عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 30-06-2021, 03:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,069
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محنة في التعليم .. ودور المعلم

فكل تفريط بحقهم سنكون مسؤولين عنه بين يدي الله - سبحانه وتعالى - إنهم أغصان غضَّة نستطيع أن نُكيِّفها كيف نشاء، إنهم طاقة نستطيع أن نجعلها في الخير أو في الشر.

فتسليمهم للأساتذة المنحلِّين أو المُلحِدين جريمةٌ في حق هؤلاء الأولاد أولاً، ثم بحق الأمة أخيرًا، وكذلك وضْعهم في المدارس التبشيرية والأجنبية.

وقد ورد في أحاديث عِدَّة أوردها الإمام ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" أن "العلم إذا صار إلى الأراذل، مُنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"[4]، وإننا لنعلم أنه إذا مُنِع ذلك، تَعرَّضت معظم معالم الدين للزوال والضياع، وأخرج الإمام ابن عبدالبر أيضًا أثرًا عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغِرِهم وشِرارهم، هلَكوا"[5].

ومن الأمور المُشاهَدة أن في صلاح العلماء والأساتذة المعلِّمين صلاحَ الأمة.

قال قتادة: العلماء كالمِلح، إذا فسَد الشيء صلح بالمِلح، وإذا فسد الملح لم يَصلُح بشيء[6].

لا بد من أن يعلم أولو الأمر في أمة الإسلام أن اختيار المعلِّم الصالح والمدرس المؤمن أمانةٌ ضخمة، ومسؤولية عُظمى؛ ذلك لأنه يَبني النفوسَ بناءً قائمًا على الفضيلة والحق، وعلى السعي لخير الناس، ولا بدَّ من الرقابة المستمرة بعد الاختيار الدقيق.

وعلى أولياء أمور الطلاب أن يُساعِدوا المسؤولين الصالِحين؛ فيُبلِّغوهم عن كل مدرس مُنحرِف أو فاسق أو زائغ، ويُطالِبوهم بتنحيته، ولا يجوز أن نهوِّن من خطر واحد من هذا النَّوع؛ فمعظم النار من مستصغر الشرر.

أيها المسلمون، إذا كان أعداء الإسلام يُنحُّون عن التعليم كلَّ مؤمن بالله واليوم الآخر ورسوله، ويَحُولون بينه وبين التدريس، فما أحرى المؤمنين الذين يعيشون في بلاد تُحكَم بالإسلام حقًّا وحقيقة بأن يُعمِلوا جهدَهم؛ لكيلا يكون في عداد المدرِّسين لأولادهم إلا مَن يُحافِظ على دينهم وعقيدتهم الصحيحة، ويَغرِس فيهم الخُلُق الزكيَّ.

أما المؤمنون، الذين يُمتَحنون اليوم بذلك، وإنها لمِحنة عُظمى، وأيَّةُ مِحنة أشد من جعْل التعليم بأيدي أُناس لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أو بأيدي أناس لا يُهِمُّهم الإسلام في قليل ولا كثير، أو بأيدي أناس فجَّار أشرار فسَقة سفَلة، أما هؤلاء المؤمنون، فعليهم أن يعملوا بصدق وصبر على مواجَهة هذه المِحنة، وأن يَبذُلوا ما في وُسعِهم للمحافظة على سلامة عقائد أبنائهم، وحمايتهم من الزَّيغ والسقوط والانحِراف، وهذا دور الأسرة المسلمة[7].

إن ما يفعله أعداء الإسلام في إفساد التعليم أمرٌ جلَل حقًّا، وهو غير مُستغرَب منهم؛ فإنهم يَسومون المُسلمين في بلاد الشام سوء العذاب، يُنكِّلون بهم، ويَعتقِلون رجالهم وعلماءهم، ويقتلون شبابهم، وينشرون الزيغ والإلحاد والضلال، ألا فليَنتظِروا عذابَ الله ولعنة التاريخ.

وليَعلموا أن مكرَهم تافه ضئيل أمام مكرِِ الله تعالى؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، وقال سبحانه: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 32، 33].

أيها المعلمون، اتَّقوا الله واعلموا أن المهمَّة التي تُناط بكم من أعظم المهمات، إن كل حركة من حركاتكم موضِع القُدوة، وإن لكل كلمة من كلماتكم تأثيرًا كبيرًا في طلابكم، وإن سلوككم مدرسة يتخرَّج فيها جيلُ المستقبل، فاحذروا أن تكونوا فتنة للناس أو وسيلةَ إفساد لأبناء الأمة، واعلموا أن الثواب الذي أعدَّه الله لمَن يكون منكم سببًا في الهداية ثوابٌ عظيم؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فواللهِ لأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعم))؛ متَّفَق عليه[8]، ويقول: ((ومَن دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله))؛ رواه مسلم[9].

أيها الآباء، اتَّقوا الله في أولادكم ولا تُضيِّعوا أمانة الله، فهؤلاء الأولاد أمانة عندكم، واحذروا أن تُقدِّموا فلذات أكبادِكم إلى النار، واتَّقوا الله واقدروا هذا الأمر حقَّ قدره، واحذَروا أن تضعوا أولادكم في مدرسة يُدرِّس فيها زائغ أو مُنحَلٌّ، تضمَنوا لأنفسكم وأهليكم السعادة والفلاح والفوز بالجنة ورِضوان الله.

وعندما يهتمُّ الآباء والمدرِّسون والمسؤولون بهذا الموضوع ويكونون على يقظة تامة، تَصلُح الأمة، ويعلو شأنُها، وتكونون محلاًّ لرحمة الله ومثوبته، وأهلاً للريادة والقيادة لأمم الدنيا؛ يقول الله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، ويقول - عز من قائل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143].


[1] صحيح مسلم، طبعة إستانبول (1: 11).

[2] انظر كتابنا: "الحديث النبوي: مصطلحه، بلاغته، كتبه"، (ص: 182 - 183) والجرح والتعديل (153)، والكفاية؛ للخطيب (183) وتدريب الراوي؛ للسيوطي 202.

[3] رواه البخاري (6599) و (6600) ومسلم (2658) وأبو داود (4714) والترمذي (2138) بألفاظ متقاربة، وأبو يعلى، والبيهقي، والطبراني، وغيرهم.

[4] جامع بيان العلم وفضله (1: 157).

[5] جامع بيان العلم وفضله (1: 158 - 159).

[6] جامع بيان العلم وفضله (1: 185).

[7] وقد قامت الأسرة الفاضلة بهذا الواجب في بلاد الشام، فربَّت أولادها على الإسلام الدين الحق، فحفظت عليهم دينَهم وخُلُقهم؛ ذلك لأني كتبت هذا الكلام - كما سبق أن ذكرتُ - قبل خمس وثلاثين سنة، وها نحن أولاء نرى ثمرة هذه التربية، نرى شبابًا مؤمنين، شبابًا شجعانًا يُنكِرون الظلم، ويُطالبون بزوال هذا الحكم الغاشم، وقد صمَدوا في لقاء كيد النظام سنتَين ونصفًا، وما زالوا صامدين، فبارك الله في هذه الأسر الكريمة.


[8] رواه البخاري (2942) ومسلم (2406).

[9] رواه مسلم (1893).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]