ثم كان من بعده كذلك المستشرق الألماني "كارل فولرس" كاتب "اللهجة العربية الحديثة"، والذي وجه فيها العرب لاستعمال الحروف اللاتينية لدى كتابة العامية، مع محاولة دراسة قواعدها فيه.
وأنا أسأل هنا: ما الداعي لاستعمال الحروف اللاتينية في اللهجة العربية؟
وطبعًا الجواب يسبق إلى العقل قبل الانتهاء من السؤال؛ إذ أراد أن يقطع المصريين - في مخطط سيشمل باقي الدول العربية المسلمة - ليس عن لغة الوحي وحسب، وإنما عن حروفها وخطوطها التي تثير في سليم الفطرةِ الاشتياقَ إلى تبصر نور السماء وعمل التدين، ثم هل كانت لهذه اللهجة / العامية قواعد حتى تدرس؟! اللهم إن هذا كذبٌ، وإن شاء الدكتور (كارل فولرس) أجابنا من قبره!
ثم المستشرق الإنجليزي "سلدون ولمور" كاتب "العربية المحلية في مصر"، والذي أكد فيه بكثير من المكر وبكثير جدًّا من الغباء، لزومَ الحياد، وترك التوجس من إحلال العامية محل اللغة العربية، وأنها اللغة الوحيدة للبلاد؛ إذ قال: "ومن الحكمة أن ندعَ جانبًا كل حكم خاطئ وُجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد، على الأقل في الأغراض المدنية التي ليست لها صبغة دينية، وهناك سبب يدعو إلى الخوف، هو أنه إذا لم يحدث ذلك، وإذا لم نتخذ طريقة مبسطة للكتابة، فإن لغة الحديث ولغة الأدب ستنقرضان، وستحل محلها لغة أجنبية نتيجة لزيادة الاتصال بالأمم الأوربية".
وحقيقة كلام الرجل غاية في السفاهة، ولن يقبل إلا من سفيه متسفه.
والمستشرق الإنجليزي "وليام ولكوكس" الذي ألقى محاضرة سماها: "لِم لَم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟"، محاولاً فيها ربطَ - كذبًا وسفاهة - ضعفِ الاختراع وانحطاط الابتكار في العصور المتأخرة عند العرب بتقيدهم باللغة العربية الفصحى كتابة وتأليفًا، ومؤكدًا - كذبًا وسفاهة - أن كسرَهم لحاجز اللغة العربية وكتابتهم بالعامية الشائعة، يُعيد إليهم من جديد قوة الاختراع والإبداع[8].
وقطعًا الرجل لا يعتقد هذا الذي يقوله، وإنما العكس، وإلا عد من المستشرقين المجانين؛ إذ كل العلوم والفنون التي برع فيها المسلمون وبرزوا فيها من هندسة وفَلك وكيمياء وفيزياء وطب وحساب وجغرافيا و... - قد ألَّفوا فيها باللغة العربية[9].
وحيث إن هذه الفئةَ تثير القلاقل بين الأفراد في أصلهم اللغوي، بما يدعو إلى التطاحن أو يقرب من ذلك، وبما يؤدي إلى التهالك شيئًا فشيئًا، فهي تفزعُ إلى جعل العنصر الأمازيغي / البربري هو الأصل، وأن الآخر الآتي من الشرق - زعموا - إنما هو مستعمر محتل، وأنْ لا مفرَّ من رفض لغته الدخيلة.
قلت - وأنا ممن يتقن اللسانَ الأمازيغي / البربري نطقًا وتداولاً وأصلاً -: منهجي في البحث والتحقيق يدفعني إلى الاعترافِ ببطلان هذا الطرح؛ إذ أثبت التاريخُ الإنساني / الاجتماعي واللغوي والعرقي للدول المتعاقبة على الشمال الإفريقي "أن البربر لا يشكِّلون جنسًا قائم الذات، كما نقول عن الجنس الآري أو القوقازي مثلاً؛ وذلك أن البربر يمثِّلون عناصر مختلفة في شكلها، وأنماط معيشتها، ونظرية (بواسيير) هي أن اللبيين وعنصر الجيتول هم أول سكان الشمال الإفريقي الذين ينتمون إلى عصر الحجر المنحوت، وأكثرهم سُمر البشرة، وقد اكتسح الآريون بلادهم وهم شقر زرق العيون ينتمون إلى عصر الحجر المصقول"[10]، وبذلك لا يمكن عزلُ البربر عن غيرهم من الأجناس الأخرى، وأن نعتبرهم الجنس الأصلي؛ إذ يظهر التمازج والاختلاط في لون البشرة واللغة، فمثلاً كلمة (أكلزيم)[11] بالأمازيغية، وتعني الفأس، ترجعُ في مادتها الصوتية واللغوية إلى (القلزم)، وهي بلغة عربية فصيحة، وكذلك كلمة (أمان) بالأمازيغية، وتعني الماء، ومن هنا قال صاحب "المغرب عبر التاريخ": "والظاهر أن أفواجًا عظيمةً من البربر قدِمت إلى الشمال الإفريقي عن طريق مصر وليبيا مهاجِرةً من جنوب آسيا الغربي، وتتكون هذه الأفواج من الكنعانيين الذين قطنوا قديمًا منطقةَ لبنان الحالية"[12]، فمهما يكُنْ إذًا من قبح المناصرة لهذا الجنس أو ذاك، لهاته اللغة أو تلك، لهذا الأصل أو ذاك - فإن التاريخ والجغرافيا معًا يكسر ذلك ويهشِّمه، ويبقى الحقيقة والعلم المقرَّان بأن الشمال الإفريقي في أصله مزيجٌ من الأجناس والأعراق، وأنه لا يصدق إطلاق لفظة الأمازيغ / البربر على جنس بشري واحد، بقدر ما يصدُقُ على كثيرٍ من الأجناس بما فيهم العرب، وأنه لا يصدق إطلاق لفظة العرب في الشمال الإفريقي على جنس بشري واحد، بقدر ما يصدق على كثير من الأجناس بما فيهم الأمازيغ / البربر؛ ولذلك نرى ما نرى من اختلاف في الأشكال والألوان والطبائع، ومن تمازج في الأشكال والألوان والطبائع.
وإذا عُدْنا إلى حقيقة ما يشبه التمركز حول اللهجة / اللسان الدارج، وجدناه غيرَ منحصر في سفاهةِ مَن سَفِهَ مِن أهل الوطن؛ وإنما الامتداد حاصل إلى من أظهَرَ العداء لنور الوحي أو أخفى، وإلى مَن رغب في مصلحة اقتصاده وكفى، فقد تحقق ذلك في جماعة الضغط الصهيونية، التي لا تتكون من عناصر يهودية وحسب؛ وإنما تضم عناصر غير يهودية أيضًا، فهي تضم كل أصحاب المصالح الاقتصادية "الذين يرون أن تفتيتَ العالَم العربي والإسلامي يخدم مصالحهم، وأعضاء النخبة السياسية والعسكرية ممن يتبنَّوْن وجهة نظرهم"[13].
وهذا الذي يتخرَّصُ به الرويبضة داخلٌ في تفتيت العالَم العربي والإسلامي، لا يتلبس بالتمركز حول اللهجة / اللسان الدارج إلا من ثبت تسفهه كلاًّ، أو عداؤه للوحي كلاًّ، أو عضويته في جماعة الضغط كلاًّ، أو كل هذا كلاًّ.
وأنا أستغرب كل الغرابة كيف يجر هؤلاء إلى هذا التفتيت جرًّا، فيما المجلس الثقافي البريطاني يعتبر اللغة العربية لغة ثانية بعد الإسبانية؛ إذ قال مدير الدراسات الإستراتيجية للمجلس: "إذا لم نتصرف لمعالجة هذا النقص في تعلم اللغة العربية وبعض اللغات الشرقية، فالأكيد أننا سنخسر الكثير اقتصاديًّا وثقافيًّا"[14]، ولا تفسير لذلك إلا بما فسرناه سابقًا.
قلت: إن طبيعة التوجه السياسي والفلسفي لهذا النموذج الاختزالي الذي يطل علينا بقرونه الطويلة، هي طبيعة تذهب عادة إلى أن عقل الإنسان كيان سلبي متلقٍّ يسجِّل كل ما ينطبع عليه من معطيات مادية بشكل آلي، ومن ثَم فالعلاقة بين العقل والواقع بسيطة، يمكن رصدها ببساطة، ومنه فإن دعاة الطرح اللهجاتي (نسبة إلى اللهجة) بمنهجهم الاختزالي هذا، اعتصروا كل عوائق عمليات التعلُّم والتعليم معًا في مظاهر اللغة العربية الفصحى - على استضعافها وقهرها جهلاً وقصدًا من مصممي السياسات والبرامج التعليمية الهزيلة والبئيسة - وكأني بهم عقدوا العزمَ نحو الاتجاه بالتعليم من طبيعته الفكرية والنفسية إلى طبيعة أخرى تستندُ إلى الصورة المختزلة فقط من اجتماع المجمع، وقد أجزم القول بأن الخرق اتسع في عقول ونفوس هؤلاء، بين الدعوة إلى التنميط الثقافي، وبين الدعوة إلى قطع الشعب (أمازيغ وعربًا)[15] عن إرثه الثقافي، "ومعلوم أن هذه الشعوب لا تتشبَّثُ بشيء تشبثها بإرثها الثقافي، فإذا ألغي هذا الإرث فكأنما أريد بها الهلاك، ومن يشرف على الهلاك لا بد وأن يقاوم من أجل البقاء؛ ولذا فإن هذا التنميط الثقافي يتسبب في ظهور مقاومات شعبية ومجابهات"[16] عنيفة، بما هو - أي التنميط الثقافي - صورة واحدة من تثقيف النشء، وهذا قطعًا يُلغي كل أبعاد الاختلاف والتباعد والتقارب في ذات النشء نفسه، وهو ما يحاوله هؤلاء؛ إذ قصدوا كعادتهم التمركز حول النمط الغربي في التعليم والتثقيف عمومًا، الأمر الذي ينتهي بنا - قطعًا - إلى الانتحار التعليمي، والمعطيات الرسمية وغيرُ الرسمية في ذلك لا تقبَل التكذيب؛ فالبلد عندنا من أكثر الدول إنفاقًا على التعليم في مستوياته الأولية، ومع ذلك هو في ذيل الدول من حيث التحصيل المعرفي والبيداغوجي، والتفسير الوحيد لذلك هو اعتماد نمط الغير في تعليم الذات، والأمر أبعد من ذلك وأشَر؛ إذ لو فرضنا - افتراضًا يقينيًّا - أن الجمهور الكوني يسعى في تعميم هذا النمط بتسخير جماجم بشرية تجر إليه جرًّا بمكرها وجهلها ونقدها (من النقود) بما ييسر على أعداء الإسلام تثبيتَ الاحتلال الفكري والاقتصادي والعقدي و... واستمراره، لتحصَّل في النهاية عكسُ مرادهم ونقيضه، من تدافع عنيف متطور إلى ما فوق ذلك أو أشد، كما هو جارٍ في طبائعِ الناس والأمم والشعوب.
[1] التحرير والتنوير، ج 1، ص 283، محمد الطاهر بن عاشور (رحمه الله).
[2] مسند الإمام أحمد (رحمه الله), ح 7852، وغيره.
[3] النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص 185، ابن الأثير (رحمه الله).
[4] ليس هذا مقام بسطها وتفصيلها وتحليلها وتفسيرها، وقد كتب كثير من الباحثين في ذلك.
[5] من الطهارة والنظافة والأناقة عدم ذكر اسمه.
[6] ومن ذلك أننا سنكذَّب في هذا الذي نقول، لا قولاً؛ ولكن فعلاً وتجريبًا واختيارًا في السياسة التعليمية، ولننظر!
[7] أجنحة المكر الثلاثة (دراسة وتحليل وتوجيه)، ص 353، عبدالرحمن حبنكة الميداني (رحمه الله).
[8] المرجع نفسه، ص 359 (بتصرف كبير).
[9] ذكرنا النموذج المصري؛ لكون هذا الاحتلال أسبقَ إليه من المغرب، ونحن هنا بصدد بيان أسِّ الفساد ومبدئه مما له تعلق بموضوعنا، ولكون القضية قضية لسان أمة، فلا نحدها بتاريخ ولا بجغرافيا.
[10] المغرب عبر التاريخ، ج 1، ص 19، إبراهيم حركات.
[11] وفي بعض المناطق ينطقونها (أكزيم؛ك = ga) بحذف اللام.
[12] ج1، ص 20.
[13] اليد الخفية (دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية), ص 246, عبدالوهاب المسيري (رحمه الله).
[14] ورد ذلك في جريدة الإندبندنت، ونقلت عنها بعض المواقع الإلكترونية.
[15] إلا من شذ عن القاعدة، كمن نقصد أساتذتهم بكلامنا ها هنا، والشاذ لا يقاس عليه طبعًا، خاصة وأنه يهدم الإنسان ويبني محله كائنًا آخر غاية في التخلف.
[16] الحق الإسلامي في الاختلاف، ص 93، طه عبدالرحمن.