عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-06-2021, 10:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,307
الدولة : Egypt
افتراضي رد: توجيهات في فقه الدعوة والداعية

كما أن النبي صلى الله عليه وسلميُؤكِّد في مواقفَ كثيرةٍ على مسائل الإيمان والعقيدة، وحتى في تعليم الناس والشباب، كما جاء الحديث عن ابن عباس قال: كنتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلميومًا، فقال: ((يا غلام، إني أعلِّمُك كلماتٍ: احفَظِ الله يحفَظْك، احفَظِ الله تجِدْه تجاهك، إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله، واعلَمْ أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصحف))؛ رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.



وكذلك التأكيد على أعمال القلوب؛ من الخوفِ والرجاء، والتوكل والخشية، والصدق، وغيرها؛ فعن أبي ثابتٍ - وقيل: أبي سعيدٍ، وقيل: أبي الوليد - سهل بن حُنيفٍ، وهو بدريٌّ، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: ((مَن سأل الله تعالى الشهادةَ بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))؛ رواه مسلم.



وعن عمر رضي الله عنه، قال: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلميقولُ: ((لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّلِه، لرزَقَكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا))؛ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.



وعن أبي عمروٍ - وقيل: أبي عمرة - سفيان بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: ((قُلْ: آمنتُ باللهِ، ثم استَقِم))؛ رواه مسلم.



إذًا هذا هو منهجُ النُّبوة في الدعوة إلى الله تعالى، والاهتمام بفقه الأولويات في مسار الدعوة والعمل الإسلامي المعاصر، لكن في ذات الوقت علينا أن نعلم أننا لا نغفل مع هذا - كما يقال - كثيرًا من مسائل الواقع الأليم لحال الأمة الإسلامية اليوم، ولكنْ لكلِّ حالٍ مقال، ولكل واقع فقهه وأولوياته، وإن الإغراق في الواقع بعيدًا عن تأصيل العقيدة الصحيحة والتربية الإسلامية الرشيدة، هو ضرب من التكلفِ والبعد عن منهاج النبوة.



كما قال العلامة الألباني رحمه الله: "القول الوسط الحقُّ في "فقه الواقع"، فالأمر إذًا كما قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]، ففقه الواقع بمعناه الشرعيِّ الصحيح هو واجب بلا شك، ولكن وجوبًا كفائيًّا، إذا قام به بعض العلماء سقط عن سائر العلماء، فضلًا عن طلاب العلم، فضلًا عن عامَّة المسلمين؛ فلذلك يجب الاعتدال بدعوة المسلمين إلى معرفة "فقه الواقع"، وعدم إغراقِهم بأخبار السياسة وتحليلات مفكِّري الغرب؛ وإنما الواجب دائمًا وأبدًا الدَّنْدَنة حول تصفية الإسلام مما علق به من شوائبَ، ثم تربية المسلمين جماعاتٍ وأفرادًا على هذا الإسلام المصفَّى، وربطهم بمنهج الدعوة الأصيل: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة"[1].



وليعلَمْ كلُّ داعية أننا لا نُعارِض الدعوة إلى الله تعالى بمواجهة الباطل، أو مقاومة المد التنصيريِّ الجارف، أو الاهتمام بشؤون السياسة والاقتصاد وغيرها، كلا، ثم كلا؛ لأننا نرى هذه الأمور وغيرها من الأهمية والضرورة بمكان، كما أنها من شرائع الدعوة وفقهها، لكن الإشكال أن تتحوَّل مثلُ هذه القضايا الكبيرة ولا ريب إلى أصول واهتمامات، تفوق حجمَها وكمَّها، في حين أن كثيرًا من الناس لا يعلمون شيئًا عن ربِّهم ولا عن أسمائه الحسنى وصفاته العلا، بل ويَقَعُون في صورٍ وألوان من الشرك في الأقوال والأعمال، بل ولا يعملون للآخرة حسابًا إلا مَن رحم الله، وانشغلوا بالمال والدولار، وشؤون السياسة والاقتصاد، أكثرَ من تلاوتهم لآيات القرآن وتفهُّم آياته، والعمل بشريعته وأحكامه، كما انتَشَرت فيهم الكثيرُ من البدع والخرافات في باب العقيدة والعبادة، وأيضًا مظاهر الانحراف الأخلاقيِّ والسلوكي والفكري، واللهث وراء التقليد الأعمى للشرق والغرب، والاقتداء بمَن ليسوا بأهل للقدوة في شيء.



إن الدعاة لا يغفلون عن مثلِ هذا، لكنهم لا يعالجون أعراض المرض ويترُكون أصوله وجذورَه، فما مِن انحراف في العقيدة والعبادة والفكر والسلوك، إلا ومصدره ضعفُ الانتماء الصحيح لهذا الدين، والجهل الحقيقيُّ بعقيدته وشرائعه وأحكامه من الكتاب والسُّنة، لكننا نُغرَمُ كثيرًا بالأفكار والاتجاهات العقلية والفكرية، التي غالبًا لا تستمدُّ منهجَها وعملها مِن وحي الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل السلف الصالح، وصدق اللهُ تعالى إذ يقول: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].



وبعد كلِّ هذا لا يفوتنا أن نقول: إن فقه الأولويات بابٌ عظيم ومهم، شريطةَ أن يلتزم الداعي إلى الله فيه منهاجَ النبوة وفقه الدعوة الصحيح، من غير إفراط ولا تفريط.

لكن يَرِدُ هنا أمرٌ آخر، وهو أن يعتقد أحدٌ بعد هذا التوجيه والتأصيل أنه ما هو إلا ترفٌ من النظر والفكر، ولا حاجة له في فقه الواقع! وهنا تكمن المشكلة في التصورات الخاطئة!



رابعًا: التنويع في أساليب الدعوة:

إن تنويعَ أساليب الدعوة، والاستفادة من الوسائل الحديثة في التبليغ - لا شك أنه أمرٌ مهمٌّ في منطلقات الدعوة إلى الله تعالى وفقهِها؛ ذلك أن النفس البشرية يَعرِضُ لها في طريقها ولا بدَّ نوعٌ من الملل والفتور، كما جاء في الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل عمل شِرَّةٌ، ولكل شرة فترةٌ، فمَن كانت فترته إلى سُنتي، فقد اهتدى، ومَن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد هلك))؛ رواه ابن أبي عاصم، وابن حبان في صحيحه.



والداعي الفَطِن إلى الله تعالى عليه أن يسلكَ في دعوته مسلكَ الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأن يقتدي بهم، وينوِّع في أساليب دعوته، وحسنِ بيانها وعرضها على الناس؛ فقد لا يَقبَلُ شخصٌ الدعوةَ بأسلوب معين، فيمكن أن ينشرح صدره ويقبلها بأسلوب دعويٍّ آخر؛ ولذلك نجد في القرآن تنوُّعَ الوسائل والخطاب في حياة الأنبياء والرسل عليهم السلام لأممهم وأقوامهم:

فهذا نوح عليه السلام يذكُرُ الله لنا مِن قصصه وحاله وتنوع أساليب دعوته؛ حيث يقول تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ [نوح: 1 - 10].



فنبي الله نوحٌ عليه السلام هنا ما ترك أسلوبًا ولا طريقة يُبلِّغ بها دعوته إلى التوحيد والعبادة، إلا وسلكه وقام به، وهو هنا قام في مقام الشكوى لربِّه تعالى، قال الشوكاني رحمه الله: "والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة، وأساليب متفاوتة"[2].



وقال الشنقيطي رحمه الله: "أي: إن نبي الله نوحًا - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - بذل كلَّ ما يمكنه في سبيل الدعوة إلى الله، وقد بيَّن تعالى مدة مكثِه فيهم على تلك الحالة في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 14]"[3].



وهذا نبي الله موسى الكليمُ عليه السلام، يقول الله عنه في خطابه لفرعون ودعوته: ﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ [الشعراء: 16 - 33].



فهذا نموذجٌ من أساليب المحاورة والتبليغ في الدعوة من نبيِّ الله موسى عليه السلام مع فرعون، وقد نوَّع حوارَه وكلامه بعدة صورٍ؛ منها قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: 24]، وقوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الشعراء: 28]، وقوله: ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ ﴾ [الشعراء: 32]، وفي هذا بيان أيما بيان للحُجة والرسالة.



بل هذا نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم - أعظم الدعاة إلى الله تعالى - ينطلِقُ في دعوته لقومه، ويناشدهم برسالته في النوادي والمجتمعات لقريش والمشركين، كما خرج داعيةً إلى الله في الطائف في تلك الواقعة المشهورة، كما كان يلاقي الناسَ في مواسم الحج ويدعوهم، كما أنه بعد ذلك أذِن الله له بالخروج والهجرة هو وأصحابه، كما أنه يحسن إلى الناس ويواسيهم، ويقضي حاجاتِهم، كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: كانَتْ أَمَةٌ من إماء أهل المدينة تأخذ بيدِ رسول الله صلى الله عليه وسلمفتنطلق به حيث شاءت؛ رواه البخاري.



كما لا ننسى أن الترغيبَ والترهيب بالموعظة الحسنة، ووضع الأمور في نصابها - مِن الأساليب القرآنية والنبوية الصحيحة، وقد جاء بها القرآن كثيرًا، مرغبًا تارة، ومحذِّرًا تارة أخرى؛ ليكون أبلغ في الوعظ والتذكير، والهدايةِ والتأثير.



فالواجب إذًا على كلِّ داعية أن يسلك مسلك الرسل عليهم السلام في دعوته، راجيًا هداية الناس، وإخراجَهم من الضلال والبُعْد عن الله وشريعته، إلى نور الإيمان والتوحيد، والاستقامة والاتِّباع، وقد تكلَّم بعض أهل العلم في مسألة الوسائل التي يمكن للداعي إلى الله استخدامُها في تبليغ دعوته.



ومجمل القول أن الوسائل جائزةٌ ما كانت مباحة أو مشروعة، وما عداها فلا يصح التبليغ به؛ لأن الوسائل في الجملة لها أحكامُ المقاصد، وهذه قاعدة شرعية واضحة.

فقد يكون التبليغ للدعوة بالقول، وهو من البلاغ المبين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54]، وقد يكون بالكتابة والقلم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلملَمَّا أخذ بدعوة الحكام والملوك للأمم من حوله، وكان يبعث بها أصحابَه رضي الله عنهم، كما ذكر ابنُ القيم في زاد المعاد: "فصل: ذكر هَدْيِه صلى الله عليه وسلمفي مكاتباته إلى الملوك وغيرهم، ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كتب إلى هِرَقْلَ: ((بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم، سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبعَ الهُدى، أمَّا بَعْدُ: فإني أدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ، فَإنَّ عَلَيك إثْمَ الأَرِيسيِّينَ، و﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64])).



وكَتَبَ إلى كِسْرَى: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسٍ، سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى وآمَنَ باللهِ وَرَسُولِهِ، وشَهِدَ أنْ لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُهُ، أدْعُوكَ بِدِعَايَة اللهِ، فإني أنا رَسُولُ اللهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكَافِرِينَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إثْمُ المَجُوسِ))".



وقال أيضًا: "وكتب إلى المقوقِس مَلكِ مصرَ والإسكندرية: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ عبدِ اللهِ ورسُولِه، إلى المُقَوْقِس عظِيمِ القِبْطِ، سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى، أما بَعْدُ: فإني أدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسلامِ، أَسْلِم تَسْلَمْ، وأَسْلِم يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ، فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ القِبْط، ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64]))"[4].



وقد يكون التبليغ: بالكتاب والتأليفِ والتصنيف، وإرشادِ الناس به، وتوجيههم إلى معالي الأمور، وبيانِ العقيدة الصحيحة للناس، وإخراجهم من الضلال والأهواء، إلى نور الاتِّباع والسُّنة، والتحذيرِ من البدع والمخالفات، والتوجيه إلى أصول الشريعة من السُّنن والعبادة والأخلاق، وغَرْسِ القيم والفضائل في النفوس، وتوجيه الشباب والأمة إلى قضاياها المصيرية، وتبصيرهم بأمور الواقع والشريعة من الحلال والحرام، وبيان عقيدة أهل السُّنة من غيرهم من أهل الفِرَق والأهواء المخالفين للكتاب والسُّنة.



وقد يكون التبليغ بوسائلَ أخرى؛ كالشريط الإسلامي والأقراص، ونشرِ المجلات العلمية والدعوية المفيدة للشباب والمجتمع، التي فيها شروح وتفاسير، ودروس وبيان، وقصص للأنبياء والرسل، والصحابة والتاريخ الإسلامي، وكم نفعَ اللهُ بمثلِ هذه الوسائل، وكم هدى بها من أقوام، وكم علَّم بها من جهالة، وأخرج بها الخير من نفوس العالمين.



والتبسُّم في وجوه الناس، وطلاقة الوجه لهم، والوقوف إلى جانبهم، وسد حاجاتهم، ومناصحتهم، وإرشادهم إلى الخير والشرع - كلُّ هذا وغيره يمكن أن يكون من وسائل التبليغ للدعوة الإسلامية.

كما لا ننسى اليوم ما حدث من وسائلَ جديدة؛ كالشبكة العنكبوتية، التي غَزَتِ العالم والناسَ في قعر بيوتهم، واستخدامها في نشر دعوة الإسلام والسُّنة، وإنشاء المواقع والشبكات الدعوية المكتوبة والمرئية والمسموعة، وتعريف الناس بهذا الدين العظيم، ورسائل الهاتف والبريد الإلكتروني، وتبصير الناس بها إلى وجوه البرِّ والخير، وإنشاء الجمعيات والمؤسسات الخيرية والدعوية للفقراء والأيتام والأرامل، وتوسيع النشاط في باب التكافل الاجتماعي لسدِّ حاجات الناس والفقراء والمحتاجين.



وبعد هذا نقول: إن الداعية الموفَّق والبصير لن يعدِمَ وسيلةً دعوية مباحة ومشروعة في تبليغ دعوة الإسلام والسُّنة إلى الناس، وإن الله تعالى يفتح لكلِّ صاحب همٍّ ورسالة ألفَ طريق لتعليم الناس وتبصيرهم.

والحمد لله رب العالمين.





[1] فقه الواقع، (ص: 25).




[2] انظر: فتح القدير؛ للشوكاني.




[3] انظر: أضواء البيان؛ للشنقيطي.




[4] انظر: زاد المعاد؛ لابن القيم.












__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.02%)]