عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 18-06-2021, 04:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الظواهر العروضية في شعر باكثير


هذا مقطعٌ ثانٍ من خمسة أشطر، كلُّها من مخلَّع البسيط، بما فيها الشطر الذي قفَل به المقطع، ولكنْ تنوَّع فيها الروي؛ فالشطران الأول والثالث على رَوِيٍّ، والثاني والرابع على رويٍّ آخر، والخامس القفلة على روي مختلف كذلك، وتمضي القصيدة المكوَّنة من ثلاثة عشر مقطعًا على هذا النظام، يُعاد بعد كلِّ مقطع المقطع الأول نفسه: "طال انتظاري...":



وَمَا لِهَذَا النَّسِيمِ طَلْقَا

يَسْرِي إِلَى الأَيْكِ وَالغُصُونِ




يَزُورُ أَحْبَابَهُ وَيَلْقَى

فَمَا وُقُوفُ الزَّمَانِ دُونِي؟




وَلَمْ يَعُقْ عَنْ سِوَايَ لُقْيَا



طَالْ انْتِظَارِي

عَزَّ اصْطِبَارِي




أَوَّاهُ يَا سَاعَةَ الْمَزَارِ

يَا حَرَّ نَارِي مِنِ انْتِظَارِكْ








ولكنَّ مَقاطِع القصيدة المكوَّنةَ من خمسَة أشطُر لا تمضي على نظامٍ واحد، فحينًا يأتي المقطع على النسق السابق؛ فيكون الشطر الأول والثالث على روي، والثاني والرابع على روي مختلف، والخامس على روي آخَر، وتارةً تأتي أربعة أشطُر من المقطع على روي واحد، والخامس على روي مختلف.



إنَّ (باكثير) - على الرغم من تمكُّنه العاتي من العروض التراثي - لا يخضع له خُضوعًا تامًّا، ولا يسلم نفسه لقياده، بل يخرُج عليه ضُروبًا من الخروج على نحو ما رأيت، ويُمارِس حريَّة واسعة في التعامُل مع موسيقا الشعر، وفي صِياغة تفعيلات البحر العروضي صِياغةً تقترب أحيانًا - حتى في تشكيل القصيدة العموديَّة - ممَّا عُرف فيما بعدُ بالشعر الحرِّ، أو شعر التفعيلة كما رأينا في النموذج السابق.



تجربة الشعر الحر:

لم يُمارِسْ باكثير كتابةَ الشعر الحرِّ في غير شِعره المسرحي إلا في قَصائد معدودة، ويبدو أنَّ نظام القصيدة الموزونة المقفَّاة بتصرُّفات باكثير الكثيرة، وتوسُّعه في حريَّة استعماله: مجزوءًا، ومنهوكًا، ومشطورًا، ولجوئه إلى المهمل أحيانًا، واعتماده على التنويع في القوافي، وعلى التشطير والتخميس، وغير ذلك من التصرُّف العروضي في نظام القصيدة العمودية - استطاع أنْ يُحقِّق لباكثير القدرةَ على التعبير عن تجاربه الكثيرة المتنوعة، واستجاب لمتطلَّبات فنِّه على النحو الذي يريد.



ولذلك لا نجدُ لقصيدة الشعر الحر - في غير شعره المسرحي - إلا حُضورًا يسيرًا لا يَكاد يُذكَر، ويبدو أنَّ (باكثير) لم يجدْ حاجة إلى استخدام نموذج الشعر الحر إلا عندما دفع إلى عالم المسرحية الشعرية: ترجمة أو تأليفًا.



في ديوان "من وحي ضفاف النيل" قصيدة تفعيليَّة، صنَّفَها الدكتور محمد أبو بكر حميد - جامع شِعرِه - في جزء الأناشيد، وهي بعنوان (اسلمي أرض الكنانة) وهي مبنيَّة على تفعيلة الرمل "فاعلاتن" منها:

اسْلَمِي أَرْضَ الكِنَانهْ

اسْلَمِي أَرْضَ الجُدُودْ

لك في الشَّرقِ وفي الغَرْبِ مَكانَهْ

ولكِ الأفْلاكُ تَجرِي بالسُّعودْ

مَوطنٌ قال لَهُ الرَّحمنُ كُنْ مَهْدَ الحضاراتِ فَكَانَهْ

وكُنِ المَثْوَى لشَعْبٍ ماجِدِ الآباء جَبَّارِ الجدُودْ

في الوجُودْ

همُّه أنْ يَسُودْ

للمَلِيك... لِلْوَطن... لِلِّواءْ

نَحْنُ جُندٌ للفِداءْ[24]



وهي قصيدةٌ لم يذكر تاريخها، ولكنها فيما يبدو تعودُ إلى ما قبل خمسينيَّات القرن العشرين، فهي تشيرُ إلى العهد الملكي في مصر.



ويشيرُ الدكتور عبده بدوي إلى أنَّه وجد بين أوراق باكثير الخاصَّة قصيدةً كتبها الشاعر يندِّد فيها بسياسة فرنسا تجاه سوريا ولبنان، وهي تعودُ إلى أربعينيَّات القرن العشرين (1945م)، وقد أرسلها من المنصورة التي كان يعمل فيها إلى صحيفة "أخبار اليوم" في القاهرة، وقال: إنها قصيدة من الشعر المرسل، وهي تقومُ على تفعيلة المتدارك، وتتنوَّع فيها القافية، وهي قصيدة نظميَّة ضعيفة، ومنها المقطع التالي:

اذْهَبِي عنَّا بثَقافَتِك الخانِعَهْ

إنَّ في الدُّنْيا غيرها لثَقافَات حُرَّة وَاسِعَهْ

وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ ثَقافَتِها بِالسِّلاح؟

فلنُحَطِّم ثَقافَتَها وَالسِّلاحَ مَعا!

وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ مَصالِحِها بالسِّلاح؟

فلنُحطِّم مَصالِحَها والسِّلاح مَعا!

يَا لُسخرِيَة الأَيَّام!

أَتُهدِّدُنا دَوْلَةٌ في عهد السَّلام

بالسِّلاحِ الَّذي لم تُقاتِل به الأَعْداء

بَلْ ألقَتْ به في الثَّرَى ساعَةَ الْهَيْجاء

لتَصُول بِهِ وتَجُول على مَن أحسَّ لَهَا بالرِّثاء

وأباح لَهَا في مِحنَتِها من مَعُونَته ما تَشَاء

فاشْهَدِي يَا أيَّتُها الدُّنيا هَذِه الدَّوْلَة الباغِيَه!

لَيْتَ شِعْرِي أقاتَلَت الدُّنيا طاغِيَهْ

ليَقُومَ عَلَى إِثْرِهِ طَاغِيَهْ[25]



وهناك قصيدةٌ تفعيليَّة طويلة عثر عليها الدكتور محمد أبو بكر حميد بين أوراق باكثير، وقد كُتِبتْ بعد هزيمة (1967م) وألقاها في أحد مؤتمرات الأدباء العرب وعنوانها (إما نكون أو لا نكون) وقد بنيت على تفعيلة الرَّجَز "مستفعلن" وهي أكثر نضجًا من القصيدة السابقة، ومنها:

غَدًا بني قَوْمِي وَمَا أَدْنَى غَدَا

إِمَّا نَكُونُ أَبَدَا

أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا

إمَّا نكونُ أمَّةً مِنْ أعظَمِ الأُمَم

تُرْهِبُنا الدُّنْيَا وَتَرْجُونا القِيَم

ولا يُقال لِلَّذِي نُرِيدُ: لا

ولا يُقال لِلَّذِي نَأبَى: نَعَمْ

تَدفَعُنا الهِمَمْ

لقِمَمٍ بَعْد قِمَمْ

أو يا بَنِي قَومِي نَصِيرُ قصَّةً عَنِ العَدَمْ

تُحكَى كَما تُحْكَى أساطِيرُ إِرَمْ

غَدًا وَمَا أَدْنَى غَدًا لَوْ تَعْلَمون

إِمَّا نَكُونُ أَبَدًا أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا[26]



وقد سبق أنْ أشرنا إلى قصيدة (رسم محمد علي لقمان) المنشورة في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن"[27] وقلنا: إنها أشبَهُ بشعر التفعيلة، وليست قصيدة عموديَّة كما أُثبِتتْ في الديوان، وهي تعودُ إلى عام (1932م)، وهي عندئذٍ - إذا نسبناها إلى نظام الشعر الحر أو المرسل كما كان يحلو لباكثير أنْ يسميه - تُعَدُّ أقدم محاولة في هذا النموذج من الشعر، وتُعَدُّ هي تجربته الأولى مع الشعر الحر، وإنْ كان باكثير نفسه لم يُلقِ إليها بالاً، ويعدُّ تجربته في "الشعر المرسل" أو الحر قد بدَأت مع المسرحيَّة الشعريَّة عام (1936م).



الشعر الحر في تجربة المسرح:

إنَّ تجربة باكثير في الشعر الحر قد تبَلوَرت في المسرح، وقد استخدَمَها في ترجمته مشهدًا من مسرحية "روميو وجوليت" لشكسبير عام (1936م)، وقد اعتمد في هذه الترجمة - كما تقول سلمى الخضراء الجيوسي - "على بضعة بحور، وبنى عمله - كما يقولُ في المقدمة - لا على وحدة البيت الشعري، بل على الجملة الكاملة التي يمكن أنْ يمتدَّ معناها فيشمل بيتين، أو ثلاثة، أو أكثر، تتيح للقارئ القراءة من دون توقُّف حتى ينتهي المعنى مع الجملة"[28].



ويصفُ باكثير تجربته هذه بأنها الأولى مع الشعر المرسل، فيقول: "كانت ترجماتي لروميو وجوليت هذه تجربتي الأولى مع قَرْضِ الشعر المرسل على هذا الوجه الذي تَراه في هذا الكتاب، وقد دفعني إلى انتهاجه روحُ شكسبير نفسه، ونمطه في التعبير؛ ممَّا جعلني أعتقد أنَّ ترجمته شعرًا على وَجْهٍ آخَر غير هذا الوجه لا يمكن أنْ تَفِي بهذا الغرَض... والنظم الذي تراه في هذا الكتاب هو مَزِيجٌ من النظم المرسل المنطلق والنظم الحر؛ فهو مرسل من القافية، وهو مرسلٌ لانسيابه بين السُّطور، فالبيت هنا ليس وحدةً، وإنما الوحدة هي الجملة التامَّة المعنى التي قد تستَغرِق بيتين أو ثلاثة أو أكثر، دون أنْ يقف القارئ إلا عند نهايتها، وهي - أي: النظم - حرٌّ كذلك لعدم التزام عددٍ معيَّن من التفعيلات في البيت الواحد"[29].



ريادة الشعر الحر:

لستُ من المتحمِّسين إلى اعتبار حركة الشعر الحر فتحًا ذا أهميَّة كُبرَى في تاريخ الشعر العربي، ولا هو ذلك الإنجاز العظيم الذي يستحقُّ المفاخرة والشرف؛ إذ إنَّ هذه الحركة - على الرغم من وُجود جوانب إيجابيَّة فيها لا تُجحَد - كانت في الوقت نفسه بداية إفسادٍ شديد في الشعر العربي؛ فقد رَكِبَها الكثيرون من ضُعَفاء المواهب أو مَعدُوميها، جرَّأهم على ذلك تسميةُ هذا الشعر "حرًّا"؛ ممَّا عنى عند كثيرين منهم انفلاته من أيِّ حدٍّ، وخُروجه على أيِّ قاعدة أو ضابط، فشهدت هذه الحركة إفسادًا لا نظيرَ له في العَروض، واللغة، والإيقاع، والصُّوَر، ناهيك عمَّا دخَلَه من الغموض، والرَّكاكة، والقِيَم الهجينة، والرُّموز الأجنبيَّة، والإسفاف، والفَوضَى في المصطلحات والحُدود والتعريفات[30].



وها هو ذا باكثير نفسُه يشيرُ في مقابلةٍ أجرتها معه "مجلة الرسالة" عام (1964م) إلى ما أصاب الشعر الحر من انحرافٍ في القِيَم والتصورات بقوله: "آسف لأنَّ هذا الشعر الحر قد اتَّخذه الشعوبيون والمنحَرِفون عن الخط العربي الإسلامي مَطِيَّة لهم، حتى كاد يصيرُ عنوانًا لهم، وكم أتمنَّى من أعماق قلبي أنْ يظهر "شاعر حر" يضرب على أوتار النفس العربيَّة، ولكني أتلفَّت فلا أجده..."[31].



وإذا تجاوَزْنا الكلامَ على أهميَّة هذه الحركة، والإضافة التي قدَّمتها إلى الشعر العربي، وتوقَّفنا عند قضيَّة الريادة، فإنَّ الحق الذي يبدو لنا أنَّ من الصعب إسنادَ الريادة في هذه الحركة إلى شخصٍ بعينه، لقد طال الجدَل حول أوَّل مَن كتب شِعرًا حُرًّا - شعر تفعيلة - وظلَّ شائعًا إلى عهدٍ قريب أنَّ السيَّاب ونازك الملائكة هما رائدا هذا الشعر، حيث نشرت في منتصف الأربعينيَّات من القرن العشرين (1947م) قصيدة (الكوليرا) لنازك، و(هل كان حبًّا؟) للسياب، وكان لهاتين القصيدتين تأثيرٌ كبير؛ إذ قلَّدهما كثيرون، وانطلقت حركة الشعر الحر بعد ذلك عنيفة ضارية تتحدَّى القصيدة التراثيَّة العربيَّة، وتحاول إزاحتها عن الدرب.



ولكنَّ البحث الأدبي بدأ يُعِيد النظر في هذه الريادة بعد أنِ اكتُشِفت تجارب تَعُود إلى أقدم من هذا التاريخ بكثير، لقد رأينا (باكثير) مثلاً يكتب في عام (1932م) قصيدة (رسم محمد علي لقمان) على نمط التفعيلة، حيث استعمل تفعيلتي الرمل، والرَّجَز "فاعلاتن/مستفعلن" وهي قصيدةٌ لم يلتفت إليها أحد، ولعلَّ (باكثير) نفسه لم يكن مهتمًّا بها.



ويذكُر الدارسون أنَّ أوَّل محاولةٍ لباكثير في الشعر المرسل أو الحر كما عُرِفَ فيما بعدُ، كانت عام (1936م)، حيث ترجم به مسرحية "روميو وجوليت"؛ لشكسبير، التي سبق أنْ توقَّفنا عندها، كما كتب باكثير عام (1938م) مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" ونشرت عام (1940م) واعتمد في كتابتها على تفعيلة المتدارك، كما نشر - كما يقول موريه[32] - في "مجلة الرسالة" (1945م) قصيدة بعنوان (نموذج من الشعر المرسل الحر) حمل فيها على فرنسا بسبب سِياستها تجاه العرب بعد الحرب العالمية الثانية، وهي - على ما يبدو - القصيدة التي توقَّفنا عندها، والتي أشار الدكتور عبده بدوي أنَّه وجدها بين أوراق باكثير، ومعها رسالةٌ إلى رئيس تحرير "أخبار اليوم" لينشُرها له، ولعلَّها قد نُشرت فيما بعدُ في "مجلة الرسالة" كما يقول موريه، وهذه القصيدة هي من بحر "المتدارك" كما ذكرنا قبل قليل، وليست من المتقارب كما يقول موريه[33].



وقد اعترف السيَّاب نفسُه لباكثير بهذه الأسبقيَّة؛ فذكر أنَّ (باكثير) أوَّل شاعر استخدم الشعر الحر "وهذا ينبئ أنَّ السيَّاب كان متأثرًا به لا شعوريًّا، على الرغم من أنَّ تكتيكه وأسلوبه مختلفان... وقد أشار باكثير في مقدمة الطبعة الثانية لمسرحية "أخناتون ونفرتيتي" إلى ما نسبه السيَّاب إليه، وأبدى اعتزازه بما يقوله عنه من أنَّه أوَّل شاعر استخدم هذا المنهج"[34].



ولكنَّ هذه الريادة لباكثير أيضًا غير ثابتة؛ فقد طرح الباحثون اسم أكثر من شاعر عرفت لهم تجارب سابقة في هذا النمط من الشعر الجديد؛ ذكَر الدكتور أحمد مطلوب مثلاً أنَّ هنالك نصًّا عنوانه (بعد موتي) منشورًا في "جريدة العراق" عام (1921م) لشاعرٍ رمَز لاسمه بحرفيِّ (ب.ن)، ويرى الدكتور مطلوب أنَّ هذا أقدم نصٍّ في الشعر الحر[35]، وذكر الدكتور يوسف عز الدين أنَّ للمازني قصيدةً من شعر التفعيلة نشرتها الصحافة في العراق عام (1924م) وهي بعنوان "محاورة" منها:

لم أُكلِّمْهُ وَلكِنْ نَظرَتِي

سأَلَتْه أَيْنَ أمُّك

وَهْوَ يَهذِي علَى عادَتِه

مُنذُ وَلَّتْ كلَّ يومٍ

كلَّ يومٍ...[36]



وذكَر موريه "أنَّ أوَّل شاعر عربي كتب شعرًا غير منتظم القافية، وغير منتظم في عدد تفعيلات أبياته هو نقولا فيَّاض سنة 1924م"[37].



وذكَر بعضُهم أنَّ الشاعر السوري علي الناصر أصدر ديوانه الأول "الظمأ" عام (1931م) وفيه عدد من قصائد التفعيلة، منها قصيدة (أم كلثوم) وغيرها[38].



وذكر دارسون آخرون أسماء أخرى سبقت (باكثير)، وسبقت غيره ممَّن ذُكِرَ إلى كتابة هذا النمط من الشعر الجديد، وفي جميع الأحوال فإنَّ (باكثير) إنْ لم يكن أوَّل مَن كتَبَه فهو - من غير شك - من روَّاده الأوائل الذي قلَّدهم فيه مَن جاء بعدهم من كبار شُعَراء هذا الاتجاه كالسيَّاب وغيره.



خاتمة




إنَّ تجربة باكثير العروضيَّة تجربة غنيَّة في جميع مَراحلها، وقد بدا فيها شاعرًا مُتمكِّنًا أصيلاً، مُتضلِّعًا من عَروض الشعر العربي وموسيقاه، وقد أتاحت له ثقافته العربيَّة والأجنبيَّة أنْ تكون له بصمات واضحة في التنويع العروضي، وفي التجديد والابتكار، وفي القدرة على تفتيق آفاق جديدة في موسيقا الشعر: وزنًا وقافية وإيقاعًا.



وقد استطاع الباحث أنْ يرصد ستة أشكال للقصيدة عند باكثير، هي:

1- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم فيها الشاعر وزنًا واحدًا وقافية واحدة.



2- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم الشاعر فيها وزنًا واحدًا، ولكن تتنوَّع قوافيها من مقطع إلى آخر.



وفي إطار هذين الشكلَيْن تتَّخذ القصيدة كذلك أحد النوعين التاليين:

أ- قصيدة البحور التامَّة.

ب- قصيدة البحور القصيرة: مجزوءة، أو مشطورة، أو منهوكة.



3- شكل القصيدة العموديَّة التي يتعدَّد فيها الوزن والقافية، كما في قصيدة (سلامة)؛ حيث نهضت هذه القصيدة على ثلاثة أوزان هي: الرَّجَز، والوافر، والطويل، وتعدَّد فيها رويُّ القافية[39].



4- شكل القصيدة التي تُشبِه الموشَّحة، حيث يتعدَّد فيها الوزن والقافية، وتقومُ على نظام يشبه نظام الموشحة من حيث القفل والخرجة، وما شاكَل ذلك، وقد مثَّلنا لها بقصيدة (طال انتظاري) التي توقَّفنا عندها طويلاً.



5- قصيدة النشيد: وقد جمَع الدكتور محمد أبو بكر حميد الأناشيدَ في جزءٍ خاص من ديوان "من وحي ضِفاف النيل"، مع أنَّ بعض أناشيد هذا الجزء موجود في دواوين باكثير الأخرى التي تعودُ إلى مرحلة سابقة.



وتتَّخذ قصيدة النشيد عند باكثير أشكالاً مختلفة: النشيد ذو الوزن الواحد والروي الواحد، النشيد ذو الوزن الواحد والروي المتعدِّد، النشيد ذو الوزن المتعدِّد والروي المتعدِّد، النشيد الذي تطول فيه بعض الأشطر وتقصر الأخرى ضمن الوزن الواحد، كما في نشيد (حرب الفداء)[40] مثلاً، حيث تأتي بدايته على الشكل التالي:

تَصَاعَدِي تَصَاعَدِي يا شُعلَةَ الفِداء

تَصَاعَدِي يا غَضْبَةَ السَّماء



فالسطر الأول مُكوَّن من أربع تفعيلات من الرَّجَز، والثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات فقط.

ومن أشكال النشيد كذلك نشيد قصيدة التفعيلة.



6- شكل قصيدة التفعيلة، وقد رأينا أنَّ حضورها - في غير الشعر المسرحي - كان قليلاً.



ولم نجدْ بين أيدينا منها - في المراحل المختلفة من شعر باكثير - إلا ثلاث قصائد، وأخرى شبيهة بها، وهي قصيدة (رسم محمد علي لقمان).



والواقع أنَّ (باكثير) واضحُ الجرأة على العَروض، لا يخضع لقوانينه - على تمكُّنه منها - دائمًا خُضوعًا تامًّا، بل هو كثير التصرُّف، قادرٌ على تفتيق الجديد، والتصرُّف في الإيقاع، ومحاولة التطويع والتحوير في الأوزان والقوافي من أجل استجابتها للفنِّ المسرحي بشكل خاص؛ ولذلك فإنَّ (باكثير) قد يقَع من أجل ذلك في بعض الكسور والتجاوزات العروضيَّة التي لم يكن يُجِيزُها القُدَماء.





[1] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص10، جمع وتحقيق د. محمد أبو بكر حميد - الدار اليمنية: 1408هـ/1987م.



[2] انظر: "علي أحمد باكثير: شاعرًا غنائيًّا"؛ د. عبده بدوي (حولية كلية الآداب - جامعة الكويت، الحولية الثانية: 1400هـ-1981م) ص7.



[3] "العمدة": 1/134.



[4] "أزهار الربا": ص15.



[5] نقلاً عن "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث"؛ لسلمى الخضراء الجيوسي، ص44.



[6] السابق: ص576، 584.



[7] انظر ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، تحقيق د. محمد أبو بكر حميد.



[8] السابق: ص19.



[9] انظر: الجزء المخطوط من ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص2.



[10] السابق: ص109.



[11] انظر بعض هذه الكسور في الصفحات: 74، 75، 86، 93، 108، 133، 171، 210، 214، 229، 246، 247، 232، وغيرها.



[12] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص105.



[13] شكَّ الدكتور محمد أبو بكر حميد كذلك في أنْ تكون ولادته (1910م).



[14] ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، ص107.



[15] في الأصل "أأردت".



[16] ضبطت في الأصل "المخبِّر"، ولا يقوم بها الوزن.



[17] انظر: "سحر عدن": ص60.



[18] انظر: "شرح تحفة الخليل في العروض والقافية"؛ لبعدالحميد الراضي "بغداد: 1388هـ/1968م"، ص24.



[19] "سحر عدن": ص76.



[20] السابق: ص156.



[21] تُمثِّل هذه الإحصائية ما ورد في الأجزاء (1، 2، 4) من ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط الذي جمعه وحققه الدكتور محمد أبو بكر حميد.



[22] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/197.



[23] السابق: 2/260.



[24] ديوان "من وحي ضفاف النيل" 3/305.



[25] نقلاً عن الدكتور عبده بدوي، بحث "علي أحمد باكثير شاعرًا غنائيًّا" ص41.



[26] القصيدة موجودة في دواوينه، وقد قدمها إليَّ الدكتور "محمد أبو بكر حميد" مشكورًا، وقد نُشِرَ جزءٌ منها في كتاب "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.



[27] ص107.



[28] انظر: "الاتجاهات والحركات في الشعر الحديث": ص582.



[29] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ لموريه: ص290، ترجمة شفيع السيد، وسعد مصلوح.



[30] انظر: "التجديد في الشعر الحديث"؛ ليوسف عز الدين: ص116.



[31] انظر: "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.



[32] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ س. موريه: ص397.



[33] انظر السابق.



[34] السابق: ص296.



[35] النقد الأدبي الحديث في العراق: ص77 مكتبة الخانجي، القاهرة: 1988م.



[36] انظر: "التجديد في الشعر الحديث" ص129.



[37] "الشعر العربي الحديث": ص296.



[38] انظر: فواز حجو، الأسبوع الأدبي، العدد (1160) تاريخ 25/7/2009م - ص8.



[39] انظر: ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/251.



[40] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط، الجزء الثالث "الأناشيد" ص331.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]