تنبهت سُها إلى ما حولها عندما سمعت هتافات الطلبة وفرحهم وقد ضجَّتِ القاعة بالتصفيق والتشجيع لمدير الجامعة بعد أن أنهى كلمته مهنئًا فيها الخريجين وأهاليهم بهذا اليوم المميز... اليوم الذي يحتفلون فيه بثمرة جهدهم وصبرهم، نظرت بعينيها إلى المكان الذي اختارت عائلتها أن تجلس فيه، أمعنت النظر ورأت أخاها سلام جالسًا هناك وابتسامة مشجعة على وجهه.. رفع يده إليها بالتحية، ووجدت سُها نفسها ترد التحية بابتسامة صافية وقلب مغمور بالحب... "هذا هو أخي وتوءمي".. لقد جاء ليشاركها الفرحة ويعلمها بفخره بها... كما هي فخورة به.
انتهت القصة
تعليق:
لا بد لي أن أعترف أنني عندما فكرت في كتابة قصة حول موضوع مرض الشيزوفيرينيا (انفصام الشخصية) كنت تحت تأثير الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تولدت لدي من مشاهدة بعض الأفلام والمسلسلات التي تتعرض لهذا المرض، ولكن بعد قراءتي واطلاعي على بعض الكتب الطبية والتعليمية المتعلقة بهذا المرض النفسي تبين لي كم أنا مخطئة في تقديري... يعني سبحان الله، معظم هذه الأفلام اعتمدت في تمثيل شخصياتها على مفهوم أن الشخص المصاب بالشيزوفيرينا هو شخص مخيف لا يمكن الثقة به، وأنه قد يكون كما يقول المثل: ذئب في جلد خروف؛ أي: يظهر للعالم شخصية تختلف عن حقيقة ما في داخله... وبعد قراءة ومراجعة كتب علم النفس التي كنت أقرأ فيها قبل عقد من الزمن في مرحلة البكالوريوس وكتب حديثة غيرها، والحوار مع بعض أهل الاختصاص تبين لي أنه هناك الكثير من الأوهام والأخطاء التي وقع فيها الناس، من مزج هذا المرض مع مرض آخر وهو مرض تعدد الشخصية (Personality Disorder)، ومن هذا الباب كانت كتابة هذه القصة صعبة نوعًا ما، حيث كنت أريد لشخصية سلام أن تتعرض، وتعرض، ما يمر به الشخص المصاب بالشيزوفرينا وعائلته، وخاصة في بداية الرحلة مع هذا المرض النفسي/ العقلي الذي يعتبر من أصعب الأمراض النفسية التي قد تصيب الإنسان، سواء في مرحلة الطفولة، المراهقة والبلوغ، أو فيما بعد... وتؤثر وبالأساس على الشخص ذاته وعلى من حوله تأثيرًا يستمر مدى الحياة...
كان من الصعب أن أتأمَّل وأحلِّل حالة هؤلاء المبتلين الذين يصابون بهذه الأمراض النفسية أو العقلية، كنت وأنا أقرأ وأتعلَّم عن هذا المرض أتذكَّر طرفة كنتُ قد سمعتها وأنا طفلة، تقول النُّكتة: إنه كان هناك رجل يخاف من الدجاجة، وإنه كلما رأى دجاجة فرَّ منها؛ لأنه يظن نفسه حبة قمح، وأن الدجاجة تريد أن تأكله، المهم عولج الرجل ولم يعد يظن أنه حبة قمح، ولكنه استمر في الهرب كلما رأى أي دجاجة، ولما سئل: لماذا يهرب وهو لم يعُدْ يحسب نفسه حبة قمح؟ قال: "أنا مقتنع أنني لست بحبَّة قمح، ولكن هل الدجاجة مقتنعة بذلك؟".
كانت هذه النُّكتة مضحكة في ذلك الوقت، وكانت مضحكة لي إلى أن قرأت وتأملت وكتبت عن هذا الموضوع، أما الآن فلم تعد مضحكة، ففي نظر هذا الرجل المسكين تصوُّر بعيد كُل البُعد عن الواقع، ولكن بالنسبة له كان أمرًا واقعًا، كان حاله مثل تصور سلام أن أخته الصغيرة ريما تسرقه، وأن توءمته سُها سرقت عقله، وأن صديقه شاذ جنسيًّا، وأنه إنسان مهم وبطل، وأن العالم كله من حوله يحاول أن يخطفه ويعذبه ويقتله....
هذا التفهم جعلني أنتبه في حواري وتعاملي مع من حولي، خاصة وأنا أتعامل مع طلبتي ذوي الحاجات الخاصة المتعددة أو ذويهم.... وسبحان الله نحن كمسلمين مأمورون بأن نَزِنَ الكلمة قبل أن تخرج من أفواهنا... ويا لها من حكمة لو كان فينا متَّعظ.
لقد أخذَت كتابة هذه القصة أكثر من أربع شهور من البحث والتدقيق والمراجعة، وبعد أن أكملت كتابتها، عدت وقرأتها، وكنت أحاول أن أكتشف إن كنت ومن دون قصد قد بالغتُ في وصف المرض من خلال شخصية سلام، ولكن وبكل أسف أقولها: يؤسفني أنه هناك قضايا وقصص حقيقة تفوق في قوتها وحزنها قصَّتي... يعني أنا حاولت في القصة أن أرسم نهاية فيها بريق من الأمل، ولكن في الواقع ينتهي الأمر بكثير من الأشخاص المصابين بهذا المرض النفسي المزمن بالانتحار.. لكني لم أكن أريد أن أنهي القصة بنهاية مأساوية... لكنها حقيقة موجودة لا بد لنا أن ننتبه إلى ما نقول، وإلى تأثيرنا الناجع أو الفاشل في محاولة تثبيت أقدام المصابين بالأمراض النفسية في أرض الواقع مع رسم صور مشرقة وواقعية للمستقبل بدل أن نترك ذلك الشخص المصاب يدور في دائرة الضياع والخوف المشلول من مستقبل مجهول.
يمكن لي أن أستمرَّ في تحليل شخصية سلام، ولكني أفضل أن أنتقل إلى هدَف أسمى من ذلك... ماذا يمكن لنا نحن كأفراد أن نعمل من أجل أن نعين الشخص المصاب بمرض الشيزوفرينا؟ وهذا ما سوف تتعرض له الفقرة التالية.
نصائح وإرشادات
الشيزوفرينيا (الشخص المصاب)
• تشبَّثْ بالإيمان يا أخي أو يا أختي.. وبقضاء الله تعالى لك أنه اختارك دون غيرك لحكمة أرادها عنده، قد تعلمها وقد لا تعلمها... ثق بالله عز وجل!
• لا تفقد الأمل في رحمة الله تعالى؛ فإن الله تعالى الذي خلق الداء قد خلق الدواء.. إن كان طبيبك نصحك بأدوية معينة، فحافظ على مواعيد أدويتك، ولا تتوانَ في أخذها، تصورًا منك أنك لا تحتاجها بعد أن عبرت مرحلة شدة الأزمة، اشكر الله تعالى كلما أخذت حبة أنه هناك دواء، وعلى الرغم من أن كثيرًا من أدويتك لها أعراض جانبية كبيرة المفعول، ولكن اصبر وصابر واحتسب.
• من المهم جدًّا أن تجد طبيبًا نفسيًّا تثق فيه وترتاح إليه، فهو سوف يكون طبيبك ومرشدك وصمام الأمان، وطوق النجاة لك لعدة سنين.
• خذ حياتك يومًا بيوم، وخطوة بخطوة، واصبر مع نفسك، إن نصحك الطبيب بأخذ إجازة من المدرسة أو العمل لفترة، حتى وإن استمرت عدة شهور، افعل ذلك.
• حاول أن تتجنب الإجهاد العصبي والضغوط النفسية... حاول أن يكون شعارك في الحياة: "افعل ما يمكنك فعله، واترك الباقي على رب العباد!".
• ثقِّفْ نفسك حول المرض وأعراضه الواسعة.
• ادرُس شخصيتك وحاول أن تعلَم وتتفهَّمَ الأمور التي قد تبيِّنُ لك أنك تعاني من بعض أعراض المرض، تجنب هذه المسببات على قدر الإمكان.
• لا تخجل من طلب المساعدة من أهلك ومن هم حولك.
• أشرك من حولك من الوالدين والأقربين بهمومك ومخاوفك، لا تعزل نفسك وتقول: هم لن يفهموني؛ لأنهم لا يمرون ولا يحسون بما أمرُّ وأعاني منه.
• ابحث عمن كان عنده مشاكل مثلك؛ فالطيور على أشكالها تقع، ومعرفتك بغيرك وتعلمك منهم وتشجيعكم لبعضكم البعض سوف يخفف الكثير من الإحساس بالمرارة والألم والوحدة والخوف...
• أحِطْ نفسك بالأشخاص الإيجابين الذين ينظرون إلى الأمور من منظار نصف الكأس المملوء لا نصفه الفراغ.
• اقرأ عن قصص الناجحين والناس الذين تغلبوا على المصاعب التي مرت في حياتهم، هذه القراءات سوف تعطيك درسًا مهمًّا في الحياة، وهي أنه "كُلٌّ مُبتلًى"، وأن "البيوت أسرار لا يعلم ما بداخلها إلا رب الأرباب"، هذه القراءة سوف تساعدك على تغلب الإحساس بالمرارة والوحدة، وتعطيك عزمًا وقوة إلى أن تنجح وتتواصل مع الآخرين.
• حاول أن تَكتب في مذكرات خاصة بك لاستعمالك الخاص أحاسيسَك أثناء ما تمر به، وأن تحلِّل ما يحدث حولك وكيفية التعامل معه... سوف ترى أن هذه المذكرات سوف تعطيك إحساسًا لذيذًا بالإيجابية بعد أن تقرأ مثلًا الفترة الصعبة التي مررت بها، ومن ثم قرأت عن الفترة التي أعقبتها، عن أصحابك، عن أحلامك، ما حققت منها، وما زلت تسعى في الوصول إليه.
• تعلَّم أن تكون مَرِنًا في أحلامك وأهدافك، فكِّرْ مع نفسك، إن لم أحقق الهدف الفلاني فهذا اختيار الله تعالى لي، وهو أفضل من اختياري.. تقبل وتأقلم قدر ما استطعت.
• قد تكون هذه الوصية صعبة، ولكن فعلًا: تمتع بالحياة... إن كنت الآن في فترة نقاهة، ولا تعاني من المرض، ولو لبضعة شهور أو سنين (بفضل الله تعالى، ومن ثم الأدوية والمسكنات)... تمتع بكل لحظة تقضيها مع أهلك وأحبائك..
• ابتسم وقبِّل والديك وإخوتك وأخواتك... أحِطْ نفسك بمن يُحبك لنفسك ولا يحكم عليك بسبب كلمة طائشة أو فعل خاطئ فعلتَه في فترة كنتَ أنت فيها غير محاسب من رب العباد، فكيف للبشر أن يحاسبوك عليها؟!
• أحبب نفسك؛ فإن الله تعالى يُحبك، وإن لك لأجرًا لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لصبرك وتقبُّلك بما قسمه الله تعالى.
نصائح وإرشادات
الشيزوفرينيا (العائلة):
• تذكروا وذكروا بعضكم بعضًا أن ما أصاب ولدكم أو ابنتكم أو أخاكم أو خالتكم أو زوجكم أو جاركم من مرض هو بلاء من رب العالمين... يعني بغض النظر عن السبب، سواء كان في الجينات الوراثية، أو خلايا المخ والدماغ، أو المحيط، أو التعرض لبعض الأدوية والمخدرات... النتيجة أنه عندكم شخص عنده مرض الشيزوفرينيا وهو مرض يحتاج ممَّن يحيط بالمريض الصبر والتجلد والمثابرة والعطف والمساعدة والمرونة والقبول والمحافظة على احترام وحب هذا الشخص بغض النظر عن أي تصرف يقوم به.
• أعطوا بعض الحرية لولدكم، وخاصة أثناء فترة النقاهة والخروج ما بين أزمة وأخرى، قد يكون ذلك الأمر صعبًا، ولكنه ضروري جدًّا وفعال في خطة علاج ولدكم.
• عاملوا بعضكم [بعضًا] بالمثل، فإن كنتم تريدون من ولدكم أن يشارككم بما يمر في ذهنه وحياته، افتحوا قلوبكم له وأشركوه في حياتكم... أحلامكم... ومخاوفكم... هذا النوع من الحوار له هدف رئيسي، وهو فتح باب التحاور، والبقاء على صلة بأرض الواقع، تتناقشون من خلالها بما يهمكم ويهم من حولكم.
• حاولوا أن تنشئوا نوعًا من الروتين في حياتكم العامة، وأن تكون منظمة، وبجدول مرن يتحمل التغيير، ولكن الخطوط الرئيسية فيه واضحة وسهلة التحوير والتطوير.
• تقبَّلوا أنكم لن تستطيعوا أن تساعدوا ولدكم أو ابنتكم في كل الأمور، وأنه هناك بعض الأمور التي لا بد لكم أن تتركوها لحالها، هذه النقطة صعبة، ولكنها ضرورة لاستمرار قارب الحياة ومنعه من الغرق.
• تقبَّلوا الواقع رغم مرارته، هذا لا يعني عدم محاولة تحسين الأمور إلى وضع أحسن.. تذكَّروا قولَ عمر بن الخطاب عندما قرَّر أن يترك البلد الذي فشا فيه الطاعون، لما قيل له: "أتفر من قدَر الله؟"، قال بكل يقين: "إنما أفرُّ من قدر الله إلى قدَر الله!".
• اسعَوا إلى إيجاد الطبيب المناسب والأدوية الناجحة لحالة ولدكم، ولكن تذكَّروا أن الشفاء بيد الله تعالى؛ فأكثِروا من الدعاء.
• أَعلِموا المقربين فقط بمشكلة ولدكم من دون الخوض في التفاصيل؛ حرصًا على خصوصية ولدكم، هذه المشاركة سوف توفر لكم العون النفسي والمادي، إن احتيج في المستقبل، وأيضًا تعطي العذر لولدكم إن أساء التصرف في المستقبل، أو تفوَّه ببعض الأفكار العجيبة أو المعوجة التي تمر بذهنه أثناء المرض، ينصح أهل الاختصاص بأن تشاركوا بالتفاصيل المهمة فقط وليس للجميع، بكل أسف نحن نعيش في عالم ينظر إلى كل ما يتعلَّق بالأمراض العقلية على أنها بؤرة لمزٍ وهمز، وغيبة وانتقاد، ونحن لا نريد هذا لا للشخص المصاب، ولا لأهله الذين يصارِعون من الوحدة والغربة في ألَمهم، ما يجعلهم في غنًى عن أي آلام أخرى.
• هذه النقطة من أهم النقاط، وهي تنطبق على كل عائلة فيها أم أو أب أو غيره، على عاتقِه عبء الاهتمام بشخص مريض مرضًا مزمنًا، سواء كان نفسيًّا أو جسديًّا أو عقليًّا: اهتم بنفسك... خذ فرصة راحة... أرح ذهنك ولو لبعض الساعات من همِّ القلق... ابتسم وكن فخورًا بنفسك؛ فأنت مجاهد فضَّل أن يبقى في أرض المعركة ولم يتنازل عن أرضه وأهله وولده، وأنت شخص يفعل ذلك؛ لأن الحبَّ مغروز في قلبك (لا تقل لنفسك: أنا أعتني بولدي؛ لأنه ليس عندي حل آخر)... اسمح للحبِّ والحنان أن يكونا دافعك، والأمل في أن يعوضك الله خيرًا في الدنيا والآخرة..
• أكثِر من أدعية الاستِشفاء، وخاصة دعاء: "أسأل الله العظيمَ رب العرش العظيم أن يشفيك" (سبع مرات)، والدعاء في الآية الكريمة: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].
• حاولوا أن توفِّروا بعض المال إن أمكن، يكون لولدكم في الفترات التي يمر فيها بالمرض...
• اكتبوا وصيَّة تذكرون فيها مَن تأتمنونه على أمركم والعناية بولدكم إن توفاكم الله...
• لا تنسوا بقية أطفالكم، ولا تجعلوهم يعيشون حياة يغلِب عليها الخوف من المستقبل، ومن أن يصيبهم ما أصاب أخاهم أو أختهم.
• اضحكوا وشاركوا الطرائف والنكت، ولو نُكتة كُل يوم... الضحك ضروري للتغلب على المصاعب...
• حافظوا على الأمل في قلوبكم... واحمدوا اللهَ تعالى على كلِّ خطوة تحسُّن ترونها في ولدكم.. واجعلوا ألسنتكم رطبة بذكر الله، والتضرع إليه أن يعينكم وأن يشفي ولدكم...
أسأل اللهَ العظيم، ربَّ العرش العظيم، أن يَشفي كلَّ مريض، وأن يرفع الهمَّ والغم عن كل مهموم ومكروب، وأن يرزقنا جميعًا الصحَّةَ والعفو والعافية...