عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-06-2021, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثلاثية الحلم والوطن والذات في ديوان تكوين حلم

تتمثل الذات هنا في صورة السالك الذي يقوم بواجب العبودية الكاملة إلى ربه في تبتلٍ وابتهال، وتحمل ملامح نبوية، فإذا هي صورة لكثيرين ممن يملؤون ربوع الوطن (كأحد المحاور الثلاثة)، إنهم كما يسميهم الشاعر – متمثلاً المعنى النَّبوي –: القابضونَ على الجَمْر، وهُم هم كذلك القابضُون على الفَجْر، والذين يمتلكون رؤيةً مغايرة لما هو سائد في ربوع الوطن، وبذلك يصبحون جزءًا من طاقة الحلم الذي يسعى الشاعر إلى تكوينه في إصرارٍ ويقين.

وكما تتوحد الذات بالآخرين، فإنها تبصر من بينهم بصفةٍ خاصة الشهيدَ، فتفرد له أغرودةً خاصة به. إنه ما يصنعه الشاعر في قصيدة (عندما لا يعودون) حين يغني للشهيد:
كانَ يَترُكُ في دفترِ الذِّكرَياتِ الأنيقِ سُطوراً مِن الحُبِّ والأُمنياتِ القَدِيْمَةِ..
يَكتبُ عن سَبْعَةِ الأصدِقاءِ، يُحاوِرُ أسماءَهمْ،
يَتَسَلَّلُ مِن لَحَظَاتِ الوداعِ إلى لَحَظاتِ اللِّقاءِ..
يَعُدُّ القُرَى والممَرَّاتِ:
كانَ هُنا مَعَ صاحبِهِ، وهُنا سارَ وَحْدَ النَّشيدِ وعادَ حَزِيناً (الديوان: 13).

إنه يتمثل ذكراه في أشيائه المختلفة:
لِذِكْراهُ وَجْهانِ؛ فالهمُّ لا يَعرِفُ الذِّكْرَياتِ السَّعيدةَ دَومًا..
هُنا:
مَرَضٌ صامِتٌ، بَيتُ شِعرٍ تقَاسمَ سَطرًا وهامِشُ نقدٍ،
غِيابُ صديقٍ عن الأرضِ، خَرْبشَةٌ دُوْنَ مَعْنًى،
عِتابٌ بِحِبْرٍ رَشِيْقٍ، خَواطِرُ تَنْتَظِرُ القارِئينَ، انفِعالٌ..
وأشياءُ يَترُكُها تعِبًا، ويَعُودُ إلى غَيْرِها في المَساءْ (الديوان: 14).

إنها أشياء توحي بأنه شهيدٌ غير عادي!.. إنه شهيد مِن ذكرياته بيت شعر وهامش نقد وحبر رشيق وخواطر تنتظر القارئين وانفعال.

إنه شهيد من شهداء الكلمة يتوحد معه الشاعر ولعله شهيد مجازي يرسمه الشاعر لصورة الذات في محاولتها تكوين الحلم.. ويحدث الإخفاق لهذا التكوين.. وتسقط الذات الشهيدة في صراعها من أجل الحلم.

وتتطور صورة الشهيد لترسم آفاقاً أبعد وأوسع بعد أن رحل، وبعد استعراض لحظات رحيله، وما على قبره من ورود، وما امتد حول قبره من جليد النسيان، كشهيد ينتمي للبؤساء ويخرج من بينهم، ويجرد الشاعر من معنى الشهيد عدداً من التجريدات تتمثل صورته في شكلها الأخير والنهائي:
الشَّهيدُ التِقاءُ التُّرابِ مَعَ الأبْيَضِ الأبَدِيِّ..
الشهيدُ الخُلودُ: يُسافِرُ بينَ الفَرادِيْسِ ما شاءَ
.. بَعْدَ نهايةِ تِلكَ الحَياةِ أليسَ جَميلاً إذا عاشَ كُلَّ الحَياهْ؟ (الديوان: 17).

يتحول الشهيد إذاً في النهاية إلى قيمة مجردة، تهَب الحياة معناها، وتسمو فوق ذكريات اللحظة والموقف، وينغمس الشاعر في معطياته المرجعية التي تندغم مع القول النبوي في ضحك الله للشهداء:
(يَضحَكُ اللهً لِلشُّهَدَاءِ..) الديوان: 17.

على أن محور الوطن يشتعل في عدة مواطن في الديوان ويتعانق كذلك – كما مرَّ بنا – مع المحورين الآخرين (الذات والحلم) ليشكل الثلاثةُ في كل قصيدة نوعاً من التناغم والالتحام، كما أن مفهوم الوطن عبر الديوان يتسع لا ليقف عند سورية ودمشق بما يحفلان به من امتدادات زمانية وتاريخية – كوطن أُم بالنسبة للشاعر – بل يتماهى مع المفهوم العربي للوطن والمفهوم الإسلامي ببعديهما التاريخي والروحي.

وفي قصيدة (مقام عراقي) تظهر صورة الوطن المأساة محملةً بزخمٍ روحي:
اليومَ قدْ تبكِيْ السَّماءُ.
تقولُ مِئذَنةٌ لِمئذنةٍ
قُبَيلَ سُقوطِها عَن غَيمةٍ
مَرَّتْ لِتَهطِلَ بَيْنَ أَصْداءِ الأذانِ السَّرمَدِيِّ
.. الغَيمةُ اقترَبَتْ لِتَرثيَها... ( الديوان: 19).

ومحملة بزخمٍ مأساوي يمتد عبر القصيدة كلها:
الخوفُ يَفترِسُ الضَّحايا
والقنائصُ كَالجَرادِ
.. على المقابِرِ لَمْ أجِدْ إِسْماً يُمَيِّزُ بَيْنَ مَوتِكُما
فَنَامَا في لِسانِ الرَّملِ.. نامَا صامِتَينِ.
يقولُ حَفَّارُ القُبُورِ لِجُثَّتَينْ ( الديوان: 20).

ويصبح العدم المأساوي هو المسيطر على المشهد كله في العراق، حيث أصبح الموتُ خبزاً يوميًّا يقتاته الأحياء قبل الأموات.

والشاعر/الذات لا يؤمن إلا بالبندقية، حيث يقول القناص الذي يقع عليه عبء الثأر، والذي نرجح أنه صوت الشاعر في هذه القصيدة متعددة الأصوات:
لِلبُنْدُقيَّةِ أنْ تكُونَ حَدِيقةً،
لِلبُندُقيَّةِ أنْ تكُونَ صَدِيقةً،
لِلبُندُقيَّةِ أنْ تكُونَ، وأنْ تكُونَ... ( الديوان: 22).

وإذا كان هذا هو صوت القناص الثائر، فإن الأصوات الأخرى تتناغم مع صوته كلٌّ بطريقته الفريدة التي تعبِّر عن مدى عمق المأساة في الوطن، فالدم يتكلم ويقول، وحفار القبور الذي يواري الجثث يتكلم ويقول، والفتى الذي تشكله ذكريات هذه الصور كلها، متمثلة في العدم وجثة المنزل الذي كانت تعود إليه الجدة الفقيرة والمحاريث الفقيرة والدنانير الفقيرة وابتسامات المساء.

ويمتد حوار المتكلمين عبر القصيدة لنجد من بينهم الغريب واليتيم الذي يخلفه القتل، كما يمتد ليشمل (الرشيد) كواحد من أعظم من حكموا المسلمين من العراق:
قالَ الرَّشِيدُ: وَلَوْ تَبَقَّتْ نَخْلَتانِ فَلا تَغِيبُوا عَن عِراقِ النَّخلَتَينْ،
وبَكَى الرَّشيدُ على العِراقِ..
بَكَتْ سَماءُ الرَّافِدَينْ ( الديوان: 23).

هنا نجد التِحام الذات التاريخية التي تسترفد الحلم مع الوطن المأساة لتظهر - في عمق المقارنة بين التاريخ والحاضر – رؤية فنية يؤكدها الشاعر من خلال الربط بين التاريخ واللحظة الراهنة ليستطيع من خلالها استشراف المستقبل/الحلم.

ومما نلاحظه في هذه القصيدة اللغة الحوارية التي تستشرف آفاقا درامية للعمل الشعري، وهو ما سنلاحظ أن الشاعر يلجأ إليه في قصائد أخرى من الديوان، يأتي هذا العنصر ممتزجاً بعنصر القَص، مما يؤكد أن للشاعر رؤية درامية يريد أن يؤكدها ويعالج من خلالها رؤياه الفنية ولعل هذه الإمكانية الفنية تطرح نفسها في عمل درامي مستقل للشاعر مستقبلاً.

ولا يزال محور الوطن على مدار قصائد الديوان متوهجاً مشتعلاً والشاعر، يتمثله هذه المرة في صورته الروحية والتاريخية في آنٍ واحد، من خلال رمز المدينة المنورة وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها.

أول ما يتمثل معنى الوطن في قصيدة (في الطريق إليه) والتي نظن أن الشاعر استلهمها من زيارته للمدينة المنورة إن كان زارها، ويتخذ فيها من الهجرة النبوية ومفرداتها ومتعلقاتها لُحْمَةَ التجربة وسَدَاها، ويتمثل انتظار الوطن الجديد/المدينة المنورة للمنقذ صلى الله عليه وسلم:
سيِّدٌ أخضرُ الوَمضِ، يَنتظرُ النَّخلُ إشراقَهُ
.. في المدينةِ طقسٌ مِن الدَّمعِ والشَّمْعِ:
"كيفَ سيأتي ؟" ( الديوان: 25).

وما بين وطنين (قديمٍ وجديد) تنتظر الذاتُ المهاجرة، بل إنها تسكن مِنطقةَ الانتظار، وذلك بعد أن أصبح الوطن القديم عائقاً أمام إشراق الومض الأخضر. تحت عنوان: (قريش.. دار الندوة) يقول الشاعر في هذا المقطع الثالث من القصيدة التي تمتد عبر خمسة عشر مقطعاً، لكل مقطع عنوانٌ خاص:
رتَّبوا مَوتَهُ جَيِّدَا:
"سوفَ نُطْفِئُهُ قبلَ أن يتسرَّبَ نُورُ الهُدى"
.. وهُناكَ حُضورٌ لِجِبريلَ
يَستكمِلُ المَشْهدَ النَّبويَّ/الغَدا.
يا.. غَدا
يا أحَبَّ البِلادِ إليهِ، سيَمضيْ
ويأتيْ غداً..
سَيِّدا. ( الديوان: 27).

إن هذا المشهد الدرامي، بما يحويه من ظلال الحوار ومن حالة القَص والسَّرد، يؤكد قدرة الشاعر الدرامية، وهذه القدرة الدرامية مرشحة لأن تجعل مِن مثل هذه التجربة (الهجرة النبوية) عملاً مسرحيًّا شعريًّا أكدته قدرة الشاعر هذه على معالجة الهجرة النبوية بطريقة جديدة ومبتكرة.

ثم بعد هذا المشهد، وعلى مدار مقاطع القصيدة يتوقف الشاعر عند عدد من المشاهد من مشاهد الهجرة النبوية المباركة:
• النبي صلى الله عليه وسلم والصديق.
• الغار إذ هما فيه.
• فتية الغار القديم/الكهف، في تداعٍ مع صورة الغار في الهجرة النبوية.
• دليل الرسول في هجرته عبد الله بن أُرَيقِط، الذي كان مشركاً ومع ذلك ساهم مستأجَراً في الهجرة.
• شاعر الجن: ويتحدث هذا المقطع عن تلك الأبيات التي قيل إن هناك من كان يرددها إبَّان الهجرة ويسمعه الناس ولا يرونه، ويتماهى الشاعر فنيًّا معها.
• قصة سُراقة بن مالك الذي خرج يطلب النبيَّ صلى الله عليه وسلم للقبض عليه.
• مسجد قباء.
• موقف عمر بن الخطاب من الهجرة، وهجرته علناً وتحدياً للمشركين.
• موقف صهيب بن سِنان الرومي، والذي يمثل التضحية من أجل المنهج ومن أجل وطن جديد يتمثل فيه هذا المنهج.
• صورة المستضعفين في مكة.
• هجرة المستضعفين.
• ثم في المشهد الأخير من داخل الروضة النبوية المشرفة، وكأنه يستحضر ذلك الشريط الطويل من ذكريات الهجرة وهو في الطريق إلى المدينة في لحظة من لحظات التعانق الروحي مع هذا الوطن الروحي التاريخي الجميل، ويتأكد أن القصيدة كانت - كما ألمحنا - تجربةً فنية منبثقة من هذه الزيارة.

يشهد البناء الفني لهذه القصيدة على قدرة الشاعر الفنية التي استطاع من خلالها أن يقدم نموذجاً جديداً، طويلاً نسبيًّا، لإضاءة السيرة النبوية شعريًّا، ملتقطاً مجموعة من المواقف والأحداث، دامجاً بينها في بنيةٍ شعرية جديدة تماماً، تؤكد قدرةَ الشاعر وقدرة الشعر الحديث، والإسلامي منه بوجهٍ خاص، على إعادة كتابة واسترجاع المواقف المضيئة في تاريخنا بصورة جديدة تختلف عن الأسلوب التقليدي الذي درج عليه شعراء العمود الشعري في التعامل مع السيرة النبوية وأحداثها ومواقفها.

هذا الأسلوب الجديد لا ينسى أنه ينتمي لعصر له حساسيته الخاصة وتدفقه المختلف واندماجه المتماهي مع حداثة الشكل، في الوقت الذي يتخذ فيه موقفاً فكريًّا مختلفاً، منطلقاً من الخصوصية الحضارية والثقافية والفكرية لأمة الإسلام. (يتبع 2/2).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.01%)]