عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-06-2021, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخطوات الأولى لـ"إبراهيم شعراوي" مع أدب الطفل

ورُبَّما خدعَتْه - ككثيرين غيره - تلك الشِّعاراتُ البرَّاقة التي رفعَها اليسار قبل أن تنكشف حقيقتُهم وأباطيلهم، ويفتَضحَ أمرُهم؛ فحِلْف "وارسو" الذي قدَّم نفسه للمجتمع الدوليِّ على أنه حِلْفُ سلامٍ، لم يكن إلاَّ آلة معقَّدة لإدارة الحرب الباردة ضدَّ فئة من الناس الذين يختلفون معهم في الرُّؤَى، ولم يكن مثل "حلف الفضول" الذي دعا لِنَشر السَّلام.







عمومًا، تراوح "شعراوي" بين النقيضين إلى أن استقرَّ في منطقة الوسط، ووجد ضالَّته عندما بدأ في صياغة أدب الأطفال، وانضمَّ إلى "جمعية ثقافة الأطفال" بالقاهرة عام 1968 مع مجموعةٍ من المبدعين، منهم صديقه الحميم الأستاذ "عبدالتواب يوسف"، والأستاذ "عبدالبديع القمحاوي"، والأستاذة "علية توفيق"، وعددٌ كبير من المخلصين لأدب الطِّفل، ولم يكن هذا الاستقرارُ في منطقة الوسط من قبيل المُصادفة، وإنَّما بدايات "شعراوي" متلقيًا لفنون الأدب في طفولتِه كانت تحتِّم عليه تلك الوسطيَّة الأدبية، فلقد تربَّى في بيت متديِّن وبسيط، وريفيِّ المنشأ.







فتح "شعراوي" عينَيْه على المجتمع من حوله، فوجده يموجُ في حلقات الذِّكر، في المناسبات الدينيَّة المختلفة، بل في بعض المناسبات الاجتماعيَّة أيضًا، ومن قَبْل كانت تحيط به أسرتُه الصغيرة تبثُّه حكايات الجدَّات التي تزرع في نفوس الصِّغار حبَّ الجمال والنَّغم، وكذلك الأحاجي التربويَّة التي تنتشر في الرِّيف، والطبيعة الساحرة الخلاَّبة على شاطئ النيل تنمِّي عنده الخيالَ الخصب، والهدوء المعروف عن أهل النوبة يقوِّي فيه ملكة التأمُّل، وكلُّ هذه الأمور اشتركت، ورسمَتْ لـ"شعراوي" الخطَّ الذي عليه أن يسير فيه، والنَّهج الذي يتبعه مستقبلاً، إلى أن وصل إلى مرفأ "أدب الطفل"، وكان قد احتفظ في هامش شعوره وبؤرتِه، ثُمَّ استخرَجها تباعًا من مكامنها، وأراد أن يسعد الأبناء بما سبق أن سعد به في طفولته، وهذا هو دَأْب كلِّ أديب مُخْلص لِمُجتمعه، صادقٍ مع نفسه، مؤمنٍ بربِّه.







و"شعراوي" أمضى كثيرًا من عمره بين مرحلتين من الطُّفولة، وذاب بينهما عشقًا وتأثُّرًا؛ مرحلة طفولته الأولى في صِغَره، ومرحلة حياته بين الأطفال من خلال أدَبِه، وهذه المرحلة تُعتبر مرحلةً أخرى من مراحل الطُّفولة، ولكن بشكلٍ مختلف، أو مُغاير، وظروفٍ معدلة، ولذلك فلا غرابةَ إذا اهتمَّ في كتاباته بنماذج وأبطالٍ مِمَّن هم في سنِّ الطفولة، فقد كتب قصيدةً بعنوان "الفتى"[4] عن سيدنا عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - على سبيل الأحاجي قال فيها:









نَامَ وَالْمَوْتُ حَوْلَهُ يَتَرَصَّدْ

وَسُيُوفٌ سَعَتْ لِقَتْلِ مُحَمَّدْ



فَإِذَا هِجْرَةٌ تَتِمُّ، وَتَعْلُو

رَايَةُ اللهِ فِي الوُجُودِ وَتَخْلُدْ










وكان سنُّ سيدنا عليٍّ يومَها في تلك المرحلة التي نصنِّفُها ضمن مراحل الطُّفولة؛ أيْ: دون السَّادسة عشرة، والشاعر بهذه الإطلالة على شخصيَّة تاريخيةٍ محبوبة، إنما يبثُّ في قلوب الأطفال معانِيَ سامية، وأخلاقيَّات وشجاعة، وهذه هي الرِّسالة الحقيقيَّة للشُّعراء، إذا أرادوا أن يصنِّفوا أنفسهم في طائفة المستَثْنَيْن من الشُّعراء، أو بمعنًى آخر: "الشعراء الذين لا يتَّبِعُهم الغاوون".







وهذا الأسلوب التشويقيُّ الذي يتبعه "شعراوي" يعدُّ من الملامح المميِّزة لمنهجه في أدب الأطفال، فهو لم يَذْكر في المثال السابق مَن هو الفتى، ولكنَّه اكتفى بالتلميح والإلغاز؛ حتَّى يترك للطفل مساحةً للمشاركة من خلالها في صياغة الإجابة، أو الإيضاح، أو حلِّ اللُّغز، وقد لَجَأ "شعراوي" إلى هذا اللَّون من ألوان كتابة الشِّعر للطفل؛ لأنَّه في هذه الفترة التي كتب فيها هذه القصائد، كان لا يزال يعيش في أجواء قصائد المديح التي عشَّشَت في أعماقه، ثم باضت وأفرخَتْ، ولم يكن قد تحلَّل من أَسْرِها، ولعلَّه لم يتحلل منها إلى الآن؛ فقصيدته في مدح رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ستستمرُّ بوهجها وبريقها في سماوات الأدب العربي أمدًا بعيدًا، وهو يقول فيها[5]:









يَا حَبِيبِي أَنْتَ لِي إِنْ تَعْصِفِ الرْ

رِيحُ مِنْ حَوْلِي، وَمَاذَا فِي يَدَيّْ؟



أَنْتَ لِي فَجْرٌ رَبِيعِيٌّ إِذَا

عَشَّشَ اللَّيْلُ هُنَا فِي مُقْلَتَيّْ



أَنَا مِنْ طِينٍ وَذُو التِّيجَانِ وَالْ

قَصْرِ مِنْ طِينٍ وَمِنْهُ كُلُّ حَيّْ










إلى أن يقول في نهايات هذه القصيدة:









مُسْلِمٌ قَلْبِي، وَرُوحِي، وَيَدِي

وَضَمِيرِي.. مُسْلِمٌ فِي كُلِّ شَيّْ



مُسْلِمٌ أَحْلُمُ أَنْ تَقْبَلَنِي

فِي رَعَايَاكَ وَأَنْ تَحْنُو عَلَيّْ










فهذه القصيدة ومثيلاتها عند "شعراوي"، كانت تغازل وجدانيَّاته وهو يصوغ قصائدَه للأطفال، فسار على نفس الدَّرْب، وكتب للأطفال عن الأنبياء والصَّحابة والتابعين، وفي المراحل الإبداعيَّة اللاحقة، توجَّه بكتاباتِه إلى مَناحٍ أُخْرى تصبُّ أيضًا في منهج تقويم سلوكيَّات الطفل بشكل غير مباشر أحيانًا.







وعندما استقر به المقام في سَلْطنة عمان، استغلَّت وزارة التربية والتعليم العمانية وجودَ هذا العلَمِ البارز الخفَّاق على أراضيها، فكلَّفَتْه بوضع بعض الكتب التربويَّة لأبنائها، فأخرج لهم مجموعةً من الكتب الرائدة في هذا المجال، منها: "كتاب حكايات أسد عجوز" للمرحلة السِّنية من 8 - 12، وكتاب "الطفل الذي رأى الدُّنيا كلها" للمرحلة السنِّية الأولى من 5 - 8 سنوات، فقامت وزارة التَّربية والتعليم بسلطنة عمان بطباعة هذه الكتب طباعةً فاخرة جدًّا، تليق بالمحتوى الجيِّد الذي أبدعه "شعراوي"، وأخرجَتْها إخراجًا رائعًا، يوحي بأهمية هذه الكتب للمكتبة العربية.







هكذا ثبَّت "شعراوي" أقدامَه في مجال أدب الطِّفل بين العمالقة الذين اشتهروا في هذا اللَّون من الأدب الهادف، عَبْر كلِّ المحطَّات التي مرَّ بها المبدعون، أمثال "أحمد شوقي"، ومن جاء قبله وبعده، وسيأتي إليها كثيرون، والمهمُّ هو الهدف النبيل، وسبل تحقيقه.







[1] إبراهيم شعراوي، ديوان "ماذا يقول أبوك عني؟"، قصيدة "تهنئة من المنفى".



[2] مجموعة من الأدباء، "تجربتي في الكتابة للأطفال"، ص 126.



[3] السابق ص 128.



[4] إبراهيم شعراوي، "الطفل الذي رأى الدنيا كلها"، ص 121.



[5] ديوان "أبطال الكلمة"، قصيدة (يا نبي).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]