عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-06-2021, 04:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي الظواهر العروضية في شعر باكثير

الظواهر العروضية في شعر باكثير


د. وليد قصاب








تميَّز علي أحمد باكثير - بشكل خاصٍّ - في المسرح والرواية، وكانت له فيهما ريادةٌ لا تخفى على أحدٍ، ويشهد على ذلك هذا الكمُّ الهائل من المسرحيَّات والروايات والقصص التي خلَّفَها باكثير - رحمه الله - فقد ترك قرابة سبعين مسرحيَّة، وست روايات، وعشرات التمثيليَّات والقصص، حسبما ذكَر د. محمد أبو بكر حميد الذي اهتمَّ بجمع تراثه[1].



كان باكثير شاعرًا مُكثِرًا، إلا أنَّه لم يُجمَع شعرُه في ديوان وهو حيٌّ، بل إنَّ كثيرًا ممَّا كتَبَه لم يُنشَر وبقي حبيسَ أوراقِه وأدراجه، حتى تهيَّأ له بعد موته مَن يخرجه إلى النور، وهو شاعرٌ غنائيٌّ بامتياز، حتى إنَّ القصيدة الغنائيَّة - كما يقول الدكتور عبده بدوي، رحمه الله - "قد تحكَّمت في أعماله المسرحيَّة والغنائيَّة، بل يمكن القول: إنها تحكَّمت في حياته، وأدخلتها في أكثر من منعطف[2].



ويتَّسم شعرُ باكثير - بشكلٍ عام - بالسلاسة والتدفُّق، وبالوضوح وقُرب المأتى، وقد تنقُصه أحيانًا الفنيَّة العالية، ويبدو بعضه أقرب إلى النظم منه إلى الشعر، ولكنَّنا لن ننسى أنَّ كثيرًا ممَّا بين أيدينا من شعر باكثير هو - كما ذكرنا - ممَّا جُمِعَ من مُسوَّداته وأوراقه التي حملت مشروعات لقصائد لم يتحْ للشاعر أنْ يُنضجها أو يُنقِّحها، فكثُر فيها التصحيف والتحريف والكسور، كما أنَّ (باكثير) شُغِلَ - على ما يبدو، ومنذ مطلع تجربته الشعريَّة - بالتجديد، ولا سيَّما التجديد العروضي الموسيقي، ولعلَّ هذا الاشتغالَ الواضح على التجديد والتجريب شغَلَه في بعض المواطن عن التحليق والإبهار.



دوافع التجديد عند باكثير:

تهيَّأت لباكثير مجموعةٌ من العَوامِل الذاتيَّة والخارجيَّة التي دفعَتْه في طريق التجديد العروضي، وأعانَتْه عليه، ومن ذلك:

1- تمكُّن الشاعر من أدواته العروضية تمكُّنًا قويًّا منذ بدايات حياته الشعرية كما سنرى بعد قليل عندما نعرض لتجربته الشعريَّة في دواوينه المطبوعة والمخطوطة؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الشاعر لم يلجْ عالم الشعر إلا بعد أنْ أتقن أدواته إتقانًا تامًّا، ومنها الوزن والقافية - بأشكالها المختلفة - وهما أساس الشعر.

يقول ابن رشيق -: "الوزن أكبر حد الشعر، وأولاها به خصوصيَّة، وهو مشتملٌ على القافية، وجالبٌ لها بالضرورة"[3].



2- اطِّلاع باكثير على الأدب الإنجليزي؛ فقد درسه وتخصَّص فيه، ممَّا أتاح له قراءة إنتاج شعرائه، وتعرَّف على تجاربهم، وما يتمتَّع به هذا الشعر من حريَّة في استعمال الوزن والقافيَّة، أو طرحهما والتخفُّف منهما، على نحوٍ لم تكن تعرفه القصيدة العربيَّة إلا نادرًا؛ إذ على الرغم من معرفة الشعر العربي - عبر رحلته الطويلة - ضُروبًا غير قليلة من التجديد الموسيقي، ظلَّت القصيدة التراثيَّة الموزونة المقفَّاة على قافية واحدة هي النموذج المهيمِن.



3- وفي أثناء دِراسة باكثير لهذا الأدب الإنجليزي الذي فتَح أمامَه آفاقًا جديدة، تعرَّض لتجربةٍ شخصيَّة شحذت عنده روح التحدِّي، وقوَّت عزيمته على التجديد والخروج على النمطيِّ السائد، تلك التجربة هي اصطِدامُه مع أستاذه الإنجليزي، الذي كان يُسفِّه تجربةَ الشعر العربيِّ، ويَزعُم أنَّ اللغة العربيَّة لا يمكن أنْ تتَّسع للشعر المرسل الذي يكتُبُه الشعراء الإنجليز، فأجابَه الطالب باكثير بأنَّه لا يوجد ما يَحُول دون إيجاد هذا الضرب من الشعر في اللغة العربية[4]، وعندما نهرَه الأستاذ الإنجليزي وسفَّه رأيَه، تيقَّظتْ في الطالب روح التحدِّي، وعكس ذلك في تطبيقٍ عمليٍّ؛ فراحَ يمارس ذلك بالترجمة أولاً، فترجم "روميو وجوليت"؛ لشكسبير عام (1936م) بالشعر المرسل أي: المتحرر من القافية ولكنه موزون، ومن نموذج ما جاء في هذه المسرحية:

روميو: قَسَمًا بغُرَّة ذلِك الوَجْهِ المُبارَكِ

إذْ يُتَوِّجُ بالسَّنا الفِضيِّ هامَاتِ الشَّجَرْ

جوليت: أَقسِمْ بِغَيْرِ البَدْرِ هذا الكائِنِ الجَمِّ التقلُّبْ

إني لأَخْشَى أنْ يَكُونَ هَواك مثلَهْ

مُتغيِّرًا في كلِّ شهرٍ ما لَهُ أبدًا على حالٍ ثَبات[5]



فمن الواضح أنَّ هذا المقطع قد بُنِي على تفعيلة الكامل "متفاعلن" ولم تتساوَ التفعيلات في جميع الأسطر، وتحرَّرت الأسطر الخمسة من القافية الموحدة، وهو نموذج أقرب إلى ما اصطُلِح على تسميته فيما بعدُ بالشعر الحر، وكان باكثير يُسمِّيه الشعر المرسل، وقد استخدم باكثير في ترجمة هذه المسرحيَّة تفعيلة المتدارك كذلك، ثم كتب في عام (1938م) مسرحيَّة "أخناتون ونفرتيتي"، واعتمد في كتابتها على تفعيلة بحر واحد هو المتدارك.



وهكذا بدَا باكثير مُتحدِّيًا، غيورًا على اللغة العربيَّة والشعر العربيِّ، مُعتزًّا بهما، مُوقنًا من قُدرتهما على مجاراة أيِّ جديد، والاستجابة لأيِّ مطلب من مطالب الفن، وقد مضى يثبت ذلك عمليًّا، وبإبداعه الخاص، فاندفع في تجاربه التجديدية ليبرهن على ذلك.



زِدْ على ذلك أنَّ الدعوات إلى التجديد - لأسبابٍ مختلفة ليس ها هنا مجال البحث فيها - قد بدَأتْ منذ مَطلَع القرن العشرين، وهي دعوات تقودُها طَوائفُ مُتخلِّفة، أفرادًا وجماعات؛ مدرسة المهجر، ومدرسة أبولو، ومدرسة الديوان، وطوائف أخرى.



وقد بدأت تظهَرُ محاولاتٌ في الشعر المرسل قام بها رزق الله حسون في سوريا، والزهاوي في العراق، وعبدالرحمن شكري وأحمد زكي أبو شادي في مصر، كما كانت هنالك محاولات في كتابة الشعر نثرًا، وهو ما أُطلِق عليه فيما بعد "الشعر المنثور"، ثم بدأت منذ العقد الثالث من القرن العشرين تجارب ما عُرف بعدَ ذلك بالشعر الحر، كالذي نشره أنور شاؤول عام (1929م)، وغير ذلك من محاولاتٍ سبقت في الكتابة على البحور القصيرة، والمزدوجة، والرباعية وغيرها[6].



4- وإلى جانب هذه التجارب التجديديَّة الكثيرة في عَروض الشعر ومُوسيقاه كانت تجربة الشاعر "محمد علي لقمان" صديق باكثير الحميم، وكان يعدُّه في مقام أستاذه، ولا يُستبعد تأثُّره به، وهو يُشِير في أبياتٍ كتبها على ما يبدو ردًّا على رسالةٍ وصلَتْه من صديقه إلى تجديده العروضي قائلاً:



رَأَيْتُ رَسَائِلَكَ الوَافِيَهْ

عُقُودًا مِنَ الدُّرَرِ الْغَالِيَهْ




فَشِعْرٌ رَقِيقٌ أَسِيرُ القَوَافِي

وَشِعْرٌ طَلِيقٌ بِلاَ قَافِيَهْ




أَفَادَتْ أَخَاكُمْ عُلُومَ الْحَيَاةِ

لَوَ انَّ لَهُ أُذُنًا وَاعِيَهْ[7]








وواضحٌ أنَّ (باكثير) يشير في هذه الأبيات إلى أنَّ لقمان يُجدِّد في العروض، وهو يكتب شعرًا "أسير القوافي" و"شعرًا طليقًا" متحررًا من القافية.



والخلاصة: أنَّ هذه المؤثِّرات الخارجيَّة الحافزة زيادةً على نبوغ باكثير، وموهبته الفذَّة، وتمكُّنه من العروض الخليلي، والإمكانات الهائلة الكامنة فيه، ونزوعه الذاتي إلى التجديد والابتكار - تَفاعَلتْ جميعُها لنجد باكثير ينزع إلى التجديد العَروضي، ويحمل لواءَه، ويكون واحدًا من أبرز رُوَّاده.



التجربة العروضيَّة في أزهار الربا:

علي أحمد باكثير شاعرٌ مُتمكِّن من عُلوم العربيَّة تمكُّنًا راسخًا؛ فقد تلقَّى تعليمَه في مدينة "سورابايا" في إندونيسيا؛ حيث وُلِدَ بعيدًا عن وطَنِه الأصلي حضرموت، ودرَس في إحدى المدارس العربيَّة الإسلاميَّة هناك، ثم أرسَلَه والده وهو في سنِّ العاشرة إلى مدينة "سيئون" بحضرموت وطنه، فأكمل هنالك تعليمَه حيث تعهَّده بالرعاية عمُّه العلامة الشيخ "محمد بن محمد باكثير"، ثم استكمَلَ دراستَه في مدرسة النهضة العلميَّة بـ"سيئون" وتخرَّج فيها بتفوُّقٍ جعَلَه أهلاً لأنْ يُعيَّن مديرًا لها عام (1345هـ/1926م)؛ أي: وهو ما يزال ابن ستة عشر ربيعًا، إذا صحَّ ما ذُكِرَ من أنَّ سنة ولادته كانت سنة (1910م).



وقد تألَّق الفتى "باكثير" في عُلوم العربيَّة؛ من نحو وصرف وعروض وأدب وبلاغة وغير ذلك، وبدَأ ينظم الشعر وهو ما يَزال فتًى في الثالثة عشرة من عمره[8]، وله قصيدةٌ في رثاء زوجة أبيه كتَبَها في هذه السن[9].



لقد قرأت ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" وهو يُمثِّل ما كتَبَه باكثير في حضرموت عندما عاد إليها من إندونيسيا، يُمثِّل الشعر الذي كتَبَه ما بين (1921م - 1932م)؛ أي: وهو صبيٌّ ما بين الحادية عشرة أو الثانية عشرة إلى العشرين أو الثانية والعشرين، وإنَّ الباحث لَيَأخُذه العجب، ويكنُّ تقديرًا عظيمًا لهذا الفتى الذي يشفُّ شعره - منذ هذه الفترة المبكِّرة جدًّا - عن نُبوغٍ واضح، وعن شاعريَّة فذَّة، وعن طبع مُتدفِّق سيَّال يقذف الشعرَ كما ينقذف الماء من قمَّة جبل عالٍ.



ولأنَّ هذا البحث مَعنِيٌّ بالوُقوف على الجانب العروضي الموسيقي في شِعر باكثير، فإنَّ ممَّا رصَدَه الباحث من ظواهرَ تتعلَّق بهذا الجانب يمكن تلخيصُها في النقاط التالية:

1- لا نكاد نجدُ في شعر هذه المرحلة ظواهرَ عروضيَّة خارجة على المألوف كما سيكونُ عليه الحال في المراحل القادمة من تجربة باكثير الشعريَّة؛ فهو يمشي على سنن العَروض الخليلي المُتوارَث، ويستخدم ما يجيزُه هذا العَروض من الزِّحَافَات والعلل، ومن البحر التام والمجزوء والمشطور، وما شاكَل، وهو يستخدم في جميع قصائد هذا الديوان ومُقطَّعاته القافية الموحَّدة، باستثناء قصيدة واحدة من الرَّجَز وردت بعنوان "الحكماء والسعادة"، وهي من مشطور الرَّجَز، وجاء كلُّ بيتين فيها على رَوِيٍّ واحد[10].



2- يُلاحَظ على قصائد هذه المرحلة غلَبَةُ استعمال البحور التامَّة، وقلَّة اللجوء إلى استِعمال المجزوء أو المنهوك أو المشطور منها، كما ستُبيِّن ذلك الإحصائية التي سنُورِدها بعد قليل.



3- يُلاحَظ غنى المادة العروضيَّة التي قام عليها شعرُ هذه المرحلة المبكِّرة من حياة الشاعر؛ فقد استخدم باكثير - كما ستُبيِّن الإحصائية - تسعة عشر شكلاً للبحور الشعريَّة، ما بين تام ومجزوء ومشطور، واحتلَّ بحر الكامل منها المرتبة الأولى في الاستعمال، تلاه الخفيف، فالطويل، فالوافر، فالبسيط، فالمتقارب، فالسريع، فالرمل، ثم المجتث والرَّجَز، فهذه عشرة بحورٍ استُعمِلت في شكلها التام، وأمَّا المجزوء منها فكان ترتيبها - من حيث الكثرة - على النحو التالي: مجزوء الكامل، فمجزوء الخفيف، فمجزوء الرمل، ثم كلٌّ من مجزوء الوافر والمتقارب والرَّجَز بنسبةٍ واحدة، ثم مشطور الرَّجَز، ومخلع البسيط، ومنهوك المتدارك.



وهذه إحصائيَّة بالمادة العروضيَّة المستعمَلة في ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا":




م

اسم البحر

مرات استعماله

1

الكامل

24

2

الخفيف

23

3

الطويل

22

4

الوافر

17

5

مجزوء الكامل

15

6

مجزوء الخفيف

12

7

البسيط

11

8

المتقارب

10

9

السريع

8

10

الرمل

5

11

مجزوء الرمل

2

12

المجتث

2

13

الرَّجَز

1

14

مجزوء الوافر

1

15

مجزوء المتقارب

1

16

مجزوء الرَّجَز

1

17

مشطور الرَّجَز

1

18

مخلع البسيط

1

19

منهوك المتدارك

1






ويُلاحَظ أنَّ (باكثير) قد استَخدَم - وهو في هذه المرحلة المتقدِّمة جدًّا من تجربته الشعريَّة - أغلبَ بحور الشعر العربي، ما كان منها متداولاً وما كان منها قليل التداول، ولم تَغِبْ عن شِعره هذه المرحلة إلا بحور: المنسرح، والمقتضب، والمضارع، والهزج.



4- يُلاحَظ وجودُ كسورٍ غير قليلة في قَصائد هذه المرحلة، وقد يكون ذلك عائدًا إلى أكثر من سبب؛ منها: أنَّ (باكثير) - رحمه الله - لم يُصدِر ديوانًا شعريًّا في حياته؛ ممَّا يعني أنَّه لم يُتَحْ له مراجعة ما طبع أو تنقيحه، ومنها أنَّ كثيرًا من شعره لم يُنشر في حياته في صحف أو مجلات، بل جُمِعَ من مُسوَّدات الشاعر وأوراقه الكثيرة التي تركها؛ ممَّا يعني كذلك أنَّ هذه القصائد لَمَّا تكتمل بعد، وتأخُذ شكلها النهائي، ولم ينظُر الشاعر فيها أو ينقحها[11].



التجربة العروضيَّة في "سحر عدن":

يُمثِّل شعر هذا الديوان المرحلة الثانية من حياة باكثير، وهو شعرُه في عدن التي قدم إليها من حضرموت عام (1932م)، وأقام فيها حوالي عشرة أشهر، وقد أنتجَتْ هذه الفترة قصائد هذا الديوان "سحر عدن وفخر اليمن".



وباكثير ها هنا قد أصبح في الثانية والعشرين من عمره، إذا أخذنا برواية أنَّه ولد سنة (1910م)، وإنْ كان تاريخ الولادة هذا غير دقيق على ما يبدو؛ لأنَّ الشاعر نفسَه يشير في قصيدةٍ له كتبها في سنة (1926م) إلى أنَّه بلغ العشرين، والقصيدة عنوانها (أنا في سن العشرين) وفيها يقول:



انْظُرُونِي فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِي

إِذْ "عَلِيٌّ" فِي سِنِّهِ العِشْرِينَا[12]








ممَّا يعني أنَّه ولد في عام (1906م)[13].



وتبدو قصائدُ هذه المرحلة أكثر نُضجًا وفنيَّة من قصائد المرحلة السابقة، على الرغم من عدم افتقاد قصائد مرحلة حضرموت "أزهار الربا" إلى النُّضج كذلك، ولا سيَّما أنَّ الشاعر كان في تلك المرحلة فتى لَمَّا يبلغ العشرين بعدُ.



ولكن نبوغ باكثير بدَأ يتوهَّج، وراحَتْ شاعريَّته تتفتَّح يومًا بعد يوم؛ إذ إنَّ هذه الشاعريَّة قد قامت في الأصل على أسس راسخة مكينة، قوامها: موهبة عارمة، وثقافة عربيَّة أصيلة، واطِّلاع عميق على التراث، وخِبرة حياتية اكتسَبَها من سفره وترحُّله عبر البلدان، وما عانى من مُكابَدات وأشواق جعلت شعره مُتوقِّدًا بالعاطفة والمشاعر الجيَّاشة.



والتجربة الشعرية في "سحر عدن" بدَتْ لي - كما قلت - أعمق وأنضج وأكثر غنى بالتجارب والأفكار، وبدأت تتَّضِح فيها ملامحُ يسيرة للتجديد الموسيقي، والخروج قليلاً على العروض المألوف، وبدأ باكثير يتفنَّن أكثر من المرحلة السابقة في استثمار طاقات العَروض الخليلي، وتفتيق جوانب إيقاعيَّة فيه.



ففي قصيدةٍ نظَمَها في رسم صَدِيقه الحميم محمد علي لقمان[14] نجدُ تشكيلاً عَروضيًّا جديدًا، فهو يُنوِّع فيها في القوافي، ولا يلتزم فيها عددًا واحدًا من التفعيلات، ولا وزنًا واحدًا، وقد تبدو - لِمَن اعتادت أذنه الإيقاع العروضي المألوف - مضطربةَ الوزن، غير منسجمةِ التفعيلات، ولكنَّها - فيما يبدو - محاولةٌ للخروج على الأوزان المألوفة، تبدأ القصيدة بهذين البيتين:



أَيُّهَا الرَّسْمُ تَكَلَّمْ

مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ التَّكَلُّمَا




وَلِمَاذَا تَتَبَسَّمْ

وَيْكَ مَنْ عَلَّمَكَ التَّبَسُّمَا








ومن الواضح أنَّ الشطر الثاني في كلٍّ منهما أطول من الأول؛ فالشطر الأول مكوَّن من "فاعلاتن + فاعلاتن" ولكن الشطر الثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات هي "فاعلاتن + فاعلات + فاعلن"، وكذا البيت الثاني؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى القصيدة التفعيليَّة، والأدق - عندئذٍ - كتابتها على شكل سطور متتالية:

أيها الرسمُ تكلِّمْ

ما الذي يمنعُك التكلُّما

ولماذا تتبسَّمْ

وَيْكَ منْ علَّمك التبسُّما؟



وإذا كان باكثير قد بدأ قصيدته بتفعيلة الرمل (فاعلاتن) فإنه لا يلتزمها في جميع القصيدة، بل ينتقل إلى تفعيلاتٍ أخرى، فيقول باكثير:

قُلْ لِي أمَا تَتْعبُ؟

مِن أُلُوفِ البَسَمَاتِ

تجدُّ أمْ تَلعَبُ

إذْ تجيلُ النَّظَرَاتِ؟



أربعة أسطر، وقد نوَّع باكثير الوزنَ فيها؛ فالسطر الأوَّل قام على تفعيلتي: "مستفعلن + فاعلن"، ولكنَّه انتقل في الثاني إلى "فاعلاتن + فاعلاتن"، وجاء السطر الثالث كالأول، والرابع كالثاني، ولذلك فإنَّ من الخطأ كتابة هذا المقطع على شكل الشطرين؛ لأنَّ من غير المعقول أنْ يكتب الشاعر بيتًا شطره الأول من بحرٍ وشطره الثاني من بحرٍ آخَر، وتمضي القصيدة على هذه الشاكلة:

أَشرَقَ النَّادِي بِنُورِكْ فاعلاتن - فاعلاتن

فغَدَوْت البَدْرَ وَهْوَ الفلَكُ فعلاتن - فاعلاتن - فعلن

قُل لنا بُورِكت يا رَسْم وبُورِكْ فاعلاتن - فاعلاتن - فعلاتن

بَشَرٌ لاحَ لنا أَمْ مَلَكُ؟ فعلاتن - فعلاتن - فعلن

أَرَدتَ[15] أَنْ تَحكِي متفْعلن + فعْلن

فَخْرُنا لُقْمانُ مَنْ حازَ البَيانا فاعلاتن+فاعلاتن + فاعلاتن

فارْجِعْ إلى مَكِّي مستفعلن + فعلن

قلْ له هَبْ لِي شُعُورًا وَلِسَانا فاعلاتن + فاعلاتن + فعلاتن

أنت لا تَقدِرُ أنْ تخطُبْ فاعلاتن+ [فعلاتن+تن = (فعلاتان)]

فانزِلْ مِنَ المِنبَر مستفعلن + فعلن

أنتَ لا تُملِي ولا تَكتُبْ فاعلاتن+[فاعلاتن+تن= (فاعلاتان)]

ما المَنظَرُ المخْبِرْ[16] مستفعلن + فعلن



وهكذا تمضي هذه القصيدة على الطريقة التفعيليَّة، وقد مزَج فيها باكثير بين بحرين هما: الرمل والرَّجَز، ونوَّع فيها في القافية، وعلى الرغم من أنَّ هذا الانتقال من بحرٍ إلى بحر لم يبدُ في القصيدة مسوغًا، لا فنيًّا ولا موضوعيًّا، فإنَّه يُعدُّ محاولة مبكِّرة جدًّا للخروج على العروض الخليلي وكتابة قصيدة ممَّا أصبح يُعرَف فيما بعدُ بـ"الشعر الحر" أو "شعر التفعيلة".



وإذا عرفنا أنَّ هذه القصيدة قد كُتِبتْ سنة (1932م)؛ أي: قبل ما يُسجل لبدر شاكر السيَّاب ونازك الملائكة بخمسة عشر عامًا تقريبًا، فإنَّنا نستطيع أنْ نُسجِّل ريادةً واضحة لعلي أحمد باكثير في كتابة شعر التفعيلة.



والواقع أنَّ في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" هذا الذي كُتِب - كما عرفت - في مرحلةٍ مُبكِّرة جدًّا من حياة باكثير تعودُ إلى عام (1932م)، أكثر من قصيدة يبدو فيها التلاعُب العروضي ومحاولة النظم على ضرب من التشكيل العروضي الجديد؛ فقصيدة (الحب والموت)[17] بُنِيتْ على "فاعلن - فاعلاتن":



نَسَفَ اليَأْسُ نَفْسِي

بَعْدَ مَوْتِ حَبِيبِي




كُلَّ حِينٍ لِذِكْرَا

هُ لَظًى فِي جُنُوبِي





يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]