الجانب الأدبي من حياة السيدة عائشة - دراسة أدبية
مصطفى صلاح محمد
معاني بعض الكلمات:
الكلمة
المعنى
عهد فلانٌ إلى فلان عهدًا
ألقى إليه العهدَ وأوصاهُ بحفظِه.
حَامَّتك:
العامَّةُ، وهي أيضًا خاصَّةُ الرجل من أهله وولده، يُقال: كيف الحامَّةُ والعامَّة؟ يقال: هؤلاء حامَّتُه؛ أي: أَقرِباؤه، (ج) حوام.
سَامَّتكَ
الخاصة من الناس؛ لتداخُلِهم في بواطن الأمور، (ج) سوامُّ، ويُروى: اعْهَدْ إلى عامتك، وأنفذ رأيك في خاصتك.
وَانْقُلْ مِنْ دَارِ جَهَازِكَ إِلَى دَارِ مُقَامِكَ
أي: من دنياك إلى آخرتك.
مَحْضُور
المحضور: من حضرَتْه المنيَّة.
مُتَّصِلٌ بِقَلْبِي لَوْعَتُكَ
اللوعة: حرقة الحزن.
تَخَاذُلَ أَطْرَافِكَ
كناية عن ضعفها.
وامتقاع لونك
امْتُقِعَ لونُه: إِذا تغيَّر من حُزْنٍ أَو فزعٍ.
ويُروى: انتقاع لونك.
أَرْقَأُ فَلا أَرْقَى
أَسْكُنُ فَلا أَسْكُنُ، أرقأ الدمعَ ونحوَه: سَكَّنَه.
الأصل: أرقأ فلا أرقأ، ثم سُهِّلَتِ الهمزةُ الأخيرة حتى تتحقَّق المُشاكَلة.
فالجذر من الإرقاء: التسكين، وليس من الرُّقية.
وَأَبلُّ فَلا أَنْقَى
أيْ: أرْتَشِفُ الماءَ فلا أَرْوَى؛ وذلك من مضض حزنها ولوعتها عليه.
وأَنْقى العُودُ: جرى فيه الماء وابْتَلَّ.
فَقَالَ: يَا أُمَّه
هذا من الاستعمال المجازي؛ فالعرب تُجري على البنت النِّداء بالأمِّ؛ تكريمًا لها، ومنه عبارة: "البنت أمُّ أبيها"؛ دليلاً على شفقتها ورحمتها، وقد يكون من باب أنَّها ابنته وأمُّ المؤمنين؛ فهو يخاطبها على هذه النِّسبة.
اضْطَلَعتُ
اضْطَلَعَ: افتَعَلَ من الضَّلاعةِ، وهي القوةُ.
يُقال: اضطَلَعَ بحمله؛ أَي قَوِيَ عليه، ونَهَضَ به.
إِنْ فَرَحٌ، فَدَائِمٌ
على تقدير: إن كان فرحٌ، فهو دائمٌ.
النُّكُوصُ
الإجحامُ عن الشيء.
ويقال: نَكَصَ على عقيبه يَنْكُص ويَنْكِصُ؛ أيْ: رجع.
تَبَلَّغْتُ
التبلُّغ: الاكتفاء بأيسر ما يلزم، ولي في هذا بلاغٌ؛ أي: كِفاية.
بِصَحْفَتِهِمْ
وَتَعَلَّلْتُ
الصَّحْفة: قصعة الطعام.
التعلُّل كالتبلُّغ، وهو الاكتفاء بالقليل، وتَعَلَّل به؛ أَي: تَلَهَّى به وتَجَزَّأَ، وعَلَّلتِ المرأَةُ صَبِيَّها بشيء من المَرَق ونحوه؛ ليَجْزأَ به عن اللَّبن.
بِدَرَّةِ لِقْحَتِهِمْ
اللِّقحة: الناقة، ودرَّتها: ما يدرُّ من لبنها.
وَأَقَمْتُ صَلاَيَ
الصَّلا: وسط الظهر، وإقامة صَلاه كنايةٌ عن استقامته.
وَوَرْيَ العَوْرَةِ
وَرْي العورة؛ أي: سترها.
ومراده من كلِّ ذلك أنه اجتزأ واقتصر على أقلِّ ما يكفي لِقُوته، غير متأنِّق ولا مستكثر.
طوى مُمْعِضٍ
الطوى: الجوع، مَعِضَ من الأمر: شَقَّ عليه وأوجَعه.
تَهْفُو مِنْهُ الأَحْشَاءُ
تَضْعُفُ.
وَتُجَبُّ لَهُ المِعَا
المعا: واحد الأمعاء، وهي المصارين، تُجَب؛ أي: تنقطع.
البرض
البرض: الفقير، بُرِضَ: نَفِد مَا كَانَ عِنْدَه لكثرة عطائه.
الْمعتبِ الآجِنِ
الرديء المتغير طعمه ولونه ورائحته من طعامٍ وماء.
نِزَّ الأَرْضِ
النَّزُّ والنِّزُّ: ما يتحلَّب في الأرض من الماء، وهو كناية عن البرد.
السَّعفِ
السعف: سعف النخل.
مَنْ يَشُقُّ غُبَارَكَ؟
من يجري معك في ميدانك؟ طَلَب فلانًا فما شَقَّ غُبَارَه؛ أَي: لم يُدْرِكه.
7 - وقالت عائشةُ يومَ الحكَمين: رحمك الله يا أبتِ، فلئن أقاموا الدُّنيا لقد أقمتَ الدِّين حين وَهِيَ شعْبُه، وتفاقم صَدْعُه، ورجفت جوانبُه، انقبضتَ عمَّا إليه أصغَوْا، وشمَّرت فيما عنه وَنَوا، وأَصغَرتَ من دنياك ما أعظموا، ورَغِبت بدينك عمَّا أغفلوا، أطالوا عِنان الأمل، واقتعدتَ مَطِيَّ الحذر؛ فلم تَهْتضم دينك، ولم تنس غدك؛ ففاز عند المُساهمة قدحُك، وخفَّ مما استوزروا ظهرُك.
معاني بعض الكلمات:
الكلمة
المعنى
يَوْمَ الحَكَمَيْنِ
بين عليٍّ ومعاوية - رضي الله عنهما - في الحرب التي كانت بينهما، فقد حكَّموا أبا موسى الأشعري وعمرو بنَ العاص.
وَهِيَ شَعْبُهُ، وتَفَاقَمَ صَدْعُهُ
أي: ضَعُفَ واتَّسَعَ خَرْقُه
ورَجَفَتْ جَوَانِبُهُ
أي: اضطربت.
انْقَبَضْتَ
انقبَضَ عن الأمر وتقبّض، إذا اشمأَزَّ؛ "مقاييس اللُّغة".
وانْقَبَضَ عن الأمر: تَأَخَّرَ وتَرَاجَعَ.
أصْغَوْا
أيْ: مالوا، قال الله تعالى: ï´؟ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ï´¾} [الأنعام: 113]؛ أَي ولِتَمِيل.
شمّرت
شمّرَ: أي خفَّ وأسرَعَ.
ونَوا
أي: قَصَّروا، وفرَّطوا.
قال في "لسان العرب": الوَنا الضَّعْفُ والفُتور والكَلالُ والإِعْياء.
تقول مادحةً له: إنّك تأخَّرتَ عمّا إليه مالُوا وصَنَعُوا، وأسْرَعْتَ فيما عنه ضَعُفُوا وفَرَّطُوا.
واقْتَعَدْتَ
أي: حَبَسْتَ.
مَطِيَّ
جمع مَطِيَّة، وهي: الناقة التي يُركب مَطاها؛ أَي ظهرها.
فَلَمْ تَهْتَضِمْ دِينَكَ
أي: لم تنقصْ منه أو تَنْتَقِصْ.
أو من الهَضْمِ وهو: الظلم، قال في "لسان العرب":
وهَضَمَه يَهْضِمُه هَضْمًا واهْتَضَمه وتهَضَّمَه: ظَلمه وغصَبه وقهرَه، والاسم الهَضِيمةُ.
قِدْحُك
• القِدحُ - بكسر القاف وتسكين الدَّال -: السَّهم الذي كانوا يَسْتَقْسِمون، أَو الذي يُرْمى به عن القوس؛ "لسان العرب".
• والقَدَحُ - بفتح القافِ والدّال -: المِغرَفة؛ "الصحاح في اللغة".
وفي "لسان العرب": القَدَحُ من الآنية، بالتحريك: واحد الأَقداحِ التي للشُّرب، معروف؛ قال أَبو عبيد: يُرْوِي الرجلين، وليس لذلك وقت؛ وقيل: هو اسم يَجْمَعُ صغارها وكبارها، والجمع أَقْداح، ومُتَّخِذُها: قَدَّاحٌ، وصِناعَتُه: القِداحةُ.
فَفازَ عِنْدَ المُسَاهَمَةِ قِدحُكَ
أي: فازَ سهمُه عند المساهمة، وهي: المراهنة والمسابقة.
تَكْني بذلك عن سبقِه في ميدان العمل لصالح الدين والدنيا؛ حتى فاقَ فضلُه عن غيرِه.
8 - خطبتها لما بلغها مقتل عثمان:
لما قُتِل عثمان أقبلَتْ عائشة، فقالت: أقُتِل أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم، قالت: فرحمه الله، وغفر له، أمَا والله لقد كنتم إلى تشييد (ويُروى: إلى تسديد) الحقِّ وتأييدِه، وإعزاز الإسلام وتأكيدِه، أحوجَ منكم إلى ما نهضْتُم إليه من طاعة مَن خالف عليه، ولكن كلَّما زادكم الله نعمةً في دينكم، ازددتُم تثاقلاً في نصرته؛ طمعًا في دنياكم، أما والله لهَدْم النِّعمة أيسَرُ من بِنائها، وما الزِّيادة إليكم بالشُّكر بأسرعَ مِن زوال النِّعمة عنكم بالكفر، وايم الله لئن كان فَنِي أُكْلُه، واخترَمه أجَلُه، لقد كان عند رسول الله كذِراع البِكْر الأزهَر، ولئن كانت الإبل أكلَت أوبارها، إنه لصِهر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولقد عهدتُ الناس يَرهبون في تشديدٍ، ثم قُدِح حبُّ الدنيا في القلوب، ونبذ العدل (ويروى: العَهد) وراء الظُّهور، ولئن كان بَرَك عليه الدهرُ بِزَوره، وأناخ عليه بِكَلكلِه، إنَّها لنوائب تَتْرى، تلعب بأهلها وهي جادةٌ، وتجدُّ بهم وهي لاعبةٌ، ولعَمْري لو أنَّ أيديكم - ويروى: أيديهم - تَقرع صفاته، لوجدتُموه عند تلظِّي الحرب متجرِّدًا، ولسيوف النصر متقلدًا، ولكنها فتنةٌ قدحَت فيها أيدي الظَّالمين، أما والله لقد حاط الإسلامَ وأكَّده، وعضَّدَ الدِّين وأيَّده، ولقد هدم الله به صياصِيَ الكفر، وقطع به دابر المشركين، ووقَمَ به أركان الضَّلالة؛ فلله المصيبة به ما أفجعَها! والفجيعة به ما أوجعها! صدَع الله بمقتلِه صَفاة الدِّين، وثَلَمت مصيبتُه ذروةَ الإسلام بعده، وجعَل لخير الأمَّة عهده.
قال: وعليٌّ - عليه السلام - جالسٌ في القوم، فلمَّا قضَت كلامها، قام وهو يقول: أرسل الله على قتَلتِه شهابًا ثاقبًا، وعذابًا واصبًا.
معاني بعض الكلمات:
الكلمة
المعنى
مِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْكُمْ بِالْكُفْرِ
كُفْرُ النِّعْمَةِ: سَتْرُها، أو عدم تصريفها في الوجوه المشروعة.
وَايْمُ اللهِ
ايم الله: للقسم، والتقدير: يمين الله قسَمي، ومثله: أَمَا ويمين الله.
فَنِيَ أُكْلُهُ
الأُكْل: الرِّزق، وإِنه لعَظيم الأُكْل في الدنيا؛ أَي: عظيم الرزق.
ومنه قيل للميت: انقطع أُكْله، والأُكْل: الحظُّ من الدنيا كأَنه يُؤْكَل.
وَاخْتَرَمَهُ أَجَلُهُ
اخْتُرِمَ فلانٌ عَنَّا: مات وذهب؛ أي: قطعته منيته.
البكر
البكر: الفتِيُّ من الإبل، ويُروى البكرة، والأزهر: الأقوى.
وَلَئِنْ كَانَتِ الإِبِلُ أَكَلَتْ أَوْبَارَهَا
أكلت الإبلُ أوبارها: مثَلٌ يضرب لوقوعِ أشنع وأبعد ما يرتكبه المعتدي؛ تريد أنه وإن كان حصل ما حصل فإنه هُو هو عثمان، صِهْر الرسول، لا ينكر فضله، ولا يذهب دمه هدرًا.
تَجِدُّ بِهِمْ وَهِيَ لاَعِبَةٌ
الجِدُّ: نقيض الهزلِ، تقول منه: جَدَّ في الأمر يَجِدُّ جِدًّا.
بِزَوْرِهِ
بثقله.
وَأَنَاخَ عَلَيْهِ بِكَلْكَلِهِ
الكلكَل: وسط الصدر، والجملة كناية عن الضغط الثقيل.
عِنْدَ تَلَظِّي الحَرْبِ مُتَجَرِّدًا
مجتهدًا متفرغًا.
صَيَاصِي
جمع صيصة، وهي: الحصون
والوَقْمُ كسرُ الرَّجُلِ وتذليله، يُقال: وَقَمَ اللهُ العدوَّ، إذا أذلَّه.
وَثَلَمَتْ مُصِيبَتُهُ
وَعَذَابًا وَاصِبًا
العذاب الواصِب؛ أَي: الدائم الثابت، وقيل: الموجع.
فصل
نماذج ممّا قالته أو تمثّلت به من الأمثال - رضي الله عنها -:
1 - بحمد الله لا بحمدك:
هذا من كلام عائشة - رضي الله عنها - حين بشَّرَها الرسول بِنُزول براءتها في القرآن الكريم.
• يُضربُ لمن يَمُنُّ بما لا أثَرَ له فيه.
والباء في "بحمد الله" من صلة الإقرار؛ أيْ: أقرُّ بالحمد في هذا لله - عزَّ وجلَّ.
2 - حدثٌ مِن فيك كحدثٍ من فرجك:
يعني أن الكلام القبيح مثل الحدث، تمثَّل به ابنُ عبَّاس وعائشة - رضي الله عنها.
3 - فَتَل في ذرْوَته:
أي: خادعَه حتى أزاله عن رأيه، قال أبو عبيد: ويُروى عن ابن الزبير أنَّه حين سأل عائشة أمَّ المؤمنين الخروجَ إلى البصرة، أبَتْ عليه، فما زال يَفْتِلُ في الذِّرْوَةِ والغارِب حتى أجابته.
الغاربُ: مُقَدَّمُ السَّنام؛ والذِّرْوَةُ أَعلاه، أَراد: أَنه ما زال يُخادِعُها ويَتَلطَّفُها حتى أَجابَتهُ.
4 - بَقِّ نعليك، وابذل قدميك - لا جديد لمن لا خلق له:
أي: احمِلْ على نفسك في استبقاء مالك؛ لئلاَّ يَرى الناس به خلَّة، فتهون عليهم، ومنه قولهم: "لا جديد لمن لا خلق له".
يُروى عن عائشةَ أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - وقد كانت وهبت مالاً كثيرًا، ثم أمرت بثوبٍ لها أنْ يُرقَّع، وتمثَّلَت بهذا المثل عند ذلك.
رُمِيَ بِرَسَنِ فُلانٍ عَلى غَارِبِه: إذا خُلِّي وما يريد.
5 - وهذا المثل يُروى عن عائشة أمِّ المؤمنين أنَّها قالته ليَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ الهلالي، ابن أخت ميمونة - زوج النبيِّ -: "ذهبَتْ والله ميمونة، ورُمِيَ بِرَسَنِك على غاربِك".
أَي: خُلِّيَ سَبِيلُك، فليس لك أَحدٌ يمنعك عما تريد؛ تَشْبيهًا بالبعير يُوضَعُ زِمامُه على ظهرِه، ويُطْلَقُ يَسرَح أَين أَراد في المرْعى.
6 - ويُروى في سبب قولِها ذلك أو قريبًا منه ليزيد، أنَّه وابن أخيه وولدًا لطلحة، قد وقعوا على حائط "بستان"، فأصابوا منه، فبلغَها ذلك - رضي الله عنها - فأقبلَتْ على ابن أخيها تلومه، ثُمَّ وعظَتْ يزيدَ موعظةً بليغةً، ثمَّ قالت: أما علمت أنَّ الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيِّك، ذهبَتْ والله ميمونة، ورُمي بحبلِكَ على قاربك، أمَا أنها كانت من أتقانا وأوصلنا للرَّحم.
ومنه قولهم:
خَلاَ لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِري
7 - مَلَكْتَ فأَسْجِحْ:
قالته عائشة - رضوان الله عليها - لعليِّ بن أبي طالب يوم الجَمَل حين ظَهر على الناس، فَدَنا من هَوْدجها، وكَلَّمَها فأجابْته: مَلَكت فأسْجِح، "أيْ: ظَفِرت فأحْسن"، فجهَّزَها بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأة - وقال بعضُهم: سبعين - حتى قَدِمت المدينة.
ومنه قولهم: إذا ارجحنَّ شاصِيًا فارْفَعْ يَدًا؛ أي: إذا رأيْته قد خَضَع واستكان، فاكفُف عنه، والشاصي: هو "الرَّافع رِجلَه".
8 - قَدْ بَلَغَ مِنْهُ البُلَغين:
أي: الدَّاهية، قَالت عائشةُ لعليٍّ - رضي الله عنهما - يوم الجمل حين أخذت: قد بلغت منا البُلَغِينَ، ويُراد بالجمع على هذه الصِّيغة الدَّوَاهي العظام، وأصله من البلوغ؛ أيْ: داهية بلغت النِّهايةَ في الشر.
فصل
نماذج لما تمثّلت به من الشعر - رضي الله عنها - وهو يُبرِزُ حافظتَها النادرة، وبديهتها الحاضرة - رضي الله عنها -:
كانت تَقول - رضي الله عنها -: "الشِّعر منه حسَنٌ ومنه قبيح، خُذْ بالحسَن، ودع القبيح، ولقد روَيتُ من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة فيها أربعون بيتًا، ودون ذلك".
ونظرًا إلى هذا الذَّوق العالي الرفيع للشِّعر لدى عائشة؛ كان الشُّعراء يعرضون عليها قصائدَهم، وهذا حسَّان بن ثابت الذي كان مُعلِّمَ الشُّعراء في الأنصار دون منازع، رغم سخط عائشة عليه لكونِه خاض في الإفك، كان يدخل عليها ويُنشدُها شعرًا، وكانت - رضي الله عنها - تكرَهُ أن يُسَبَّ عندَها، بل كانت تمدحُه وتذكرُه بالخير.
وهذه نماذج لبعض المواقف التي تمثَّلَت فيها ببديهتها الحاضرة أبياتًا من الشعر:
مدح الشَّاعر الجاهلي أبو كبير الهذلي[12] ابنَه تأبَّط شرًّا بقصيدةٍ فيها البيتان التاليان كما وردا في "ديوان الحماسة":

غُبَّر حيضة؛ أيْ: بقايا حيضة، المغيل: من الغِيلة - بكسر الغين - وهو أن تُغشى المرأة وهي تُرضع، معناه: أنَّها حملَتْ به وهي طاهرة ليس بها بقيَّة حيض، ووضعَتْه ولا داء به استصحبه من بطنها، ولم ترضعه أمُّه غيلاً.
أسِرَّة وجهه: أي خطوط جبهته، العارض من السَّحاب: ما يعرض في جانب السماء، والمتهلِّل المتلألئ بالبَرْق؛ يقول: إذا نظرت في وجهه رأيت أسارير وجهه تُشْرق إشراق السحاب المتهلِّل بالبرق.
فمدحَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذين البيتين، وقالت[14]: "لو رآك أبو كبيرٍ الهذلي، لعلم أنَّك أحقُّ بشعره"، قالت: فقام النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقبَّل بين عينَيَّ، وقال: ((جزاكِ الله يا عائشة خيرًا، ما سُرِرْتِ منِّي كسروري منك)).
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - في صفته - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالت: تَبْرُقُ أَسارِيرُ وجهه.
ولَمَّا تُوفِّيَ عبدالرحمن بن أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنهما - حُمل إلى مكَّة، فدُفنَ فيها، ولم تحضره عائشة - رضي الله عنها - فلمَّا قدمت المدينة، أتَتْ قبره وقالت: يا أخي، لو كنتُ شهدتُ وفاتَك لم أزُر قبرك، ثم تمثَّلَتْ:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً 
مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا 
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا 
لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا [15]
كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كثيرًا ما يقول لي: ((ما فعلَتْ أبياتُك؟)) فأقول: أي أبيات؛ فإنها كثيرة؟ قال: ((في الشُّكر))، قلت: نعَم، فذكر الثلاثة الأبيات، يعني[16]:
ارْفَعْ ضَعِيفَكَ لاَ يَحِرْ بِكَ ضَعْفُهُ 
يَوْمًا فَتُدْرِكَهُ العَوَاقِبُ قَدْ نَمَا 
يَجْزِيكَ أَوْ يُثْنِي عَلَيْكَ وَإِنَّ مَنْ 
أَثْنَى عَلَيْكَ بِمَا صَنَعْتَ كَمَنْ جَزَى 
إِنَّ الكَرِيمَ إِذَا أَرَدْتَ وِصَالَهُ 
لَمْ تُلْفِ رَثًّا حَبْلَهُ وَاهِي القُوَى 
فقال: ((نعم يا عائشة، إذا حشرَ الله الخلائقَ يوم القيامة قال لعبدٍ مِن عبيده: اصطنَع فلانٌ عبدٌ من عبادي عندك معروفًا، فهل شكرتَه؟ فيقول: علمتُ يا ربِّ أنَّ ذلك منك فشكرتُك، فيقول: لَم تشكرني إذا لم تشكر مَن أجريتُ ذلك على يديه))[17].
وكانت عائشة - رضي الله عنها - تتمثَّل بهذين البيتين:
إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ 
حَوَادِثَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا 
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا 
سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا 
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت: "رحم الله لبيدًا كان يقول:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ 
وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ[18] كَجِلْدِ الأَجْرَبِ 
يتبع