عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 06-07-2021, 04:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,643
الدولة : Egypt
افتراضي قراءة الآمدي السياقية لشعر أبي تمام

قراءة الآمدي السياقية لشعر أبي تمام


د. المختار السعيدي





يحيل العنوان على ثلاثة مداخل تشكل تمهيدا لهذه الدراسة:
1 – القراءة:
لا ريب في أن فعل القراءة أضحى يشكل بؤرة الدراسات النقدية الحديثة نتيجة الإبدال الجديد في نظرية الأدب التي عرفت بزوغ شمس التلقي حيث أذابت جليد الدراسات النصية المنغلقة؛ إذ بوأت نظرية التلقي القارئ السلطة الفاعلة في كشف أسرار النص، والحقيقة التي لا مراء فيها أن القارئ لم يغب يوما عن العملية الإبداعية حتى في تلك القراءات النصية، لأنه قطب العملية الإبداعية عبر ثالوثها: المبدع – النص – القارئ، لذا لم يكن الاحتفاء به غير تأكيد لدوره الفاعل في نفخ روح الحياة في رفات النص. ولا ريب في أن فعل القراءة عملية معقدة تلتحم فيها هواجس الذات بقيود الموضوع لا سيما إذا وضعنا في الحسبان الخلفية الظاهراتية لنظرية التلقي التي قامت على أساس محاربة سراب النزعة الموضوعية. ولما كان شعر أبي تمام قد أثار ردود فعل متباينة شكلت أحيانا سلطة تاريخية توجه ردود أفعال القراء اللاحقين فقد آثرت حصر هذه الدراسة في أبي القاسم حسن بن بشر الآمدي أحد أبرز قراء شعر ابي تمام. لذا كان المضاف إليه الذي خصص المضاف يشير إلى المتلقي الذي يتواصل مع المبدع عبر وساطة النص، حيث إن ذكر الآمدي يجعل دارس الأدب يستحضر شعر أبي تمام دون تردد.

2 – شعر أبي تمام
يشكل هذا المركب الإضافي العنصر المقابل للمركب الإضافي الأول، فكلمة شعر تقابل كلمة قراءة، إنه النص الذي يقابل عملية التلقي، ورغم أن النص أسبق في الوجود، إلا أن القراءة هي التي تضمن له الخلود، وقد اقتضى التقابل بين المضافين تقابلا موازيا بين المضاف إليهما.

لقد ارتبط شعر أبي تمام بمذهب البديع باعتباره شعرية جديدة افترعت طريقا "معقدة" في الإبداع الشعري، ومن هنا تعددت القراءات التي تعكس هذه الرجة التي أحدثها الطائي الأكبر، لذا يجدر التنبيه إلى أن الحديث عن شعر أبي تمام بصيغة الإطلاق لا يمنع من التركيز على تلك الأبيات "المثيرة"، باعتبار أن الشعر الخالد هو الذي يستفز قارئه، سواء أكان يستجيب لأفق توقعه[1]، أم يخيب ذلك الأفق.

لكن ذلك الشعر المستفز لا بد من أن يُقرأ بآليات محددة، ولا غرو في أن يستند الآمدي إلى هذه الآليات في قراءة شعر الطائي، وأهمها السياق.

3 – السياق:
لا يخفى احتفاء العرب بالسياق ودوره في تشكيل المعنى، فقد أثاره النحاة وعلماء الأصول والتفسير، والبلاغيون الذين يمكن اعتبار كلامهم عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال وتعلق البلاغة بالمقال والمقام والعلاقة بينهما أبرز تجليات الاحتفاء بالسياق اللغوي والسياق غير اللغوي[2].

ومن المعلوم أن نظرية السياق قد استوت على سوقها لدى فيرث (1890-1960)، في إطار مدرسة لندن التي عرفت بالمنهج السياقي Contextual Approach، حيث إن ( معنى الكلمة عند أصحاب هذه النظرية هو "استعمالها في اللغة"، أو "الطريقة التي تستعمل بها"، أو "الدور الذي تؤديه". ولهذا يصرح فيرث أن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية، أي وضعها في سياقات مختلفة)[3]، بيد أن هذا لا يعني أن رواد النظرية السياقية قد أهملوا الظروف المحيطة باستعمال اللغة حيث (اقترح K. Ammer تقسيما للسياق ذا أربع شعب يشمل:
1 – السياق اللغوي linguistic context.
2 – السياق العاطفي emotional context.
3 – سياق الموقف contextsituational.
4 – السياق الثقافي[4] contextcultural).

وهكذا يشكل السياق الحكم العدل بين تحيزات الذات القارئة، وخصائص موضوع البنية النصية، رغم أن ذلك الحكم يخضع لسلطة الذات القارئة.

قراءة الآمدي السياقية:
يمكن التمييز في قراءة الآمدي السياقية لشعر أبي تمام كما تجلت في كتاب الموازنة، بين مستويين اثنين:
1 – مستوى السياق اللغوي:
ويمكن اعتبار قول الآمدي في الموازنة مؤطرا لهذا المستوى، إذ قال:
(إن رداءة الكلام منظومه ومنثوره ليست من أجل رداءة المعنى فقط، بل يكون أيضا من أجل رديء اللفظ، وقبيح النظم وسوء التأليف، وأن يقترن البيت بما لا يليق بموضعه (...) واعلم أن رديء اللفظ يكون على وجهين، إما أن تكون اللفظة من ألفاظ العوام سخيفة في نفسها، أو جيدة قد وضعت في غير موضعها، فصارت رديئة في ذلك الموضع خاصة)[5].

إن ما يمكن أن نستنتجه من هذا النص هو:
شمولية المعايير الجمالية التي تصدر في ضوئها الأحكام القيمية على نوعي الكلام: نثره وشعره. وما يهمنا في هذا الإطار هو منظوم الكلام.

رداءة المعنى عنصر بدهي في الحكم على رداءة الكلام، ويمكن أن يشمل حديث الآمدي عن رداءة المعنى الجانب المتعلق بالسياق غير اللغوي.

السياق اللغوي يمكن النظر إليه من خلال زاويتين أساسيتين:
1 – رداءة اللفظ، وذلك عبر مستويين:
أ- لفظ سخيف في نفسه.
ب- لفظ جيد لكن وضع في غير موضعه. وهذا التقسيم ينطلق من فرضية جمال الألفاظ ورداءتها في ذاتها قبل تسييقها، وهذا ما ثار عليه عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم.

2 – سوء التأليف وقبيح النظم.

ورغم ما بين هذه الزوايا من صلات متينة إلا أن الإجراء المنهجي يحتم علينا دراسة هذه القراءة السياقية اللغوية عبر محورين:
1 – السياق اللغوي التداولي:
وأقصد به استعمال اللفظة ومستويات تداولها، حيث يمكن اعتبار معيار جزالة اللفظ كما حدده المرزوقي الإطار العام الذي كان يوجه قراءة الآمدي، حيث أكد الآمدي ضرورة أن تكون الكلمة في منزلة بين المنزلتين: فلا يستعمل الشاعر ألفاظ العامة، ولا يأتي بالألفاظ الحوشية؛ وفي هذا الصدد تندرج قراءة الآمدي لبيت أبي تمام:
جَليْتَ والموْتُ مُبْدٍ حرَّ صَفْحَتِهِ
وَقَدْ تَفَرْعَنَ في أفْعالِهِ الأَجَلُ[6]



حيث يقول الآمدي مبيّنا أثر استعمال لفظ العامة على المعنى: (وقوله "وقد تفرعن في أفعاله الأجل"، معنى في غاية الركاكة والسخافة، وهو من ألفاظ العامة، وما زال الناس يعيبونه به. ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطل على كل النفوس فعلا من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى نفس كل فرعون كان في الدنيا)[7].

وإذا كان أبو تمام أبدع في اشتقاق هذا الفعل فأوخذ، فإن استعماله لألفاظ أخرى على غير طريقة العرب أولى بالمؤاخذة من وجهة نظر الآمدي، ومن ذلك قول الشاعر [الكامل]:
مَا مُقْرَبٌ يخْتَالُ في أشْطانِهِ
مَلآنُ منْ صَلَفٍ بهِ وتَلهْوُقِ[8]



فاستعمال أبي تمام للفظ الصلف على مذهب العامة لا العرب جعله يذم الفرس من حيث أراد أن يمدحه[9]؛ فقصدية أبي تمام تتأسس على مذهب العامة، لأن طريقة استعمال العرب لهذه اللفظة مختلفة، فهم يقولون: (قد صَلفَتِ المرأة عند زوجها، إذَا لمْ تحْظَ عِنْدَه، وصَلِفَ الرجل كذلك؛ إذَا كانت زوجته تكرهه (...) والصَّلِف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب: "رب صَلَفٍ تحت الراعدة"، يعنون الرعد بغير مطر)[10]، فالطائي بين أمرين أحلاهما مر! وأصحهما خطأ!! فإن قرأنا المعنى بقصدية المبدع تجلى الخطأ في اتباع مذهب العامة، وإذا قرأناه بقصدية القارئ (الآمدي)، برز الخطأ في ذم الفرس! وهذا كله يرجع إلى أن (الكلمة إذا لم يؤت بها على لفظها المعتاد هجنت وقبحت)[11].

إن هذين النموذجين يبرزان لنا أهمية السياق اللغوي التداولي في الحكم على شعر أبي تمام، حيث كان استعمال الشاعر لألفاظ العامة يخيب أفق توقع الآمدي فيحكم على الشعر بالرداءة، لأن الشاعر لم يحترم السياق الشعري الفصيح، الذي كان يرى استعمال الألفاظ الدارجة في كلام العامة يزري بالشعر الذي يجب أن يبقى "طاهرا" من ألفاظ العامة، وهو ما يشكل رأيا جماعيا كان يستند إليه الآمدي في قراءته كما يعكس ذلك قوله في قراءة النموذج الأول: "وما زال الناس يعيبونه به"، غير أن تبرير هؤلاء الناس يضفي بعض الغبش على رأي الآمدي، ذلك بأن حجتهم تتجه إلى معنى الكلمة، وعدم إيفائها بالمعنى المقصود، لا استعمالها عند العامة، إلا أن يكون هذا التبرير ناجما عن ازدراء لغة العامة البعيدة عن شروط البلاغة والفصاحة.

أما النموذج الثاني فإنه يبرز علاقة البنية النصية بقصديتي المتلقي والمبدع كما أشرت إلى ذلك سابقا، ذلك بأن العامة تقصد باستعمال لفظ الصلف معنى التيه والكبر، وهو ما قصده أبو تمام من وجهة نظر الآمدي، أما الاستعمال الفصيح في اللغة الأدبية، الذي لم يقصده المبدع من وجهة نظر الآمدي فيتمثل في الذي لا خير عنده، كما يستشف من المثل العربي الشاهد على الاستعمال الفصيح للفظ الصلف، والمخطّئ استعمال الشاعر، لأن السياق غير اللغوي هو الموجه لقراءة الآمدي وإن لم يصرح بذلك كما سأبين بعد حين.

وفيما يتعلق باستعمال االلفظ الحوشي فقد أكد أبو القاسم أن (أبا تمام كان لعمري يتتبعه، ويتطلبه، ويتعمل لإدخاله في شعره)[12]، ويضرب مثلا لذلك التعمل قول أبي تمام [البسيط]:
أهْلسُ أليَسُ لَجَّاءٌ إلى هممٍ
تُغَرِّقُ العِيسَ في آذِيِّها الليسَا[13]



إذ يعلق الآمدي على هذا الاستعمال بعد أن يبين المقصود بمصطلحي الأهلس والأليس[14]: (فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا)[15]، بيد أن هذه الجملة الشرطية في الأخير يفهم منها إن عدم اجتماع اللفظتين يغدو أمرا مقبولا، وهذا ما وضحه الآمدي بشكل جلي عبر النص الذي نقله عن ابن الجراح الذي قال عن استعمال الشاعر الحضري لألفاظ البدو: (فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشي الذي يقل استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقا في تضاعيف ألفاظه)[16].

وهكذا فإن الألفاظ الوحشية درجتان: الأولى: تمثل الدرجة الدنيا، وهي مقبولة، لأنها ألفاظ مستعملة عند أهل البدو، والثانية: تمثل الدرجة القصوى وهي مرفوضة، لأنها ألفاظ يقل استعمالها عند أهل البدو؛ وحتى الدرجة الدنيا مقبولة بشرط التفريق، مما لم يلتزم به أبو تمام في بيته السابق الذي جمع الألفاظ الوحشية في بيت واحد. وهذا الشرط يحيلنا على النمط الثاني من السياق اللغوي الذي وجه قراءة الآمدي لشعر أبي تمام.

2 – السياق اللغوي النظمي (التأليفي):
إذا كان النمط السابق ينظر إلى علاقة اللفظ بالاستعمال كما تشي بذلك صفة التداولي، فإن هذا النمط ينظر إلى العلاقة الأفقية بين ألفاظ البيت كما تشي بذلك صفة النظمي أو التأليفي، حيث توقف الآمدي عند معاظلة[17] أبي تمام، وفي هذا الصدد يعلق على بيت حبيب المشهور [البسيط]:
خانَ الصفاءَ أخٌ خان الزمانُ أخًا
عنْهُ فلمْ يتَخَوَّنْ جِسْمَه الكمَدُ[18]



قائلا: (فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات، آخرها قوله: "عنه" ما أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال ألفاظ في البيت من أجل ما يشبهها؛ وهي قوله: "خان" و"خان" و"يتخون" وقوله: "أخ" و"أخا"؛ وإذا تأملت المعنى ـ مع ما أفسده من اللفظ ـ لم تجد له حلاوة، ولا فيه كبير فائدة؛ لأنه يريد: خانَ الصفاءَ أخٌ خان الزمان أخًا من أجله إذا لم يتخون جسمه الكمد)[19].

فالملاحظ أن القراءة النفعية التي تبحث عن المتعة حاضرة بقوة في هذا النص، وقبل ذلك فإن سؤال المعاظلة يظهر بشكل جلي حين يدعو أبو القاسم القارئ الافتراضي كي ينظر إلى هذه الرداءة حين عاظل الطائي بين سبعة ألفاظ؛ بيد أن الملاحظة الأبرز هي هذا التشابه الكبير بين البنية النصية في أصلها الإبداعي كما جادت بها قريحة المبدع، والبنية النصية المفسرة في فرعها المحوَّر كما قدمها القارئ؛ حيث إن تقديم الآمدي لبيت أبي تمام لم يكن أقل معاظلة من بيت أبي تمام نفسه! وكأن الآمدي يريد تنفير القارئ من هذا البيت حتى في محاولة كشف قصدية المبدع، ما دام البيت يعني بكل بساطة أن (من مات له أخ فلم يهلك لموته فقد خان المودة والصفاء)[20].

ولعلنا في هذا الصدد نتذكر معيارا جماليا قرره المرزوقي في عمود الشعر ويتمثل في "التحام أجزاء النظم والتئامها"[21]، مما يتقاطع مع ما قرره الجاحظ حين أبرز أن أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، يجري على اللسان كما يجري الدهان[22].

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.25%)]