عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 11-07-2021, 02:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,367
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثقافة الالتزام الأخلاقي في الشعر الجاهلي

والّذي يُهمّنا من هذه الصورة موقفان:



الأوّل: الموقف الإنسانيّ النّبيل الفريد الّذي تمثّل في إيثار الغير على عياله في الطّعام، الّذي وصل بالشّاعر إلى أعلى مراتب المروءة.







والآخر: صبره على الجوع، خوفاً من حياة الذّل والهوان، فالموت عنده أهون من ذلك، وفي ذلك تعبير عن أريحية فريدة، والتزام خلقي متميّز.







وخاض (الشّنفري) في لاميته صراعاً مريراً مع الجوع، حيث المماطلة والتّسويف حتّى أماته؛ لاجتناب الذّام[31].







وآمن العربيّ بالوفاء، لأنّه تربّى عليه، وغدا خُلقاً عامّاً عنده، وتحلّى به بخاصّة أنّه مبنيّ على الصّدق والقوّة والشّجاعة والتّضحية في سبيل هذا المبدأ، فالتّمسّك بالكلمة مقدّس عند العربيّ في ظلّ مجتمع تُلْقى القوّة بظلالها عليه، فلا مجال للغدر في قاموسهم ومن تسوّل له نفسه فعل ذلك، يُرفع له لواء في سوق عكاظ للتّشهير به، وتأديبه على مرأى ومسمع من القوم ليكون عبرة وعظة لسواه، فالالتزام الخُلقي يفرض على العربيّ التّمسّك بالوفاء وفي ذلك قال (الحادرة) لصاحبته(سميّة)، مفتخراً بهذه السّجيّة:









أَسُمَيّ ويحكِ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ

رُفِعَ الّلواءُ لنا بها في مَجْمَعِ



إنّا نعفُّ فلا نُريبُ حليفَنَا

ونكفُّ شحَّ نفوسنا في المطمع[32]










وخير مثال نسوقه في هذا المجال ما فعله (السموأل)، الذّي أودعه (امرؤ القيس) دروعاً، فجاءه (الحارث بن ظالم) أو (الحارث بن شمر الغسّانيّ) لأخذها، فتحصّن منه، فأخذ (الحارث) ابنا له غلاماً وكان في الصّيد، وهدّده بقتله أو يُسلّم الأدراع، فأبى، فضرب (الحارث) وسط الغلام فقضى عليه، وبذلك سطّر (السّموأل) أروع مثال في الوفاء، وحقّ له أن يفتخر بذلك، حيث قال:









وفيتُ بذمّةِ الكِندي إنّي

إذا ما خَان أقوامٌ وفيتُ



وأوصي عادياً يوماً بألاّ

تُهَدِّمُ يا سموألُ ما بنيتُ



بنى لي عاديا حصناً حصيناً

وعيناً كلما شئتُ استقيتُ[33]










لقد استحق أن يُضرب به المثل: أوفى من السموأل "[34]؛ لأنّه ضحّى بفلذة كبده، ولم يضعف أمام التّهديد والوعيد.







أليس ما فعله ضرب من الالتزام الخُلقي ؟!، لقد ضبط سلوكه داخلياً وأخضعه إرادياً لهذه القيمة دون إكراه، أليست هذه ثقافة متأصّلة، وحيّة وقويّة وفاعلة ؟!، ألم يرقَ إلى أعلى مراتب المروءة ؟! ألم يقدّم لنا درساً عملياً في هذا المجال ؟!







والتزم (عدي بن زيد) بالوفاء مع الأصدقاء وإنْ خانوا في مثل قوله:









وما بَدَأتُ خليلاً لي أخاً ثِقَةً

بِرَيْبَةٍ ولا رَبِّ الحلِّ والحَرَمِ



يأبى لِيَ اللهُ خَوْنَ الأصفياءِ وإنْ

خَانُوا وداري لأنّي حاجزي كَرَمِي[35]










ولم يقتصر الوفاء على الرّجال، فتعدّاه إلى النّساء، فمن الأسماء الّتي لمع نجمها في هذا المجال (فكيهة) الّتي غدت مضرب المثل في الوفاء بين النّساء.







يُذكر أنّ (السٌّليك بن السُّلكة) أغار على بني عواد " بطن من بطون مالك" وعجز عن الظّفر بشيء، وأرادوا مساورته، فلمّا رأى أنّه مأخوذ لا محالة، حاملهم وقصد لأقرب بيوتهم وولج على امرأة يُقال لها (فكيهة)، فاستجار بها، فمنعته، وجعلته تحت حمايتها، ودافعت عنه بكلّ ما أُوتيت من قوّة، فلمّا تكاثروا عليها كشفت خمارها وطلبت النّجدة من إخواتها فنجا (السُّليك) من براثن سيوف القوم[36].







وثمّة ضغط خارجي، يقابله تفاعل واستجابة نابعة من نفسية الإنسان في الكرم باعتباره قيمة خُلقية تتجلّى في حوافزه، ومن هذه الحوافز:



1- تحقيق الثّّناء والحمد: كان العربيّ جواداّ يسعى لتحقيق الثّناء والحمد؛ لأنّه أغاث المعوزين ذوي المتربة، وفي ذلك يقول رجل من آل حرب ردّاً على من لامته لمبالغته الجود:









قالت أرَاكَ بما أنفقتَ ذا سَرَفٍ

فيما فَعَلتَ فَهَلاّ فيك تَصْرِيدُ



قُلتُ اتركيني أَبِعْ مالي بِمَكْرُمَة

يَبْقَى ثنائي بها ما أوْرَقَ العُوْدُ[37]










2 - الخوف من الذَّمَ: كان لزاماًً على المضيف أن يكرم ضيفه؛ حتّى لا يكون لُعْنَة للنّزّل، أشار إلى ذلك (عمرو بن الأهتم) في مثل قوله:









وكلُّ كَريمٍ يتَّقي الذَّمَّ بالقِرَى

وللخير بين الصّالحين طريقُ










وكذلك (حاتم الطّائي) في إطار حديثه لزوجه (ماويّة):









إذا ما صنعتِ الزَّادَ، فالتمسي له

أكيلاّ، فإنّي لستُ آكله وحدي



أخاً طارقاً، أو جارَ بيتٍ، فإنّني

أخافُ مذمّاتِ الأحاديثِ من بعدي[39]







يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.39 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]