سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1]
رامي حنفي محمود
تفسير الربع الخامس من سورة النساء بأسلوب بسيط
الآية 59: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾: يعني وأطيعوا وُلاةَ أمْركم - وهم الحُكَّام - في غير معصية الله، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾: يعني فإن اختلفتم في شيءٍ بينكم، فأَرجِعواالحُكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ حق الإيمان ﴿ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾، لأنّ ﴿ ذَلِكَ ﴾ الرَدّ إلى الكتاب والسُنَّة ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم من التنازع والقول بالرأي ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾: يعني وأحسن عاقبةً ومآلاً في الدنيا والآخرة (لأنّ تأويل الشيء هو ما يَؤول إليه في آخر الأمر)، فحُكم اللهِ ورسوله هو أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم.
الآية 60: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ﴾ أولئك المنافقين ﴿ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ ومع ذلك فهُم ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا ﴾ فيفَصْل الخصومات بينهم ﴿ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾: أي إلى غير ما شَرَعَ اللهُ من الباطل، ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾: أي بهذا الباطل؟، ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ ﴾ بذلك ﴿ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ عن طريق الحق، وفي هذه الآيةدليل على أن الإيمان الصادق يَقتضي الانقياد لشرع الله تعالى، والحُكم به في كل أمرمن الأمور.
الآية 61: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى ﴾ الحُكم بـ ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى ﴾ تحكيم ﴿ الرَّسُولِ ﴾ ﴿ رَأَيْتَ ﴾ هؤلاء ﴿ الْمُنَافِقِينَ ﴾ الذين يُظهرون الإيمان ويُبطِنون الكفر ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾: يعني يُعرضونعنك، وكذلك يَصُدّون الناس عن اتِّباع دينك.
الآية 62: ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حال أولئك المناففين ﴿ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من المعاصي (ومنها تحكيم الطاغوت)؟، ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ ﴾ أيها الرسول معتذرين لِما صَدَرَ منهم و ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ لك ﴿ إِنْ أَرَدْنَا ﴾: يعني ما قصَدْنا بتحاكُمِنا إلى غيرك ﴿ إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾: أي ما قصَدْنا بذلك إلاَّ الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كَذَبة في ذلك، فإنَّ الإحسان كله في تحكيم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾.
الآية 63: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ هم ﴿ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴾ حقيقة ﴿ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾: يعني وحَذِّرْهُم مِن سوء ما هم عليه، ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾: يعني قولا يؤثر فيهم، ويُخوفهم تخويفاً شديداً.
الآية 64: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ ﴾: يعني إلا لِيُستجابَ له، وفي هذا دليل على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه، وفي هذا أيضاً إثبات عِصمة الرُسُل - من الخطأ - فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم طاعة مطلقا، فلولا أنهم معصومون، ولولا أنهم لا يَشرعون ما هو خطأ: لَمَا أمر بذلك مطلقا.
• وأما قوله: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي إن الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره وتوفيقه، ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يُمكِن للإنسان - إن لم يُعِنْهُ الله - أن يطيع الرسول، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ﴾: يعني ولو أن هؤلاء المنافقين ﴿ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ بفعل السيئات (ومنها التحاكم إلى الطاغوت، وترْكِهِم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم): ﴿ جَاءُوكَ ﴾ أيها الرسول - في حياتك- تائبين معترفين بخطيئتهم ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾.
• واعلم أن هذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مُختَصّ بحياته فقط؛ لأن السِيَاق يدل على ذلك (لِكَوْن الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته)، وإلاَّ، فلو أنَّ كل مذنب لا يُغفَرُ له إلا إذا أتى الرسول صلى الله عليه وسلم واستغفر له لما تاب أحد، ولَلَزِمَ أن يَبقى الرسولُ حياً لِيستغفر للمذنبين، وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُطلَبُ منه شيءٌ، لأن ذلك يكون شِركاً.
الآية 65: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ ﴾: يعني فوَرَبِّكَ، وهذا مِثل قول القائل مُهدداً: (أنا لن أقسم، ولكنْ لو لم تفعل كذا: سوف يحدث كذا)، وهذا تأكيدٌ للقسم، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ حق الإيمان ﴿ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾: يعني حتى يجعلوك حَكَمًافيما وقع بينهم من اختلاف (وذلك في حياتك)، ويتحاكموا إلى كتاب الله وسُنِّتِك (بعد مماتك)، ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ﴾: يعني ضِيقًاً ﴿ مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ لهم ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾: يعني وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً لهذا الحُكم.
• وفي هذا دليل على أنه مِن صَميم الإيمان: تحكيم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم (من الكتاب والسنة) في كل شأنمن شؤون الحياة (مع الرضا والتسليم للحُكم الإلهي) حتى ولو لم يوافق هَوَى العبد.
الآية 66، والآية 67، والآية 68: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾: يعني ولو أوجَبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾: يعني أن يَقتل بعضكم بعضًا (كما حصل ذلك لبني إسرائيل عندما أرادوا التوبة من عبادة العجل)، (﴿ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾) مهاجرين في سبيلنا ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾: يعني ما استجاب لذلك إلا عددٌ قليلٌ منهم، (﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾): يعني ولو أنهماستجابوا لما يُنصحون به من أوامر الله ونواهيه ﴿ لَكَانَ ﴾ ذلك ﴿ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ للإيمان في قلوبهم، وللطاعة على جوارحهم، ﴿ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا ﴾: يعني وحينئذٍ سنعطيهم منعندنا ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾: يعني ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق اللهالقويم وهو الإسلام، وثبتناهم عليه، ولذلك ينبغي للعبد عندما يقرأ في الصلاة قول الله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، أن يرجو من الله أن يثبته على الإسلام حتى يلقاه، وألاَّ يُضِلَّهُ بذنوبه.
الآية 69، والآية 70: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾: يعني فَأُولَئِكَ سيكونون في صُحبة مَن أنعم الله عليهم بالجنة ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ ﴿ وَالصِّدِّيقِينَ ﴾ الذين كَمُلَ تصديقهم بما جاءت به الرُسُل (اعتقادًا وقولاوعملاً)، وكذلك مَن غلب عليه الصدق في أقواله وأعماله، لكثرة ما يَصدُق ويتحرى الصدق، ﴿ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ في سبيل الله ﴿ وَالصَّالِحِينَ ﴾، ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ في الجنة، ﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ ﴾: يعني ذلك العطاء الجَزيل إنما هو ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ وحده، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾، فهو سبحانه يعلم أحوال عباده، ويعلم مَنيَستحقُّ منهم ذلك الثواب الجزيل (بسبب ما قام به من الأعمال الصالحة)، ومَن لا يستحق ذلك.
• ولذلك ينبغي للعبد عندما يقرأ في الصلاة قول الله تعالى: (﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾)، أن يستشعر الرجاء والتذلل لله تعالى في أن يجعله في الجنة مع الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وأن يستشعر كذلك في قوله: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ أن الله هو الذي أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق والإعانة، والنجاة من الفتن والذنوب، وليس ذلك مَهارةً منهم أو ذكاء، كما قال أحد أهل الجنة: ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ (أي لكنتُ من المُحضَرين في العذاب)، فبذلك يرجو من ربه هذه النعمة التي ينجو بها من العذاب، ويتنعم بها في الجنة.
الآية 71: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ بالاستعداد لعدوكم ﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ ﴾: يعني فاخرجوا لملاقاته جماعةبعد جماعة ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾: يعني أو اخرجوا لملاقاته مجتمعين.
الآية 72، والآية 73: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾: يعني وإنَّ منكم لَنَفَرًا يتأخر عن الخروج (لِمُلاقاة الأعداء) مُتثاقلاً وَيُثَبِّطُ غيره (يعني يُلقي في نفوسهم الرغبة في التخلف، ويُحَبِّبه إليهم حتى يَتكاسلوا عن الخروج)، ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾: يعني فإن قُدِّر عليكم أن تُصابوا بقتلٍ أو هزيمة (قَالَ) - مستبشرًا -: ﴿ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾: يعني قد حفظنياللهُ حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما تكرهه نفسي، وَسَرَّهتخَلُّفه عنهم، ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ بنصرٍ وغنيمة ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ - حاسدًا متحسِّرًا - ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ في الظاهر: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمً ﴾.
[1] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُهافي القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.