سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [1]
رامي حنفي محمود
تفسيرالربع العاشر من سورة النساء بأسلوب بسيط
الآية 135: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾: يعني كونوا قائمين بالعدل في كل أموركم، ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّه ﴾:ِ أي مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ﴿ وَلَوْ ﴾ كانت ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾: يعني: ومهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا، فلا يَحمِلَنَّكم غِنى الغنى ولا فقْر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها (ظناً منكم أنَّ ذلك في مصلحته)، فإنَّ الله تعالى أوْلَى به منكم، وأعلم بما فيه صلاحه، ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾: يعني فلا يَحمِلَنَّكم الهوى والتعصب للغير على ترْك العدل، ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾: يعني وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ عنها بترْك أدائها أو بكتمانها: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾: أي عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها.
الآية 136: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا ﴾: أي داوِموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم ﴿ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ على رُسُله الكرام، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ عن طريق الحق.
الآية 138، والآية 139: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾: يعني أخبِرهم بخبرٍ يَظهرُ أثره على بَشرَةِ وجوههم ألماً وحسرة، (وهو العذاب المؤلم في النار).
• وهؤلاء المنافقون هم ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ﴾: يعني أيَطلبون بذلك النُصرة والقوة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، ﴿ فَإِنَّ الْعِزَّةَ ﴾ والنُصرة والقوة ﴿ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾: أي جميعُ ذلك للهِ وحده.
الآية 140، والآية 141: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾: أي نَزَّلَ عليكم في القرآن ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ﴾: أي فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾: يعني إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه من الكفر والاستهزاء، فأنتم مِثلهم؛ لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها.
• وكذلك السامع لغَيْبَةِ أخيه (يعني بما يَكرهه في غيبته)، وكانَ في استطاعته أن يدافع عنه، أو أن يقول لهم: (الله يهديه ويغفر له)، ليمنعهم بذلك من غيبته، أو كانَ في استطاعته أن يترك مجلس الغيبة ولم يفعل، وكان راضياً بذلك، ومُقِرَّاً للمغتابين على ما هم عليه: فإنه مغتابٌ مثلهم يأكل لحم أخيه ميتاً.
﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ يلْقَون فيها سوء العذاب، وهؤلاء المنافقون هم ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾: يعني ينتظرون ما يَحِلُّ بكم من الفتن والحرب: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ ونَصَرَكم على عدوكم وغَنِمتم: ﴿ قَالُوا ﴾ لكم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ نناصركم؟، ﴿ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ ﴾: يعني قَدْرٌ من النصر والغنيمة، ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني ألم نساعدكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ وبينهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾: يعني ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين طريقًا ليغلبوهم بالحُجَّة والبرهانً في الآخرة، وإنما قلنا (في الآخرة) لأن السِياق كان يتحدث عن أن الله سوف يحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة.
الآية 142، والآية 143: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾: أي يعتقدون بجهلهم أنهم يُخادعونَ اللَّهَ، بما يُظهرونه من الإيمان وما يُبطنونه من الكفر، ظنًّا منهم أنّ ذلك يَخفى على الله تعالى، ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ومجازيهم بمثل عملهم، ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾: أي قاموا إليها في فتور، ﴿ يُرَاءُونَ النَّاسَ ﴾ ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، ولذلك أمر الله المؤمنين - في آيةٍ أخرى - أن يذكروا الله ذكراً كثيراً، لأن الذكر الكثير براءةٌ من النفاق.
• وإنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين أنهم ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾: يعني حَيارَى مترددين بين الكفر والإيمان، لا يستقرون على حال، فـ﴿ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾: يعني فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾: يعني ومَن يَصرف الله قلبه عن الإيمان وعن الاستمساك بهديه: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾: يعني فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.
الآية 144: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بالنصرة والمحبة والإعانة وبإفشاء أسرار المؤمنين لهم، ﴿ أَتُرِيدُونَ ﴾ بمودَّة أعدائكم ﴿ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾: أي حُجَّةً ظاهرة على عدم صِدق إيمانكم؟
الآية 145، والآية 146: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾: يعني في أسفل منازل النار يوم القيامة، ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ يدفع عنهم سوء هذا المصير، ثم ذكر تعالى الأمل الوحيد لهم في النجاة من ذلك العذاب الأبدي فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ ما أفسدوه من أحوالهم باطنًا وظاهرًا، ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ من شر النفس والشيطان، واستمسكوا بدين الله، (﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾) في الدنيا والآخرة، ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾.
الآية 147: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ﴾: يعني ماذا يستفيد الله تعالى من تعذيبكم ﴿ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ فإنه سبحانه غني عن ذلك، وإنما يعذب العباد بذنوبهم إن لم يتوبوا وأصَرُّوا على ما هم فيه، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا ﴾ لعباده على طاعتهم له، ﴿ عَلِيمًا ﴾ بكل شيء.
[1] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُها في القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.