عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 19-06-2021, 04:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,490
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية

ولنعد الآن إلى استعراض الأدلة التي استدل بها أصحاب الأقوال الثلاثة في مسألة التمذهب:
أدلة القائلين بمنع التمذهب والإجابة عنها:
استدل هذا الفريق لرأيه بعدة أدلة أبرزها ثلاثة هي:
1- أن عدم الالتزام بمذهب هو الأصل وهو الأيسر والأقرب للفهم الصحيح لمراد الله - تعالى -لأن الله - سبحانه - حين أمر الجاهل بسؤال أهل الذكر لم يحدد واحدا معينا منهم بل أطلق ذلك، ومن المعروف أن المطلق يبقى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده. [المذهبية لعباسي (91)]
والجواب عن هذا الدليل: أن الأمر للإطلاق كما ذكر في الدليل والمستدل قد قيد هذا الإطلاق بإلزام المستفتي بعدم تقليد شخص بعينه، إذ الأمر بسؤال أهل الذكر لم يتعرض لكون المسؤول واحدا أو متعددا، فيكون إيجاب تقليد المعين أو إيجاب تقليد أكثر من واحد زائدا على الأصل الذي لم يتعرض لشيء من ذلك، فيكون تقليد المعين جائزا، وتقليد غير المعين جائزا أيضا. [اللامذهبية للبوطي (77)، وانظر مجموع الفتاوى (20209)] والأمر في هذا واسع بحمد الله.
2- أن من التزم مذهبا معينا يكون قد سوى في واقع الأمر بين اتباع النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وبين اتباع الفقيه غير المعصوم. [المذهبية لعباسي (91)]
والجواب عن هذا: أن المقلد سواء قلد معينا أو لم يقلد معينا، فهو إنما يتبع غير معصوم، لكن لما دل الدليل على أن المجتهد يجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده، وإن خالفه غيره، كان على المقلد أن يتبعه ولو كان غير معصوم؛ لأن هذا طريقه لمعرفة الأحكام.
وهل المقلد إذا تنقل بين المفتين ولم يلتزم واحدا منهم يسلم من الخطأ ويجلب له هذا الصنيع العصمة التي لم تثبت إلا للمرسلين عليهم الصلاة والسلام؟.
وقد جبلت النفوس على اتباع وتقليد من تثق به وتطمئن له ولا ريب أن العامي لا يدري هل أصاب هذا العالم الحق في المسألة أو لا؟، لكنه إنما اتبعه لثقته فيه لا لاعتقاد عصمته.
3- استدلوا بأن فعل الصحابة والسلف الصالح في القرون المفضلة هو عدم الالتزام، فثبت أن الالتزام غير جائز. [المذهبية لعباسي (92)]
وأجيب عن هذا: بأن المروي خلافه، فقد قال ابن القيم - رحمه الله - في أعلام الموقعين: (والدين والفقه انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد الله بن عمر وأصحاب عبد الله بن عباس، فعلم عامة الناس عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله ابن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود) ا هـ [أعلام الموقعين (121).]
وأورد ابن القيم - رحمه الله - أيضا أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال: (من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني) [المصدر السابق (121).] وكان منادي بني أمية ينادي على مسمع من الصحابة والتابعين في أيام منى ألا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح [البداية والنهاية (9306)] ؛ لأنه كان من أعلم الناس بالمناسك. [تهذيب التهذيب (7201).]
فهذه النصوص والشواهد تدل على أن القرون المفضلة عرفت شيئا من التعيين، فالحكم بأن فعلهم هو عدم الالتزام هو حكم بعدم الدليل، لا بدليل العدم، وعدم الدليل لا يدل على عدم الوجود، إذ قد يكون موجودا ولم ينقل، وبخاصة بعدما سقنا شيئا من النصوص تدل على بعض ذلك.
أدلة القول بوجوب التمذهب والإجابة عنها:
عمدة أدلتهم الاستدلال على وجوب الالتزام بالمذهب أنه لو جاز له اتباع أي مذهب شاء لأفضى ذلك إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا لهواه، وهذا انحلال عن التكليف وسبب للفوضى الدينية. [لم أجد دليلا ذا شأن يدل على الوجوب سوى هذا الدليل، وقد بيَّنَّا ضعفه، أما أدلتهم الأخرى فلا يفهم منها إلا الجواز، فذكرها مع أدلة المجيزين أولى].
ويجاب عن هذا: بأن التزامه بمذهب واحد لا يتجاوزه مع اشتمال هذا المذهب على الخطأ أمر لا تقره الشريعة، وإنما يسوغ له اتباع المذهب إذا اطمأنت نفسه إليه، ويجب عليه تركه فيما بان له ضعفه، ولا يؤدي هذا الصنيع إلى تتبع الرخص والفوضى، لأن جواز الترك مقيد بظهور الرجحان وتتبع الدليل، أما الانتقال الفاقد لهذا القيد فإنا نمنعه حسما للفوضى، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقلنا عنه أولا.
أدلة القائلين بجواز التمذهب:
إن هذا القول هو الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، ولقد قررت هذا المذهب من قبل وبينته، وأحب هنا أن أزيد الأمر توضيحا قبل عرض الأدلة، فلقد رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عرض هذا القول في الفتاوى وفي كتبه الأخرى ومال إليه، ومن أقواله التي تدل على ميله لهذا القول قوله في الفتاوى: (ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول...... واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما سوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد). ا هـ [مجموع الفتاوى (20209)]
ومنها قوله: (وأكثر الناس إنما اتبعوا المذاهب بل الأديان بحكم ما تبين لهم، فإن الإنسان ينشأ على دين أبيه أو سيده أو أهل بلده.... ثم إذا بلغ الرجل فعليه أن يقصد طاعة الله ورسوله حيث كانت..... وأما من كان عاجزا عن معرفة حكم الله ورسوله، وقد اتبع فيها من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول غيره أرجح من قوله، فهو محمود، يثاب ولا يذم على ذلك ولا يعاقب) ا هـ. [مجموع الفتاوى (20224، 225).]
ومنها قوله في المسودة نقلا عن ابن هبيرة: (كل من هذه المذاهب إذا أخذ به آخذ ساغ له ذلك) ا هـ. [المصدر السابق (20292).]
هذه بعض أقوال شيخ الإسلام في هذا المقام، وإنما حرصت على التقديم بها لأدلة هذا الفريق؛ لأن بعض المانعين من التمذهب ومن تقليد المعين ينسبون المنع لشيخ الإسلام، فأحببت ذكر شيء من أقواله ليعلم رأيه في هذه المسألة.
ولنعد الآن إلى ذكر أدلة القائلين بجواز التمذهب وهي كثير وأبرزها ما يأتي:
1- أن الأدلة على جواز التقليد جاءت مطلقة، فلم تطلب من المقلد عدم تقليد معين، فتقييدها بهذا القيد تقييد بغير دليل، فلا يقبل. [المذهبية (77)]
2- أن الأمة منذ عهد الصحابة وعلى مر عصورها الزاهرة لم ينقل عن أحد يعتد بقوله منع المقلدين من استفتاء شيخ بعينه، بل قد عرف كما بينا سابقا عن قوم بأنهم أصحاب ابن عباس، وعن آخرين بأنهم أصحاب ابن مسعود، وكان منادي بني أمية ينادي ألا يفتي الناس إلا عطاء، ولم ينكر ذلك أحد ممن حضر من الصحابة والتابعين، ثم إن علماء الإسلام والأئمة الأعلام على مر العصور لم ينكروا هذا الأمر، ولم يأنفوا منه أعني الانتساب إلى المذاهب فهذا الإمام ابن عبد البر - رحمه الله - يؤلف في فضائل الثلاثة، ولعلك تسأل لم خصهم دون غيرهم من فقهاء الإسلام مع استواء الجميع في العلم والفضل؟، وألف أيضا الكافي في فقه المالكية جامعا له من كتبهم، وهذا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لا يأنفون من ذكر آراء الأصحاب والاعتناء بأقوالهم والثناء على الحنابلة ومذهبهم.
وأمثال هؤلاء من الأئمة كثير، وإنما أردنا مجرد التمثيل، ولأن ابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم ممن شن حملة على التقليد، فظن ظان أنها ضد ما نحن بصدده.
بل قد نقل كثير من العلماء الإجماع على جواز اتباع هذه المذاهب المدونة، فقد نقله شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في كتاب مسودة بني تيمية عن الوزير ابن هبيرة [المسودة (538-541)] كما ذكرناه آنفا، كما نقله قبله صاحب البرهان فيه [البرهان (21146)] وابن الصلاح [تيسير التحرير(4256)] وأخيرا الدهلوي في الإنصاف [الإنصاف (97، 104)]
3- أن الأمة قد أجمعت على عدم الإنكار في مسائل الاجتهاد، ولا ريب أن أقل ما يقال في المذاهب أنها من هذا الباب، فلم التشنيع والإنكار. [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20207)]
4- أنه لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى، وقد سارت الأمة على هذا، فكانت الفتوى زمن الصحابة والتابعين للفاضل والمفضول [قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (2135)] فليكن تقليد المذاهب على الأقل من هذا الباب، ثم أخيرا فهو القول الوسط الذي يتمشى مع سماحة الإسلام ويسره، فلا إفراط ولا تفريط، ويوافق فطر الناس كما ذكرنا، فإن قلب العامي متى وثق بشخص واطمأن له لم يقتنع بسواه، فهو لا يعرف الراجح من المرجوح، فلا يمكن أن يقتنع بفتوى غير مفتيه إلا بعد لأي، وحيث إن الشرع قد أباح العمل بكل اجتهاد سار في مساره الصحيح، فلم نحجر واسعا. والله أعلم.
معالم رئيسة في مسألة التمذهب:
عرفنا أن الرأي الوسط في مسألة التمذهب هو القول بجواز التمذهب وعدم الإنكار على من ترك التمذهب، وبقي بعض الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها كل مسلم عموما، ومن أراد التمذهب بأحد مذاهب الأئمة خصوصا، فمن هذه الأمور ما يأتي:
1- أن المقلد يجب عليه أن يوقن بأن متابعته لعالم ما أو لمذهب ما إنما هي لكون هذا العالم أو هذا المذهب هو طريقه إلى معرفه حكم الله - تعالى -، يقول الشاطبي: (ومعلوم أنه لا يقتدي به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم، لا من جهة كونه فلانا، وهذه الجملة لا يسع فيها خلاف عقلا ولا شرعا). ا هـ [الاعتصام للشاطبي (2343).]
2- ألا يصر المقلد على تقليد من تبين له خطؤه، بل على المقلد إذا بان له خطأ متبوعه أن يقلع من ساعته ويتبع الصواب الذي ظهر له، فإن أصر على متابعته والتعصب له فقد خالف أمر الشارع وخالف أمر متبوعه؛ لأن كل عالم يصرح أو يعرض بترك قوله إذا بان للمتبع خطؤه كما نقلناه عن الشاطبي. [الاعتصام (2345)، والإنصاف (101، 102)]
يقول القرافي - رحمه الله -: (يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد أو النص أو القياس الجلي) [شرح تنقيح الفصول (432)]
فإذا رأى متبع المذهب رأيا في مذهبه مخالفا لدليل شرعي، أو قاعدة شرعية، أو قياس صحيح أو إجماع الأمة، وجب عليه تركه لما ترجح عنده.
3- أنه لا يلزم الشخص أن يتقيد بمذهب ما، لا يتجاوز ما فيه، وإنما التزامه بمذهب ما، مما يسوغ له ويجوز [مجموع الفتاوى (20209)] وعلى هذا يجوز أن يستمر في تقليده ويجوز أن ينتقل إلى غيره إذا كان قصده من الانتقال أمرا دينيا قال القرافي في التنقيح: (قال الزناتي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:
أ- أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن كل عالم يقول ببطلان النكاح في هذه الصورة المجموعة.
ب- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رميا في عماية.
ج. أن لا يتتبع رخص المذاهب). ا هـ [شرح تنقيح الفصول (432)]
ومعنى هذا أن يكون قائده في التمذهب وفي الانتقال البحث عن حكم الله ونشدان الحق وطلب الخير، لا أغراض النفس وشهواتها.
4- يجب على مريد اتباع أحد من مذاهب الأئمة - رحمهم الله - أن يعرف للأئمة غير إمامه وللفقهاء غير فقهاء مذهبه حقهم وفضلهم، فلا ينال منهم، ولا يتعرض لهم بسوء، بل عليه أن يرى الجميع أئمة فضلاء، وأن كلا منهم سالك في الطريق المكلف به، وألا يتعصب لمتبوعه على غيره، فإن هذا يؤدي إلى تحكيم الرجال في الحق والإعراض عن أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -. [الاعتصام (2348)]
وعليه أن يعلم أن هذا الخلاف القائم بين العلماء لا ينبغي أن يكون سببا للخصومة والقطيعة، وقدوتنا في هذا الموقف الأئمة الأربعة ومن بعدهم من علماء الإسلام.
فهذا الشافعي يصلي قريبا من مقبرة أبي حنيفة فلا يقنت تأدبا معه ويقول: (ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق).
والإمام أحمد - رحمه الله - يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ قال: (كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب؟) [رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (1097)] وأخبار السلف في هذا كثيرة، فالأئمة - رحمهم الله - لا يرون أنهم خير من مخالفيهم، أو أن مخالفيهم على غير هدى، بل كل يعرف لصاحبه حقه ويعمل بما أداه إليه اجتهاده، ويعلم أن هذا الاختلاف كما قال ابن العربي: (اختلاف العلماء رحمة للخلق، وفسحة في الحق، وطريق مهيع إلى الرفق) ا هـ [أحكام القرآن لابن العربي (3322)] ، أو كما قال قبله عمر بن عبد العزيز: (ما أحب أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة) [جامع بيان العلم وفضله (280)]
5- أن على العلماء وطلبة العلم من أرباب المذاهب الابتعاد عن المناظرات والمجادلات في كل مسألة لا يطمع فيها أحد الطرفين أن يرجع صاحبه إلى الحق إذا ظهر له، وليس فيها فائدة ترجع إلى استجلاب مودة ولا إلى توطئة القلوب لوعي الحق، بل هي كما نقل الإمام ابن تيمية على الضد من ذلك كله، فإن مثل هذا مما قد تكلم فيه العلماء، وأظهروا من عوره ما أظهروا، ولا يتمارى في أنه محدث متجدد. [المسودة (541)]
وعلى هذا فينبغي لكل من اطلع على قول ضعيف في مذهبه أو مذهب غيره ألا يعمل به في خاصة نفسه، وأن يخبر من رآه يعمل به بشيء من اللطف واتباع الحسنى من غير تعرض للمذهب أو المذاهب بتخطئة أو تسفيه، ويجعل بين عينيه أنه بعمله هذا ينتصر للحق لا ينتصر لنفسه، وعليه أن يعلم القاعدة الشرعية، وهي أن المنكر إذا خشي منكره من ترتب منكر أكبر على إنكاره، وجب عليه الكف عن الإنكار، فكيف بقول له عاضد من اجتهاد أئمة الإسلام ولعلهم رأوا ما لم نر، فإن الحكم يتغير بتغير الزمان والمكان ونحوها كما هو معلوم.
وليعلم أيضا أن البعد عن إثارة الضغائن والأحقاد من أهداف الإسلام، فلذا يجب كما قلنا ترك الأفضل والعمل بالمفضول إذا خشي ترتب مفسدة أو ذهاب مصلحة عند العمل بالأفضل، وهذه قاعدة لا إشكال فيها عند أئمة الإسلام، وأصلها قوله - تعالى -: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[سورة الأنعام الآية 108 ]
6- ليعلم الملتزم بالمذهب وغيره من المسلمين أنه قد حدثت عبر العصور الإسلامية فتن ومحن وتعصبات بين المذاهب الإسلامية كانت سببا لفساد كبير، وعلى المسلم إزاء هذه الأحداث أن يعلم أنها ليست من خلق الإسلام ثم إنها من فعل العامة وبعض طلاب العلم المبتدئين ونحوهم، وكلها ليس دافعها دينيا بحتا، بل أكثرها ردود فعل لمواقف شخصية وأغراض خاصة، أو هي من صنع الولاة والحكام لغرض ما، وعلى المسلم أن يعتبرها من الهفوات والعثرات التي يجب سترها كسائر العيوب، وأن لا تشاع وتذكر على أنها من عيوب التمذهب، وقد بينا فيما سبق بعض أسبابها وخلفياتها التي كانت سببا لفساد كبير.
هذه بعض المعالم التي أحببت التنبيه إليها في نهاية الكلام على مسألة التمذهب، ليلقي المسلم سمعه ونظره إليها، ويمرن عقله وقلبه وجوارحه على العمل بها والله المستعان.
مسائل تكميلية تحسن الإشارة إليها:
أريد أن أتحدث تحت هذا العنوان عن ثلاث مسائل تتعلق بمسألة التمذهب، هي الخلاف في مرتبة المتبع، ومسألة مطالبة المفتي بذكر دليل الفتوى معها، والثالث إلزام العامي بسؤال المفتي عن دليل الفتوى، ولكونها من مكملات البحث لا من صلبه فسأكتفي بإشارات يسيرة تجلي بعض الغموض حولها.
فأما مرتبة المتبع فإن اللامذهبيين يقسمون الناس إلى مجتهد ومتبع ومقلد، وأما المذهبيون فلا يعترفون إلا بقسمين: المجتهد والمقلد، وهذا الخلاف بالإضافة إلى أنه خلاف في الألفاظ لا حظ للعمل فيه، فإنه مسألة اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، مع العلم بأن معظم الخائضين في علم أصول الفقه وهو مظنة المسألة لا يذكرون إلا القسمين، أما مرتبة المتبع فقد قال بها أفذاذ من العلماء نقل كلامهم ابن القيم في أعلام الموقعين [أعلام الموقعين (3464) ط دار ابن الجوزي بتحقيق مشهور أل سلمان] وحيث إن المسألة كما ذكرنا ترجع إلى اللفظ والاصطلاح، فلا داعي لذكر الحجاج والمناقشات.
وأما مسألتا مطالبة المفتي بإيراد دليل المسألة، وكذا إلزام العامي بالسؤال عن الدليل، فإنه لا يشك أحد في أن اعتضاد الفتوى بالدليل أفضل من تجردها عنه، أما أن يصل الأمر إلى درجة الإيجاب أو المنع فأرى أن المسألة أهون من ذلك، إذ إن ثقة العامي بالمفتي تقوم مقام سؤاله عن الدليل، ولا ريب أنه إن أراد بسؤاله الفائدة بمعرفة الدليل أو أراد توطين نفسه للعمل بالحكم، أو نحو ذلك، فلا ينبغي أن يقال بمنعه، وبخاصة إذا ساد هذه المعاملة بين المقلد ومفتيه الأدب والاحترام، لا أسلوب المحاجة والمناظرة، كما يفعله بعض جهله العوام الذين سمعوا القول بوجوب السؤال، فأخذوه دون الاستفسار عن ضوابطه، ولا ريب أن له ضوابط تقوم على الاحترام والأدب وحسن الخلق.
هذا آخر ما تيسر كتابته والله الموفق.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]