انتشار الدعوة الإسلامية في بلاد السودان الإسلامي
(السودان الأوسط "تشاد" نموذجًا)
محمد صالح يونس ضوّاي
المطلب الثاني: مساهمة الملوك والسلاطين وتعاونهم مع دعاة المسلمين:
"كان لسلاطين كانم دور بارز في نشر ثقافة الإسلام بين أمم السودان الغربي والأوسط ويأتي في مقدمتهم السلطان (أومي جلمي) الذي كان أول من اعتنق الإسلام من سلاطين كانم، وإليه يعود الفضل في إقامة الدولة على أسس متينة من القيم الأخلاقية، والقوانين المستمدة من القرآن الكريم والسنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم"[23].
وقد قام السلطان (أومي جلمي) من توه بمهمة عظيمة، حيث استطاع أن ينقل رعيته من تلك الدوائر المغلغة إلى فضاء واسع الأفق ليشموا من نسيم الإسلام الذي ينقدح في الفطرة السليمة كما تنقدح رائحة المسك في الأذواق السليمة. ونقْل مجتمع مشبع بخرافات وعادات وتقاليد استمدها من ثقافته وبيئته إلى دين آخر أمر في غاية الصعوبة ويحسب له حسابات في تسيير سياسة الدولة والمحافظة على أمنها ونظامها، لكن السلطان جلمي بحكم ثقافته وسياسته الحكيمة استطاع أن يرفع رعيته إلى أرقى سلالم الحضارة الإسلامية.
وقد ساعد السلطان جلمي في مهمته هذه أمور عديدة منها: العدل الذي كان يتمتع به من قبل، والصدق في النية، وسماحة الطبع ونبل الخاطر... فضلا عن توفيقه في حسن اختيار أعوانه ومستشاريه[24].
قضى السلطان جلمي نحبه في 1098م تاركا وراءه خلق كثير ممن اعتنق الإسلام وما زال البعض الآخر يتفكر فيه ويتدبر أمره، ولما أسند الحكم إلى ابنه السلطان (دونامة) (1098 - 1151م) سار في نفس الخط الذي سار عليه أبيه من قبل، فقد عمق جذور العقيدة الإسلامية في المنطقة، وقام بتوسيع دعوته حتى خارج البلاد إلى أن وصلت دعوته بلاد الهوسا وجنوب بحيرة تشاد[25].
• ومن أهم أولئك السلاطين الذين قاموا بإرساء دعائم العقيدة الإسلامية في تشاد السلطان (سالما) (1194 - 1220م) الذي عرف عصره بالعلم، فقد شجع العلماء وقربهم منه وقلدهم أوسمة تكريمية وقدم لهم المنح المالية، وأمر بتشييد المساجد وإقامة الشعائر وبناء المدارس، لتعليم القرآن الكريم وتدريس علومه للكبار والصغار[26].
ومن جليل ما قام به السلطان (سالما) كان أول من بعث كسوة للكعبة المشرفة من سلاطين وملوك السودان كله[27].
ويمكن القول بان عصر ازدهار الحضارة الإسلامية في تشاد قد تحقق في عهد السلطان (سالما الكانمي) لرسوخ الدعوة، وتجاوزها إلى مرحلة التعليم والتثقيف والرخاء الذي ساد المنطقة، وكسوة الكعبة أدل دليل على ذلك.
وإذا كان السلطان (جلمي) هو الأرضية التأسيسية للدعوة الإسلامية، باعتباره أول من اعتنق الإسلام وجعله دستورا للدولة، والسلطان (سالما) قد وطّد أركان تلك الدعوة الإسلامية بإنشاء المدارس وبناء الماجد، فإن السلطان (دونامة بن دابال) هو الشخصية الحقيقية لاقتلاع جذور الشرك والوثنية، إذ قضى على كل الأوهام التي لا زالت محك جدل بين الناس، لتحطيمه معبد ميون الوثني، فقطع السلطان (دابال) الطريق أمام المشككين فيما إذا كانت هذه الأوثان تنفع أم لا[28].
المطلب الثالث: المؤسسات التعليمية ودورها المتميز في نشر الدعوة الإسلامية:
كان أول ما رافق الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية هو الأمر بالقراءة وتشجيع العلم، وذلك بنزول أول آية في القرآن الكريم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[العلق: 1 - 5]. انطلاقا من هذه الآية حث الدعاة الأوائل على التعليم باعتباره عنصرا مهما في تشييد صرح الحضارة.
وقد تتالت الحقب التاريخية على مر عصور الحضارة الإسلامية، تقدم العلم للناس جميعا، ولم تبخل منه بشيء على الأمم الأخرى، لأن الإسلام هو الذي قرر بأن العلم ليس مقصورا على أحد، فضلا عن عقوبة كاتمه ومخبئه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البقرة: 159-160].
لهذه الحقيقة هب العلماء والخلفاء لنشر العلوم والمعارف الإنسانية، واكتشاف ما هو مخبئ لدي الأمم الأخرى ومن ثم ترجمته وطرحه للناس جميعا لغربلته وتطويره، مثال ذلك الخليفة المأمون الذي أنشأ مركزًا للبحوث والدراسات العلمية يدعى (بيت الحكمة) فجمعوا فيه كتب الفلسفة والكلام والفيزياء والفلك والطب... وقد قام أكابر العلماء بخدمة هذه الكتب شرحا وترجمة ونسخا وتنسيقا وتهذيبا، ثم جاء بعد انهيار الخلافة الإسلامية في بغداد المغول الذين لا يقيمون للمعرفة وزنا فخربوا آلاف المصنفات ورموا بها في سراديب مظلمة، ومن الجدير بالذكر أن الحضارة الغربية الحديثة قامت وازدهرت بفضل ذلك النذر القليل من كتب المسلمين الذي أهملته جيوش التتار.
إن الحضارة الإسلامية أينما وجدت الأسباب تنمو وتزدهر، فلم تستطع تلك الغارات أن تطمس معالمها من الوجود، بل إن المؤسسات العلمية والمدارس الفقهية تكاد تكون ركنا أساسيا في كل قطر يسكنه الإسلام.
ومنطقة حوض بحيرة تشاد باعتبارها عضو لا يكاد ينفصل عن بقية أعضاء الأقطار الإسلامية الأخرى ساهمت في توسيع رقعة الحضارة الإسلامية لتبنيها وظائف الدعوة الإسلامية- من تعليم وتدريس وتثقيف - منذ فترة مبكرة من تاريخها، لأن "وضع الدولة الإسلامية الجديدة الناشئة جعلها تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم"[29] للتعرف على مسائل الدين الضرورية والتعمق في أبعاده الفكرية.
ونظرا لذلك فقد تنوعت المؤسسات العلمية للدولة فمنها ما هو مختص بتحفيظ القرآن الكريم ومنها ما هو مقصورا على تدريس العلوم اللغوية أو الفقهية أو الفكرية.
وباختصار شديد فإن أهم مراكز التعليم ومؤسساته يتمثل في الآتي:
مؤسسة المسجد:
المسجد هو أول المؤسسات التي انطلق منها شعاع التفكير والعلم والمعرفة، وهو يحمل خاصية أساسية بالنسبة للحضارة الإسلامية، و له أهمية كبرى ودور عظيم في تنمية العقل البشري ورقيه.
وإسهامات المسجد في ازدهار الحضارة الإسلامية ارتبطت بالجانب القدسي والجغرافي والمعماري، لأن المسجد في الأصل موضع السجود، والسجود لا يكون إلا لله، وصفة السجود هي تمريغ الجبهة في التراب أو الأرض، وهو كناية عن الخضوع الكامل؛ لأن الوجه عنوان الإنسان و من أغلى الأعضاء وأبهاها بالنسبة له.
إن صلاة واحدة يؤديها المسلمون في بيت من بيوت الله، جنبًا إلى جنب، تغرس في نفوسهم من حقائق المساواة الإنسانية وموجبات الود والأخوة، ما لا تفعله المنظمات التي تتباهى بالمساواة وحقوق الإنسان، وتعتدي على مقدسات الإنسان ومعتقداته.
وقد ظل المسجد على امتداد تاريخ المسلمين مؤسسة تعليمية للصغار والكبار، وأول الأمكنة التي تحقق الأهداف الثقافية والحضارية لتربية الإنسان عامة والمسلمين بصفة خاصة، ولقد كان الرجال الأوائل الذين حملوا اللواء ولبوا النداء إلى المجد هم أشبال المسجد وعُمّار بيوت الله - تعالى -، وخير مثال لذلك العلماء والفقهاء والبلغاء والنبلاء والفلاسفة... الذين هم من أفضل خريجي المساجد والمعابد.
وقد وردت كلمة "مسجد" بصيغتها المفردة في القران الكريم سبع عشرة مرة، ووردت في صيغة الجمع ست مرات، منها ما يخص المسجد الحرام، ومنها آية تربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، ومنها ما يعود على المسجد الأقصى بصفة خاصة، وعلى المساجد في جميع بقاع الأرض بصفة عامة، ومن ذلك قوله - تعالى -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[البقرة: 114]. وقال - تعالى -: (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)[الإسراء: 7].
وقال أيضا: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)[التوبة: 17]. وقال - تعالى -: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التوبة: 18]. وقال المولى - عز وجل -: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[الأنفال: 34].
وقد قيل أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فانطلاقا من هذه الآيات الكريمة ومن هذه القاعدة الشهيرة ندرك وظيفة المسجد في فقه الحضارة الإسلامية، لأنه وجد أساسًا لأجل عبادة الله، وعبادة الله ليست مقصورة على الصلوات الخمس فقط، وإنما تمتد فتشمل التعليم والتعلم والتفكير والتفكر والتدبر في ملكوت الله - تعالى - وغيرها من أنواع العبادات والنشاطات، فالمسجد موضع عبادة وتواصل ثقافي وحضاري واجتماعي يؤصل في المجتمع المسلم مبدأ المحبة والتسامح، ويشعر الإنسان بالحرية والطمأنينة، فيستوي فيه الحاكم والمحكوم والفقير والغني والكبير والصغير.
ويعتبر المسجد منهلًا للعلم والمعرفة، والموجه الأول في حياة المسلمين، وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على بناء المساجد واتخاذها أماكن للتعليم والتثقيف واستقبال الوفود، وإقامة شعائر الله فيها، وموضعا للحوار والقضاء، لفض الخصومات والنزاعات بين الناس.
ولما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة بعد أن اشتد إيذاء قريش له ولأتباعه بنى أول مسجد في الإسلام وفي ذلك نزل قوله - تعالى -: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ)[التوبة: 108].
وكذلك كان أول ما قام به - صلى الله عليه وسلم - لما عاد إلى المدينة هو بناء مسجده الشريف، ليجمع فيه كلمة المسلمين، وليكون نقطة انطلاق لبناء مجتمع إسلامي وحضاري، وليصبح محل اجتماع تعقد فيه حلقات العلم والتعليم.
وقد فهم المسلمون الأوائل مهمة المسجد بفقه عميق، فاتخذوه إلى جانب أداء العبادات مدرسة للفقه والحوار البناء، ومحكمة لإقامة حدود الله فيه، وساحة لتنظيم العساكر والجيوش، ومحلا لاستقبال الرسل والوفود والملوك ورؤساء العشائر، ومأوى للفقراء والمحتاجين - كأهل الصفة - ودار أقامة لطلاب العلم وعابري السبيل من الدعاة والمعلمين.
ويعتبر المسجد مكانًا للتربية والطهارة الروحية، ففيه يذكر الله كثيرًا، وبذكر الله تطمئن القلوب، لأجل ذلك أصبحت له مهمة عظمى، لكونه قلعة علم وتزكية وتربية وتفكير، فقد أدى هذه المهمة بشكل مرغوب عبر العصور، فيرجع له الفضل الأكبر في نشر الوعي الديني الصحيح، وبث روح التعاون في نفوس المسلمين، وتعزيز أصول الحوار والنقاش، فكان كبار الصحابة رضوان الله عليهم يجلسون في المساجد ويلتف حولهم الناس للاستفسار عن أمور دينهم ودنياهم. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه في المسجد السلوك الطيب ومعاملة الآخرين، فذات يوم جاء أعرابي ودخل المسجد وبال فيه فهمّ الصحابة بضرب الأعرابي، لولا وجود المربي والقدوة، فنهاهم عن ذلك حتى أكمل الأعرابي بوله ومضى، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بصب دلو ماء على البول وبذلك زالت النجاسة.
وقد توسعت دائرة المسجد العلمية والدعوية مع تقدم المسلمين عبر العصور، فلما بلغت الحضارة الإسلامية أوج نهضتها بالفتوحات المختلفة وانفتح العالم على المسلمين أصبحت المساجد في الأمصار الإسلامية بمثابة المراكز العليا للبحوث والدراسات المختلفة، ومنارة تشع منها أضواء المعرفة، حيث نجد أغلب علماء هذه الأمة من فقهاء ومقرئين وأطباء ولغويين وفلاسفة... أغلبهم تخرجوا في المساجد وكتبوا مؤلفاتهم في المساجد، وكان انطلاقهم هذا من مبدأ ديني ومنهج علمي اتبع الطريقة التي سار عليها كتبة الوحي من الصحابة كزيد ومعاوية وعلي رضوان الله عليهم، وعلى هذا المنهج سار الإمام مالك فألّف كتابه "الموطأ" في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وألف الشافعي كتابه "الأم" في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وفي مسجد البصرة خرج الخليل بن أحمد الفراهيدي بمعجم اسمه "العين"، إلى غير ذلك من روّاد اللغة والفكر ممن تخرجوا في مسجدي البصرة والكوفة اللتين اشتهرتا باللسان وعلم الكلام.
وقد تأثر المسجد في منطقة حوض بحيرة تشاد بطابع المساجد الإسلامية الكبرى في بنائه وتنظيماته وتخصصاته، لأن "التعليم في المساجد في كانم يعنى أساسا بدراسة القرآن الكريم وقواعد الصلاة والكتابة وبشيء من قواعد التوحيد وبعض كتب التصوف والمدائح النبوية"[30].
ولا شك أن مؤسسة المسجد في (كانم ووداي) قد خرجت العديد من الدعاة والمثقفين الذين ذاع صيتهم فيما بعد في جميع أصقاع العالم الإسلامي ومن هؤلاء الشيخ أحمد بن فرتو مؤرخ بلاط سلطنة كانم، والعالم محمد صالح بن اشاركوا، والشيخ عبد الحق الترجمي، والشيخ عليش عووضة الذي ترك أثرا علميا جليلا في مدينة أبشى ولا زال ينمو ويتطور إلى يوم الناس هذا، وقد خرّجت هذه المؤسسة التي عرفت باسم (معهد أم سيوقو العلمي الإسلامي) العديد من رجال العلم والفكر والثقافة في الوقت الحاضر، وهؤلاء بدورهم قد أحدثوا نقلة ثقافية وحضارية للشعب التشادي الحديث[31].
ونظرا لمحدودية البحث وتوخي الاختصار وعدم التطويل الممل، فإنني أشير بطرف بناني إشارة عابرة لبقية المؤسسات التعليمية التي كان لها اليد الطولى في نشر الدعوة الإسلامية (كالمسييج) وهو مصطلح تشادي يطلق على الموضع الخاص لتعليم القرآن الكريم، اشتقت مادته من الكلمة العربية (مسجد) ثم طرأ عليه التحريف بعد ما صغر.
وقد قام بدور كبير في تفعيل نشاط حفظ القرآن الكريم وتجويده، ونظرا لاندراج المسييج تحت مجالات الدراسات القرآنية فإن التفصيل الذي سبق في مؤسسة المسجد يكفي. ومن تلك المؤسسات التي أدت رسالتها الدعوية مؤسسة الكتاتيب، بوصفها تابعا من توابع الحضارة الإسلامية، لأنها مبنية من فهم ديني صحيح، حيث لا يدرس في الكتاتيب إلا من نضج عقله واستقامت سلوكه، لاستيعاب المسائل ذات القضايا المتشعبة، كعلم العقائد وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه.
الخاتمة:
نستخلص مما سبق في هذا البحث نقاط مهمة تكاد أن تكون أهم النتائج المترتبة على انتشار الدعوة الإسلامية في بلاد السودان الأوسط (تشاد) وهي:
1- تغيّر في القناعات وأساليب التفكير
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن أرضية هذه المنطقة كانت مستعدة لاستقبال الدعوة الإسلامية، لخلوها من معوقات الدعوة المتمثلة في سيطرة العقائد الوضعية على المدعوين، وعزز من هذا الجانب حسن استقبال السلاطين لدعاة الإسلام.
ونظرا لهذا الجو الصافي فقد اعتنق السلاطين دين الإسلام لحقائقه المتجددة ومشروعاته المتحققة، فلما أعلن السلطان جيمي إسلامه تغيرت كل أنماط الحياة الفكرية والسياسية والقانونية والاجتماعية، وحل مكانها شرع الله الذي أراده للإنسانية.
2- التغيّر في الاهتمامات والمهارات.
الجدير بالملاحظة أن السلاطين قبل أن يشرح الله صدورهم للإسلام كانت جل اهتماماتهم تنصب في الصيد واللهو والتنعم بالخمور والرقص... أما بعد انقداح عقيدة الإسلام في صدورهم تبدلت كل تلك الاهتمامات التافهة وأخذ السلاطين يهتمون بالعلم ونشر الدعوة وكل ماله علاقة بطاعة الله - عز وجل -.
وتبعا لذلك فقد تطورت المهارات هي الأخرى بتقدم العلوم وتفنن الناس في كل مجالات الحضارة، المعمارية والتجارية والزراعية.
3- التغيّر في العلاقات والقدرات والثقافات.
من المسلم به عند علماء الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز للرجل الجمع بين أكثر من أربعة نسوة، وكذلك أنه لا تحل العلاقة بين الرجل والمرأة دون عقد صحيح، كان هذا بعد انتشار الدعوة الإسلامية أما قبل ذلك فكان العرف هو الذي يحكم ولم يكن هناك حد معين للزوجات، وكانت معظم هذه العادات منتشرة في المجتمعات الوثنية، فلما جاء الإسلام حد من كمية الزوجات وحث على الزواج ونهى نهيا محرما عن الزنا وكل أشكال العلاقات الفاسدة.
ومن ثم تبدلت القدوة أيضا فكان الناس يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)[الزخرف: 22].
ثم أصبحت القدوة هي شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك منذ أول صرخة علنية بالدعوة.
وقد تغيرت الثقافة هي الأخرى وأخذت شكلا مغايرًا للشكل الأول، بل انصبغت بصبغة إسلامية، ففي مجال الأدب فإن المديح يشكل أكثر الموضوعات الشعرية تداولا بين الشعراء.
ـــــــــــــــ ــــــــ
ثبت المصادر والمراجع
• أساليب الدعوة والإرشاد، د. محمد أمين بني عامر.
• الرحيق المختوم- صفي الرحمن المباركفوري.
• السيرة النبوية، محمد بن إسحاق.
• تاريخ دار فور، جوستاف ناختيغال، ترجمة وتعليق: النور عثمان أبكر.
• دبلوماسية الحدود في أفريقيا، د. البخاري عبد الله الجعلي.
• تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، أ. د. عبد الرحمن عمر الماحي.
• مجتمعات وسط أفريقيا بين الثقافة العربية والفرانكفونية، د. محمد صالح أيوب.
• ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، أ. د. محمد فتح الله الزيادي.
• الدعوة الإسلامية في أفريقيا الواقع والمستقبل، أ. د. عبد الرحمن عمر الماحي.
• الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم، فضل كلود الدكو.
________
[1] - أساليب الدعوة والإرشاد، د. محمد أمين بني عامر ص9.
[2] - المرجع نفسه ص9.
[3] - الرحيق المختوم- صفي الرحمن المباركفوري.
[4] - المرجع نفسه.
[5] - السيرة النبوية، محمد بن إسحاق.
[6] - ينظر في ذلك مثلا: مروج الذهب، للمسعودي، وصبح الأعشى، القشقلندي، والإحاطة في أخبار غرناطة، إبراهيم الأنصاري، وتاريخ ابن خلدون.
[7] - تاريخ دار فور، جوستاف ناختيغال، ترجمة وتعليق: النور عثمان أبكر، ص5، ط1، 2011م الشركة العالمية للطباعة والنشر.
[8] - دبلوماسية الحدود في أفريقيا، د. البخاري عبد الله الجعلي، ط1، الدوحة، 2004م.
[9] - المرجع نفسه، ص17 وما بعدها.
[10] - تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، أ. د. عبد الرحمن عمر الماحي، ص188، ط1، 2009م، منشورات دار الأصالة والمعاصرة بالجماهيرية العظمى.
[11] - المصدر نفسه، ص189.
[12] - المصدر نفسه، ص18 وما بعدها.
[13] - المصدر نفسه، ص16.
[14] - المصدر نفسه، ص87.
[15] - قلنا قضية ولم نقل موضوع لأن في الموضوع اتفاق وفي القضية وجهات نظر مختلفة.
[16] - ممن اتفقوا على هذا التاريخ، الماحي، وأيوب، وكلود.
[17] - مجتمعات وسط أفريقيا بين الثقافة العربية والفرانكفونية، تأليف/ د. محمد صالح أيوب، ص6، منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقية - سبها - 1992م.
[18] - ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، أ. د. محمد فتح الله الزيادي، ص134، ط2، 2002م، منشورات كلية الدعوة الإسلامية.
[19] - الدعوة الإسلامية في أفريقيا الواقع والمستقبل، أ. د. عبد الرحمن عمر الماحي، ص22، 1999م، منشورات كلية الدعوة الإسلامية.
[20] - المصدر نفسه، 23.
[21] - الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم، فضل كلود الدكو، ص125، ط1، 1998م، منشورات كلية الدعوة الإسلامية.
[22] - ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، مرجع سابق، ص135.
[23] - الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم، مصدر سابق، ص96.
[24] - المصدر السابق، ص97.
[25] - المصدر السابق، ص99.
[26] - المصدر السابق، ص103.
[27] - المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[28] - المصدر نفسه، ص105.
[29] - المصدر السابق، ص150.
[30] - المصدر السابق، ص155.
[31] - مثال ذلك: الباحث في الشؤون الاجتماعية والتاريخية الدكتور محمد صالح أيوب، والكاتب والأديب الألمعي الدكتور حسب الله مهدي فضله