة، ولن يتخلّى عن هذه العادة الحسنة، فمن خلالها تتجلّى معاني الإنسانية في نفسه، فهي عنوان الفضيلة، يشعر صاحبها بالسّعادة والرّاحة النّفسية، وهو بذلك يصون عرضه، وذلك أقدس ما يسمو إليه المرء، وبذلك يستحق الكريم أن يكون سيداً في قومه. و تلمع بوارق هذه الثّقافة في حديث الشّعراء عن الغاية من الكرم، فالخِضَم كان يجود بماله من أجل أهداف سامية تتمثّل في تقديم المساعدة للمعوزين، فقد ضرب (عروة ابن الورد) أروع الأمثلة في المشاركة الوجدانيّة، وإذابة الفوارق في مجتمع ما قبل الإسلام، لدرجة أنّ (عبد الملك بن مروان) قال: " ما يسّرني أنّ أحداً من العرب ولدني ممّن لم يلدني إلا عروة "[43] لقوله: إِنّي امرؤٌ عافي إنائِيَ شركةٌ وأنت امرؤُ عافي إنائِكَ واحدُ أتهزَأُ منّي أن سَمِنْتَ وقد ترى بجسمي شُحوب الحقِّ والحَقُّ جاهدُ أُقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ وأحسو قَراحَ الماءِ، والماءُ باردُ[44] إنّه الالتزام الخُلقي، تطبيقاً لقانون إنساني نابع من مروءة الشّاعر وشهامته، فتعاليم الدّستور الرّباني لم تلج بعد إلى قلب الرّجل، حتّى يستجيب لها. وسعى (حاتم الطّائي) إلى صلة الرّحم، استجابة لنداء الفطرة في مثل قوله: يرى البخيلُ سبيلَ المالِ واحدةً إنَّ الجوادَ يرى في مالِهِ سُبُلاَ لا تعذليني على مالٍ وصلتُ به رَحْماً، وخيرُ سبيلِ المال ما وَصَلا[45] وجاد بماله لفك العاني، حيث يقول: يُفَكُ به العاني ويُؤْكل طيباً ويُعْطَي إذا قِيلَ مَنّ البخيلُ المطَرَّدُ[46] ولعلّ أسمى الغايات وأنبلها، ابتغاء وجه الله تعالى، هذا ما أشار إليه (الشّاعر السّابق)، وأيّ غاية أعظم من تلك الغاية؟! فلو كان ما يُعطى رياءً لأمْسَكَتْ بِه جنباتُ الّلوم، يَجْذِبْنَهُ جَذْبَا ولكنّما يبغي به اللهَ وَحْدَهُ فَأَعْطِ، قد أرْبَحت، فِي البيعةِ الكَسْبَا[47] هذا العربيّ الغيداق، الّذي بذل ماله من أجل أهداف نبيلة، كان عفيف النّفس، يكفّها عما لا يحلّ ويجمل، فقد كان يكبح جماح شهواته، وينأى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ لأنّه أخضع شهواته وغرائزه لضوابط العقل والقانون وقد تمثّل ذلك في: يتبع
سُئل الإمام الداراني رحمه اللهما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟فبكى رحمه الله ثم قال :أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هوسبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.