
08-07-2021, 03:12 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة :
|
|
رد: دور المربين في إعداد الأجيال القادمة
ثم إن التعليم المدرسي في أي بلد ينطلق من نظام تربوي متفق عليه مسبقًا، وهو يرتكز على عوامل أربعة:
1- طبيعة المجتمع، أهو متحرر، دكتاتوري، جمهوري، ملكي طبقي، عمالي، فلاحي، أرستقراطي، إيماني، إلحادي...؟ إلخ.
2- التقاليد التربوية السائدة في المجتمع، هل التربية للجميع أو للنخبة؟ هل هي خاصة أم عامة؟ نظرية أم مهنية؟
3- ما نعرفه عن طبيعة البشر، هل الإنسان مخير أو مجبر؟ أو هو مجبر في أشياء ومخير في أشياء؟
4- ثم ما نأخذ به من مفاهيم عن العملية التربوية، هل هي عملية تذكر؟ أو هي عملية تدريب للعقل؟ أو هي عملية تعديل للسلوك؟
سابعًا: معنى التعلم:
إن تحديد مفهوم مصطلح التعلم من الموضوعات التي اختلف فيها العلماء، وهو كغيره من الموضوعات التي تتعلق بالإنسان وحياته، إلا أن هناك ثلاثة مفاهيم عامة، يحدد على ضوئها مفهوم التعلم، وكان لهذه المفاهيم أثر كبير في التدريس، وفي الخطط المدرسية والمناهج، وحتى إن ثبت خطأ بعضها لاحقًا نتيجة البحوث والتجارِب التربوية الحديثة، وحتى إن كان أثر هذا البعض لا زال قائمًا ومرتبطًا بكثير من مشكلاتنا وممارساتنا التربوية، وهذه المفاهيم هي:
1- التعلم كعملية تذكر.
حسب هذا المفهوم، العقل مخزن فارغ عند الولادة، ثم يبدأ في التخزين نتيجة الاحتكاك بالبيئة الخارجية، ومهمة التعلم هي إخراج هذا المخزون بواسطة الأسئلة، وترتب على هذا كثرة المواد التعليمية وتنوعها، والاهتمام بالفلسفة واللغات اللاتينية والإغريقية والفنون كمواد أساسية للحصول على أكثر مخزون من الخبرات والتجارِب الإنسانية.
2- التعلم كعملية تدريب للعقل.
يرى هذا المفهوم أن العقل عبارة عن ملكات وقدرات، ومهمة التعلم هي استكشاف هذه الملكات والقدرات، (مثل: التفكر والتذكر، والحفظ والتصور والتقييم... إلخ) وتدريبها، وترتب على هذا المفهوم التفاضل بين المواد الدراسية، واعتبار الرياضيات والعلوم أساسًا لهذه المهمة، وأشهر مؤيدي هذا الاتجاه هو الفيلسوف الإنجليزي جون لوك.
3- التعلم كعملية تعديل للسلوك.
يذهب أصحاب هذا المفهوم إلى القول بأن التعلم عملية تعديل دائم للسلوك، وأن هذه العملية عملية مستمرة مدى الحياة، ويتم باحتكاك الفرد بالمثيرات في محيطه البيئي والاجتماعي.
وهذا المفهوم هو الاتجاه السائد في الممارسات التربوية الآن، وهو ما يتبناه السلوكيون عمومًا.
4- التعلم عند السلوكيين.
يعرف جيتس التعلم بقوله: هو تغيُّرٌ في السلوك له صفة الاستمرار، وصفة بذل الجهد المتكرر، حتى يصل الفرد إلى استجابة ترضي دوافعه وتحقِّق غاياته.
وأن هذه العملية تأخذ في أغلب الأحوال صورة حل المشكلات.
ميرسل يعرف التعلم بأنه: يتضمن تحسنًا مستمرًّا في الأداء، وأن طبيعة هذا التحسن يمكن ملاحظتها نتيجة التغيرات التي تحدث أثناء التعلم.
جيلفورد، يعرف بقوله: التعلم هو أي تغير في السلوك يحدث نتيجة استثارة.
من مجموع هذه التعريفات نستخلص أهم مبادئ التربية، وهي:
• المثير والاستجابة.
• الدوافع والأهداف.
• الممارسة والنشاط والتكرار.
• التحسن والإشباع.
• مجموع العلاقات المتداخلة في العملية التعليمية التعلمية.
• عدم اقتصار التعلم على تحصيل المعلومات والحقائق، وإنما يمتد إلى تعديل الاتجاهات والسلوك.
ثامنًا: دور المربي:
كان هذا التلخيص ضروريًّا لبيان أهمية تكوين المربي قبل الحديث عن دوره، وهذا الدور لا يتحقَّق إلا بعد الإلمام بكثير من المضامين، بالإضافة إلى الجانب الخُلقي، ليتمكن من اختيار ما يتناسب مع تطلعات مجتمعه دينيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وفلسفيًّا وعلميًّا وأخلاقيًّا.
مرتكزات العملية التعليمية:
إن العملية التعليمية تحت أي تسمية، ترتكز أساسًا على ثلاث دعائم، ويصطلح لها بمثلث العملية التعليمية، وهذا المثلث هو:
المتلقِّي: الشخص الذي يقدم إليه المحتوى تحت إحدى هذه التسميات: الدارس، المستفيد، المتعلم، التلميذ، الطالب.
المحتوى: المادة العلمية التي تقدم على صورة الدرس، الحصة، المحاضرة.
المعلم: الشخص الذي يختار المحتوى المناسب ليقدمه بصفته مدرسًا، محاضرًا، مرسِلاً، مكونًا.
والمدرس: هو أهم هذه العناصر الثلاثة؛ لأنه هو الذي عليه اختيار المحتوى المناسب وتقديمه إلى المتلقي في صورة حصص ودروس، وقيل: المدرس الجيد التكوين يستطيع أن يحقق نتائجَ مُرضيَة ولو مع المحتوى الرديء، أو مع المتعلِّم الضعيف، لا العكس.
فالمربي أو المدرس إنسان جيد التكوين علميًّا وثقافيًّا، ولكن هذا لا يكفي ليكون مربيًا، بل لا بد من أن يتمتع بالخصال الحميدة، والصفات الكريمة؛ ليثق به المجتمع ويسند إليه مهمة تكوين الأجيال؛ إذًا عليه أن يقدم القدوة والنموذج للأطفال حتى في طريقة مشيه وكلامه، وارتداء ملابسه... إلخ.
وقد فطن الأقدمون إلى ما للمربي من تأثير على الأولاد، وما يتركه فيهم من أخلاق نتيجة المعايشة والاحتكاك والاقتداء، فأكدوا أهمية إصلاح ذاته وأخلاقه قبل الحديث عن إصلاح الأطفال.
وقد جاء في وصية عتبة بن أبي سفيان لعبدالصمد مؤدِّب ولده، قوله له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح ابني، إصلاح نفسك؛ فإن أعينهم معقودة بعينك، والحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت.
لذا، يجب على المربي - بصفة عامة - أن يكونَ على جانبٍ عظيم من الخُلق الحسن، والخصال الجميلة، والفعال الكريمة.
وعلى مدرس الدين بالخصوص أن يكون متحلِّيًا بالفضيلة، والأخلاق الحميدة، وحسن السيرة، والمعاملة الطيبة، حتى يؤثِّر في تلاميذه علميًّا وسلوكيًّا وأخلاقيًّا، ليحبِّب الدِّين إلى الأطفال.
فعلى معلم الدِّين أن يعمل بما يعلمه تلاميذه، ويتمسك بما يرشدهم إليه ويحثهم عليه، وليحذر كل الحذر أن يقع منه ما يخالف الفضائل التي يدعوهم إليها.
إن المربي لا يمكن بحال من الأحوال أن يقوم بدوره التكويني إلا إذا كان ذا ثقافة وهمة عالية، مدركًا شيئًا عن كل شيء، ومدركًا كل شيء عن فن واحد؛ فالمربي عالم ومثقف.
وأن يكون متخلِّقًا بأخلاق الأنبياء، من حيث الصدق والأمانة، والرحمة والصبر، والنصح والموضوعية في إيصال رسالته التعليمية.
وأن يكون كثير الاطلاع، بعيدًا عن التعصب، قابلاً للنقد البنَّاء من زملائه، وحتى من تلامذته، وأن يحسن التعامل مع الأولاد، على أساس أنهم أطفال لهم ميول ورغبات وقدرات، وأنهم في حاجة إلى اعتبار وتشجيع، وأن من واجب المربي أن يتعامل مع جميع ملَكات الأولاد وقدراتهم العقلية والوجدانية والسلوكية الحركية.
ولِيتمكن المربي من خَلْق قادة مستنيرين لا بد له من إيجاد جوٍّ مدرسي حرٍّ، يمارس فيه الأولاد التفكير وحرية التعبير، ويستخدمون الأساليب العلمية في حل المشكلات، ويتدربون على فنون الحوار والنقاش، وعلى استخدام البرهان العقلي والبرهان النقلي.
وأن يكون مستقبليًّا يعلم ويدرب الأولاد أساليب حل المشكلات، ويتجنب التلقينَ وتقديم الحلول الجاهزة.
وليس من المقبول بتاتًا أن نجعل تعليمنا في القرن الواحد والعشرين يعتمد على الحفظ والاستظهار، بدلاً من التفكير، وكتابنا الذي أمر بالقراءة يخاطب دائمًا أعلى مستويات العقل في الإنسان.
فقد ورد في القرآن الكريم الصيغ الآتية:
أفلا يتدبرون، أفلا يتفكرون، أفلا يعقلون، أولو الألباب، أولو الأبصار، سيروا فانظروا، إلى غير هذا من المستويات العقلية العليا، التي خاطب بها المولى الإنسان، والتي يجب أن ننميها في المتلقِّين، وألا نجعل الحفظ فقط يتحكَّم في أطفالنا، والحفظ - كما يرى المربون - هو أدنى مراتب العقل في الكائنات؛ لأن كثيرًا من الحيوانات تشارك الإنسان في هذا المستوى، فليعلم المربون أن الأطفال لزمان غير زماننا؛ فقد لا ينفعهم حفظ النصوص إذا لم يتعلموا ويتدربوا على أساليب التحليل والمناقشة والاستنباط والبرهنة والتقييم... إلخ.
ولا بد من الأخذ بالمستجدات في مجال العلوم والمعرفة والتكنولوجيا، بالإضافة إلى العلوم الشرعية والإنسانية؛ لأننا أمة أمَرنا الله بعمارة الأرض؛ قال تعالى في الآية 61 من سورة هود: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ [هود: 61].
وعلى المربي أن يأخذ بوسائل الاتصال الحديثة من حاسوب وإنترنت، وما يتصل بها من برمجة، يتدرَّب عليها، ويدرب تلاميذه.
وأهم من كل هذه هو أن يربط المربي بين العلم والعمل والأخلاق؛ ليكون لنا قادة نيرون، وشباب يتعلمون ويعملون بما تعلموه مدى الحياة، منطلِقين في كل هذا بوحيٍ من الأخلاق التي جاء بها الرسولُ الأعظم صلى الله عليه وسلم، ومن غيرِ المقبول أن يتخلى الشبابُ عن واجباتهم الأُسرية بحجة القيام بالدعوة، أمَا يعلم هؤلاء الدعاة الجدد أن سلفنا الصالح كانوا يجمعون بين العلم والعمل والدعوة، فإن لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حق حقَّه.
فيجب أن نحترم سلم الأولويات في جميع أمورنا، وليكن شعارنا دائمًا قول معلم الإنسانية محمد بن عبدالله: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنَه)).
خذها أيها المربي حكمة ودرة ثمينة، أرسلها العالم المربي أبو الأسود الدؤلي في شِعر جميل:
يا أيها الرجل المعلِّم غيرَه
هلا لنفسك كان ذا التعليمُ 
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى
كيما يصح به وأنت سقيمُ 
وتراك تصلح بالرشاد عقولنا
أبدًا وأنت من الرشاد عديمُ 
ابدأ بنفسك فانْهَها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ 
فهناك ينفع ما تقول ويقتدى
بالقول منك ويفلح التعليمُ 
لا تَنْهَ عن خُلق وتأتيَ مثله
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ 
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|